النسويات والإنتخابات المحلية في البلدات العربية - قضايا الناصرة من منظور نسوي

في الأسبوع الماضي اعلنت عضوة الكنيست حنين زعبي عن خوضها معركة الإنتخابات المحلية كمتنافسة على مقعد رئاسة بلدية الناصرة. وقد فتح هذا الأعلان نقاش تم زج النسوية اليه بالقوة ليتطور الى نقاش حول كون زعبي كإمرأة حاملة لأجندة نسوية في طروحاتها السياسية المحلية والعامة ام لا.

اولاً وللتنويه اود التوضيح أن زعبي ليست أول إمرأة عربية تخوض معارك الانتخابات المحلية على مقعد الرئاسة كما ورد على لسان بعض الصحفيين، فقد سبقتها الى ذلك السيدة فيوليت خوري في سنوات السبعين لرئاسة مجلس كفرياسيف وفي السياق الفلسطيني العام لا بد من ذكر كل من فيرا بابون رئيسة بلدية بيت لحم وجانيت ميخائيل رئيسة بلدية رام الله سابقاً وربما أخريات سهت ذاكرتي عنهم. ولطالما أنتقدت نسويات النهج الذكوري الذي يسعى الى التفرد بمكانة "الأول" و"الأقوى" و"الأنجح" و"الأكبر" وبعكس هذا النهج تشدد نسويات على أهمية العمل الجماعي فلا يفاجئني نهج ذكوري فرداني لهذا الصحفي او ذاك لكن توقعي من نسويات هو الإلمام بالإنجازات النسائية نسوية كانت ام لا وإعطاء كل ذات حق حقها وعدم التعتيم على إنجازات نساء كبيرة كانت او صغيرة لصالح اي من الأخريات.

اعلان زعبي للترشح للرئاسة يتزامن مع حملة تشجيع النساء العربيات على خوض الإنتخابات، وكلا الأمرين يحثان على طرح ونقاش قضايا البلد من أعين النساء وهنا لا بد من السؤال هل تختلف الطروحات النسائية عن طروحات الرجال التي اعتدنا عليها؟ وفي هذا السياق من المهم التوضيح أن المرأة كالرجل لا تختلف عنه سياسيا الا اذا كانت نسوية. فكون المرأة مرأة لا يحتم كونها نسوية (والنسوية هي فكر ونهج سياسي)، وكون الرجل رجل لا يحتم كونه غير نسوي فالعديد من الرجال تستطيع التواصل مع الفكر النسوي السياسي وتستطيع ان تحلل الأمور وأن تأخذ القرارات المناسبة من هذا المنظور. ولن اخوض هنا بين نسوية المساواة  بين الرجال والنساء وبين نسوية التمعن في علاقة القوة والسعي الى ابطالها واكتفي بالقول ان النسوية التي اتبعها وانشدها هي نسوية ابطال علاقات القوة بين الفئات المختلفة للمجتمع وليست نسوية المساواة بما فيها المساواة في عمليات القمع والإضطهاد للأخر. وفي نهاية الأمر لا بد لي من الثناء على ترشح حنين للرئاسة مما فتح وسيفتح مواضيع لم تتداول من قبل وأهمها ما سأطلق عليه اسم "النسوية والقضايا المحلية".

لطالما انشغلت النسويات العربيات في البلاد في قطبين، القطب الأول قطب "القضايا الوطنية" التي ما سأمنا الإنشغال فيها حيث أننا نثبت من خلالها لنا وللأخرين انتمائنا وولائنا الجماعي ونكب يومياً على تجديد عهدنا الوطني الذي ما سئمت القوة الذكورية الأبوية المحافظة من مسألته صباحاً ومساء. ام القطب الثاني فهو قضايا "الجريمة ضد النساء" فبتنا نلعق جراحنا ونلملم دمائنا المراقة عبر كل صوب وجانب. وبين مُسألة الوطنية والجريمة نجحت المنظومة الذكورية الأبوية بأقصائنا، نساء ونسويات، عن القضايا المحلية التي تؤثر على الحياة اليومية لفئة كبيرة من النساء ولم تحظى منا هذة القضايا على القدر الكافي او ربما على اي نوع من الأهتمام.

طبعاً من السهل جداً كتابة الجملة "طرح نسوي للقضايا المحلية للبلد" كعنوان فضفاض لكن من الصعب تفسيرذلك على ارض الواقع حيث أن احزابنا العربية مشكورة (والعائلات والحمائل المتنافسة في بلدات أخرى) لا تقوم بطرح ومناقشة القضايا العينية على الجماهير انما تكتفي بوعود عامة في سياق صراع قوى بحت، فكلٌ يعرضُ نفسه كمخلص البلد من مشاكلها لكن جماهيريا لا يوجد نقاش حول الطُرق الأفضل لحل هذة القضية او تلك. وطبعا غياب النقاش والمواقف والمعايير العامة للقضايا المحلية ينبثق عنه غياب للنقاش وللموافق والمعايير النسوية حولها وغياب للطروحات والبدائل.

فعلى سبيل المثال وليس الحصر، سوق الناصرة (البلد القديمة)، مركز الناصرة النابض حتى سنوات التسعين، وقلبها المنتقل الى رحمته تعالى منذ السنوات الأولى للألفية، هو أحد أهم القضايا الحارقة في البلد وكلٌ يريد إنعاشه وإعادة إحيائه بعضهم يتكلم عن مشروع سياحي، وآخر عن مشاريع تجارية، بعضهم عن إعفاء من الضرائب المحلية وبعضهم عن سيرورات تجدد (gentrification) حتمية لا بد منها. فما هي المواقف النسوية من كل من هذة الطروحات؟ اي منها نسوي واي منها لا؟ وما هو الطرح العيني لكل كتلة انتخابية؟

ولتوضيح أهمية المعايير النسوية في مسارات تنمية وإعمار البلد سأستعين بمثال أخر وهو موضوع أزمة السير وشوارع الناصرة، وقد قامت البلدية الراهنة بمحاولة لحل القضية عن طريق مشروع "البلد سالكة" لكنه لم ينل نجاحاً باهراً. وهنا وهناك نسمع اصوات تنادي بأقامة جسور على مداخل البلد وتوسيع الشوارع في مركز البلد على حساب اراضي خاصة وغيرها من طموحات هندسية واسعة تسهل خروج السيارات من المدينة لكن يسهى من يطرح هذة المشاريع الحالمة ان هذة الجسور ستسهل خروج السيارات لكنها ستسهل أيضاً دخولها الى "خُزق" (ثقب يعني) يُدعى مركز الناصرة. وبالرغم من هذا هذة الطروحات جيدة ولو لكونها طروحات عينية من الممكن نقاشها بشكل موضوعي وعيني.

وكنسويات في تطرقنا لموضوع تخطيط الشوارع والبنية التحتية للمواصلات في البلد لا يمكننا التغاضي عن السؤال من يملك السيارات؟ ومن يقود سيارة ومن لا يقود سيارة؟ من يستعمل المواصلات العامة؟ ومن يمشي في الشارع او على الرصيف إن وجد؟ وما هي حصة النساء من هذة الممارسات اليومية؟ وهل توسيع الشوارع سيخدم النساء وعامة السكان ام سيخدم فئة محددة من الناس وهم أصحاب السيارات؟

أخترت المثال السابق حيث يسهل من خلاله تفسير صلة "النسوية" في قضايا تخطيط وإدارة البلد كما ويمكننا بسهولة الوقوف على اهمية المعايير النسوية التي تعتمد على نظرة تحليلية للأدوار الأجتماعية للرجال والنساء في الحياة اليومية فلكل منهم "وظائف" وتوقعات اجتماعية ملقاه على عاتقهم وهي ما باتت تعرف ب "النوع الإجتماعي" أو "الدور الإجتماعي" أو (الجندر). ومن منطلق الأدوار الأجتماعية المختلفة، فأن التعامل والتفاعل مع الحيز العام يختلف بين الرجال والنساء كلٌ بحسب دوره الإجتماعي وبحسب الوظائف اليومية والتوقعات الملقاه على كل منهم.

فإن تابعنا المثال السابق فأغلب العائلات تملك سيارة واحدة فقط عادة يستخدمها الرجل للذهاب للعمل وقضاء بعض حاجيات المنزل في طريق عودته الى البيت. اما غالبية النساء وطلاب المدارس وفئة معدومي السيارات فيقومون بقضاء حاجاتهم في البلد بالإعتماد على المواصلات العامة او سيراً على الأقدام. واذا تعمقنا في المهام والمسؤوليات الملقاه على عاتق النساء من مراعاة الأمور المنزلية وصحة أفراد العائلة وشؤون تربية ورعاية الأطفال والتسوق والتزود بما تحتاجه العائلة من ملبس ومأكل ومشرب فنجد ان الكثير من هذة المهام تقوم بها النساء مشياً على الأقدام أو بواسطة المواصلات العامة من باصات وتكسيات. 

بالأضافة لا يمكنني تجاهل البعد الطبقي للموضوع، فنجد ان العائلات ميسورة الحال قد تملك سيارتين او اكثر (أحياناً سيارة لكل من بلغ ال 18)، ومن هنا فإن تفاعل نساء طبقة ميسورة الحال مع الشوارع الأرصفة واماكن وقوف السيارات يختلف عن نساء طبقة محدودي السيارات أو معدوميها. وبالرغم من هذا، الأختلاف في الأدوار الأجتماعية بين الرجال والنساء موجود في كل الطبقات. حيث تستعمل نساء الطبقة الميسورة السيارة لنقل الأولاد من مكان الى مكان (من المدرسة الى الصحية الى النادي الى الكشاف ودورات ما بعد المدرسة ومن ثم المشتريات المنزلية والتجول-تسوق في المجمع التجاري وغيرها) بينما يستعمل رجال هذة الطبقة السيارة بالأساس للسفر الى العمل وللقاء الاصدقاء وقضاء أمور ترفيهية. وإن تمعنا في طبيعة عمل الرجال من هذة الطبقة فنجد ان الكثير منهم يعملون خارج المدينة بعكس النساء التي تعمل داخل المدينة بمقربة من المنزل ومن مدارس الأولاد،  وبعكس العمال المكتظين بسيارات المقاولين فإن رجال هذة الطبقة يسافرون فرداً واحد في كل سيارة. وليس لهذا التحليل التحامل على اي من الأفراد في أي من الطبقات انما "لفت نظر" الى الإختلافات الجندرية والطبقية الموجودة بين ابناء البلد الواحدة والتي لا بد وأن تُأخذ بعين الأعتبار عند التخطيط لمشاريع عامة وعند البحث والسعي وراء حلول وآليات ادارة لا بد وأن تكون حكيمة عادلة ومنصفة لأكبر عدد ممكن من السكان.  

من هنا فنسوياً لا بد لنا من إعطاء أولوية في التخطيط للمواصلات العامة على السيارات. وليس لهذا ان يضر في مصلحة الرجال في البلد او اصحاب الحوانيت والمصالح الصغيرة المنتشرة في الشوارع الرئيسية للبلد وازقتها بل على العكس. فلا اجد تناقض جوهري بين مصلحة ربة البيت التي تقوم بالأهتمام بالشؤون المنزلية والعائلية داخل المنزل وخارجه وبين رب وربة البيت الذين يقومن بالعمل خارج المنزل ففي نهاية المطاف جهود الأثنين تصب في ذات المكان. (لكن ليس الامر كذلك في منظومات هدفها تكريس علاقات قوة وقمع بين الأثنين). كما ولا أجد تناقض بين أرباب المنازل وبين أصحاب المصالح والحوانيت الصغيرة المنتشرة على طول شوارع الناصرة وازقتها فكل الطرفين يود ان تتم عملية التسوق في البلد بسرعة بسهولة وبسلاسة. من هنا فإن تغيير ثقافة التنقل في البلد والإعتماد على المواصلات العامة وبالأخص الباصات والتكسيات الخاصة (لمن يرغب بتوصيلة من الباب للباب)، لا بد ان يعود بالفائدة على الجميع حيث انه يقلل من إكتظاظ السيارات في الشوارع، يزيد من أمن المشاة ويقلل من حوادث الطرق. كما ويقلل من أزمة السير ومن عناء ايجاد موقف للسيارة ووقوف السيارات امام المصالح التجارية واغلاق "باب رزقها"، ويستثمر المال العام والمصروف الخاص في منظومة مواصلات تخدم الجميع وتوفر مساواة في فرص التنقل السريع في البلد مما قد يزيد من فرص العمل بشكل عام وفرص العمل لكل من سواقي الباصات والتكسيات الخاصة بشكل خاص. وطبعاً هذا الأمر يتطلب من كافة الأطراف تذويت ثقافة تنقل مختلفة لا تعتمد على السيارة الخاصة، وتشجيع ثقافة التنقل مشياً على الأقدام في مركز البلد مما سيعود ايضاً على البلد بالفائدة الأجتماعية حيث سيزيد من تفاعل الأفراد فيما بينهم، وسيزيد من معرفتهم للبلد بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة ومن تفاعلهم معها ومن شعور الإنتماء العام والغيرة على مصلحة البلد.

طبعاً بالأضافة الى هذا هناك جوانب أخرى عديدة لكل موضوع يجب مناقشتها وتحليلها بشكل موضوعي واختيار الطروحات الأنسب لكل منها، وما كان لهذا الا ان يكون مثال واحد بسيط فقط حيث لا يمكنني التوسع بكافة المواضيع في سياق هذا المقال كما ولا يمكنني تداول مواضيع لا يتم طرحها بشكل عيني وموضوعي وهذا ما نفتقده بشكل عام في ساحات معارك الأنتخابات المحلية، وما تفتقده النسويات بشكل خاص لتقييم ما هو النسوي وما لا في هذة الحلبات.

ومن هنا عودة الى النسويات...

فترة الأنتخابات المحلية هي فرصة جيدة لحث وتطوير وتنمية خطاب ونقاش عام بالأضافة الى خطاب ونقاش نسوي محلي بخصوص القضايا المحلية لكل بلد. كنسويات وكناشطات أستقطبتنا القضايا "الوطنية" وقضايا الجريمة ضد النساء. بالإضافة الى هذين القطبين من حين الى أخر، كنسويات، نتعامل مع  مواضيع مثل "النساء والعمل" و"تمثيل النساء في الهيئات المختلفة" فندفعها قدما بتلائم مع الوتيرة السياسية الأقتصادية العامة، لكن القضايا المحلية  اللتي تأثر على الحياة اليومية لفئة كبيرة من النساء لم تحظى منا على القدر الكافي او ربما على اي نوع من الأهتمام.

من هنا اود اولاً توجيه دعوة للنسويات ولكافة الناشطين والناشطات في الأحزاب المختلفة الى حث الأحزاب على طرح قضايا عينية امام الجمهور تمكنه من نقاشها بشكل موضوعي ومن إختيار الأنسب للبلد والترفع عن حصر المعركة بالخصوصيات الحزبية والصفات الشخصية لهذا او ذاك.

قد يقول البعض، خاصة وان الإنتخابات ستعقد بعد أقل من شهرين (22 تشرين اول)، أن الوقت متأخر وأن هذة المواضيع يجب ان تتداول اصلاً في الحلقات النسوية فكيف نطرحها في السياق العام ونحن كنسويات لا موقف لنا منها؟!  لكن من المهم طرح هذة المواضيع اليوم لتتواجد على طاولة صانعي القرار في الغد. وكنسويات لا بد لنا أن نُعمق مفهومنا للنسوية على مستوى أدارة بلدية او مجلس محلي، فإن انشغل الرجال حول "من الأقوى" و"من الأسرع" و"من الأكبر" و"من وطني أكثر"  فلماذا لا نبادر الى نقلة نوعية للحدث ونحوله من "معركة إنتخابات" (قد تكون دموية بالمعنى المجازي) الى "عرس ديمقراطي" نكبُ من خلاله والجماهير على التمعن في قضايا البلد وعلى طرح ومناقشة رؤيتها للأمور وللقضايا المحلية.

وطبعاً في البداية التحدي هو تحدي نسوي ذاتي، فما هي مواقف النسويات النسوية من هذة القضايا؟! ولا بد لنا كنسويات أن نحول هذا التحدي النسوي إلى تحدٍ لكل الكتل المتنافسة وللخطاب السياسي المحلي بشكل عام فنأخذه بنقلة نوعية الى مكان اخر. وكنسويات بعضنا تنشط سياسيا داخل الأحزاب وبعضنا خارجها ولا ارى أي تناقض بين تحدي الأحزاب في طروحاتها النسوية وبين الولاء الحزبي أو الوطني. فالولاء الحزبي والولاء النسوي والولاء والوطني لا يتناقضوا إلا اذا تناقضت النساء والوطن او النساء والحزب فأعتبرت النساء "غريبات" و"ضيوف" وسوئلت صباحاً ومساء حول إنتمائهن وولائهن من جهة وقمعن بأبشع الجرائم من جهة وأقصين بهيمنة ذكورية أبوية عن الحدث وعن القرار وعن الخطاب العام.

وعذراً من اللغة العربية على الأخطاء الواردة حتما بالنص.

-----
نسرين مزاوي - باحثة في علوم الإنسان، خبيرة ومستشارة بيئية مستقلة. ناشطة نسوية. حاصلة على الباكلوريوس في علم الأحياء وعلى الماجستير في إدارة البيئة والموارد الطبيعية
.


في المقاطعة والمقاطعين: مقاطعة الاعلام الإسرائيلي، موضوع قيد البحث.

مقدمة 

فازت الاسبوع الماضي الشابة لينا مخول، فلسطينية (19 عام) من عكا، بمسابقة The voice  الاسرائيلية. وتعالت باعقب مشاركتها وفوزها ردود الفعل حول مشاركتها في المسابقة. غالبية الردود مؤيدة وداعمة بالرغم من بعض الأصوات المستنكرة والرافضة حيث ان بمشاركتها كمشاركة اي فلسطيني\فلسطينية في برامج الأذاعة والتلفزيون الاسرائيلية وظهورهم باشكال مختلفة من خلال الصحف العبرية تُجيير لخدمة اسرائيل ومصالحها وبالأساس لتبيض ماء وجهها والتغطية على عنصريتها المنهجية تجاة الاقلية الفلسطينية في اسرائيل وعلى جرائم الاحتلال.

مرة اخرى يثير الموضوع الكثير من ردود الفعل لكن للأسف يبقى بدون قرارات عملية تطبق على ارض الواقع حيث يرتبط هذا الحدث مع موضوع المقاطعة كآلية نضال يستخدمها فلسطينيو ال48 للحفاظ على الوجود وعلى الهوية، وللمشاركة في النضال الفلسطيني الوطني لانهاء الأحتلال. لكن الأمر معقد وليس بالبساطة والسلاسة التي تنعكس من هذة الجملة، فمن يقاطع فلسطينيي ال48؟ وكيف يقاطعون؟

فلسطينيو ال48 هم من بقوا في بيوتهم وعلى اراضيهم  خلال النكبة او من قد نزحوا من مكان الى مكان داخل ما بات يعرف بالكيان الصهيوني ودولة اسرائيل. منذ تأسيس الدولة أعتبرو هؤلاء مواطنين الا انهم لم يحصلوا على حقوقهم ابداً. لم يحصلوا على حقوق متساوية كمواطنين، ولم يحصلوا على حقوقهم كشعب منكوب بنيت الدولة على انقاض نكبته ونكبة شعبه. بكونهم داخل الكيان الصهيوني منذ البداية فرض على فلسطينيي ال48 التعامل مع الدولة ومؤسساتها، ولم تكن لهذة المجموعة اي امكانية لتطوير مؤسسات او حياة مستقلة الى جانب الدولة. وبالرغم من ان الشعب الفلسطيني واحد الا ان مواقعه الجغرافية المختلفة تفرض عليه واقع سياسي اجتماعي مختلف. وان اتفق الشعب الفلسطيني حول رؤيا مستقبلية لحل القضية الا انه لا يوجد حل واحد للجميع.

الحملة الفلسطينية للمقاطعة الاكاديمية والثقافية لاسرائيل النابعة عن حراك شعبي لفلسطينين في مناطق ال67 تستخدم المقاطعة كالية مقاومة سلمية ودولية للضغط على اسرائيل نحو انهاء الأحتلال وحل الدولتين. المقاطعة كآلية تضع امام فلسطيني ال48 تحديات كبيرة جدا. فهذة الفئة من الشعب تريد ان تقاطع كجزء من النضال الفلسطيني من اجل انهاء الأحتلال وحل الدولتين، لكنها تريد ايضا التواصل مع الشعب الفلسطيني اينما كان وان تعيد بناء علاقتها معه ومع العالم العربي لكي تحافظ بهذا على وجودها على كيانها وعلى هويتها ولكي تعزز من انتمائها وتواصلها الفلسطيني والعربي. من هنا وبكون هذة الفئة تحمل المواطنة الاسرائيلية فإن كل عملية تواصل لها مع الفلسطينيين او مع العالم العربي قد تترجم (دبلوماسيا\سياسيا\اداريا) الى تطبيع مع الكيان الصهيوني المتمثل بدولة اسرائيل ومؤسساتها. بالاضافة الى ذلك فان وجود الأقلية الفلسطينية داخل الكيان الصهيوني وممارستها القسرية لامور تختص بادراة حياتها اليومية من خلال مؤسسات هذة الدولة تستغل مرارا وتكرار بواسطة آلة الأعلام الصهيونية لاخفاء معالم العنصرية والفصل العنصري في الدولة، الى تبييض وجه اسرائيل دوليا بالاضافة الى "غسل" لجرائم الاحتلال.

محاولة فلسطينيي ال48 الفرز ما بينهم وما بين المواطنة القسرية المفروضة عليهم  نجحت مبدائيا الا انها على ارض الواقع ما زالت مرتعا لتفسيرات وتأويلات سياسية ادارية وديبلوماسية تختلف حسب المواقف وحسب المصالح. ومن هنا فان موضوع المقاطعة يضع فلسطينيي ال48 في مكان حساس جدا وربما ليس صدفة ان يكون هذا هو احد المواضيع، التي يختلف النشطاء الفلسطينيون في الداخل بتحديد معاييرهم ومواقفهم تجاهه.

حول المقاطعة بشكل عام


بشكل عام يوجد اجماع حول موضوع المقاطعة ودوره في النضال الوطني، الا ان الخلاف حول ترجمة هذا الاجماع وربطه مع الممارسات اليومية للفلسطينين في الداخل فهو تحدي كبير لا يستهان به.

سأحاول اولا فرز مركبات المقاطعة بالنسبة لفلسطينين الداخل لعل هذا يساعد على تحديد المواقف وتطوير المعايير.
بشكل عام الحديث عن المقاطعة في سياقه هذا يشمل ويُجمل بين:
1)      مقاطعة اسرائيل من الخارج
2)      مقاطعة اسرائيل من قبل فلسطيني ال48
3)      مقاطعة فلسطيني ال 48 لغير المقاطعين
4)      تواصل فلسطيني فلسطيني وفلسطيني عربي والامتناع عن التجسير ما بين العربي و\او الفلسطيني وبين اسرائيل او التطبيع العربي و\او الفلسطيني مع اسرائيل.

مقاطعة اسرائيل من الخارج
ويوجد لها شقين، الشق الاول  هو الحث على مقاطعة اسرائيل بدون اي تحفظ او استثناء. والشق الثاني هو الحث على مقاطعة اسرائيل مع استثناء فلسطيني ال 48 من هذة المقاطعة. وهكذا ممكن لمحاضر اكاديمي مقاطع للجامعات الاسرائيلية الحضور الى حيفا الى القاء محاضرة في مركز ابحاث فلسطيني لكن الأمتناع عن الحضور الى جامعة حيفا او التخنيون على سبيل المثال.  

مقاطعة اسرائيل من قبل فلسطينين ال48
ولها ثلاث ابعاد،
أ) فلسطينيي ال48 كمن فرضت عليهم الدولة بمؤسساتها لا يستطيعون الانفصال عن هذة المؤسسات التي يديرون شؤنهم اليومية من خلالاها. ويوجد جدل حول تعريف وتحديد الامور الأساسية للحياة التي لا يمكن ادارة الحياة والبقاء بدونها. فما هو اساسي وما هو ترف وترفيه؟ هل المشاركة في برنامج تلفزيوني اسرائيلي هو اساسي ام ترفيه؟ وهل يختلف الأمر اذا كان البرنامج اخباري سياسي ام فني؟
ب) مقاطعة المستوطنات والمؤسسات الموجودة فيها والمنتوجات والسلع التجارية الخارجة من شرك ومصانع موجودة فيها.
ج) الامتناع عن تمثيل الدولة في المحافل الدولية. وقد يضمن هذا، الأمتناع عن تلقي التمويل الحكومي لمشاريع فنية على سبيل المثال او الامتناع عن الانجازات الاكاديمية التي ولا بد ان تُمثل في الخارج. ويوجد جدل طويل حول الأمر ولهذا يبقى هذا الموضوع قيض النقاش ويعتبر من المساحات الرمادية التي يصعب اصدار القرار حولها.

مقاطعة فلسطينيي الداخل لغير المقاطعين
وهي ايضا ذات شقين. الشق الأول وهو مقاطعة فلسطينيي ال48 لفنانين او اكاديمين ياتو الى زيارة البلاد وهذة المقاطعة لها عدة مستويات الاول عدم الحضور او المشاركة في العروضات والمحاضرات التي تتم في الحيز الاسرائيلي اليهودي العام والاحتجاج على هذة العروضات او المحاضرات. ثانيا عدم استضافة هؤلاء المحاضرين او الفنانين في مدننا قرانا ومؤسساتنا الفلسطينية. ثالثا عدم المشاركة في عروضات او محاضرات لهؤلاء خارج البلاد.
اما الشق الثاني فهو مقاطعة الفلسطيني للفلسطيني الغير مقاطع او للفلسطيني المُطبع. وهنا بالرغم من الموافقة المبدائية الا انني لا استهين بهذا الامر وخاصة عندما يقع الأمر في المساحات الرمادية الغير واضحة والتي نختلف عليها ونستصعب حسم امرها، فنحن مجتمع صغير جدا ومقاطعتنا لبعض كأفراد لها الاثر الكبير وقد تأخذنا الى هاوية قد تحمل البعض الى الهجرة، وأخرين على البقاء تعساء لعدم قدرتهم على تحقيق الذات وغيرهم بدون مفر او ملاذ من الأحضان الصهيونية الحميمية.

التواصل الفلسطيني الفلسطيني والفلسطيني العربي، والامتناع عن التجسير والتطبيع
بالنسبة لتواصل فلسطيني ال48 مع باقي ابناء الشعب الفلسطيني اينما كانو ومع العالم العربي واعادة بناء وتطبيع علاقتهم بهم فهو امر مفروغ منه ولا نقاش فيه. لكن، كثيرا ما نخلط بين التواصل الفلسطيني الفلسطيني والفلسطيني العربي لتعزيز الهوية والانتماء وبين مبادرات "سلمية" تستغلها المؤسسة الأسرائيلية للتجسير على الهوة بينها وبين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المناهضة لها، او لتبيض ماء وجهها امام المؤسسات الدولية. وهنا من المهم التوضيح انه الاسرائيلي الصهيوني ليس بحاجة للفلسطيني ذات المواطنة الاسرائيلية للوصول الى الفلسطينيين خارج اسرائيل او الى العالم العربي. فعندما يريد ذلك فهو يستطيع القيام بذلك بقواه الذاتية بدون مساعدة وبدون تجسير بينه وبين المعنيين بالأمر. فلم يحتاج الأسرائيلي الى فلسطيني ال48 في محادثات السلام مع المصريين كما لم يحتاجهم في محادثات السلام مع الأردن وكذلك لم يحتاجهم للتواصل مع الفلسطينين في اوسلو. لكنه وبشكل غير مفاجئ يحتاج فلسطينيي ال48 ويلجئ اليهم بشكل عفوي شعبي وغير منظم لخرق الحواجز الشعبية المعارضة والممانعة في الشارع الفلسطيني، في العالم العربي وفي العالم عامة.


تحديات

يواجه فلسطينيي ال48 تحدي كبير وهو تطوير الحوار والنقاش حول موضوع المقاطعة. ففي كل نقاش حول الموضوع يجد فلسطينيي ال48 انفسهم امام موقف ثنائي قطبي يجب عليهم البت فيه واتخذ قرار واضح لا تأويل له. مع المقاطعة او ضد المقاطعة. وتقع الكارثة عندما يحاول بعض الواثقين بمواقفهم السياسية ان كانت المعارضة او الداعمة اصدار التصريحات والمواقف الحادة والقاطعة حول مصادقية هذا او ذاك فيجد الفرد الفلسطيني ذاته امام مواقف وقرارات لا يستطيع ان يحسم فيها فإما ان ينضم الى احدى الجوقتين المتناقضتين على ما يبدو والمتمثلتين الأولى بالوطنية والأخرى بالواقعية، إما يترك الموضوع ويتابع حياته وكأن امر لم يحدث وإن حدث فهو اكبر من أن يتداوله او أن يعطيه جواب.

وهنا يكمن اخفاقنا كمجتمع، اولاً، إن الفرز بين المركبات المختلفة للمقاطعة وتطوير المعايير الموجهة لها هي مسؤولية سياسية جماعية على كل من يتداول الموضوع، اما البلبة والخلط بين الأمور فلا تخدم المجتمع الفلسطيني بأي شكل من الاشكل وكل ما في الأمر انها تبقي مساحة واسعة للأنتهازيين من الفلسطينيين والاسرائييلين على حد سواء وغيرهم لتأويل الأمور والمواقف وقولبتها على اهوائهم وبحسب ما يخدم مصالحهم.  ثانياً، بالرغم من الفرز هناك مساحات رمادية شاسعة، والمعايير التي يمكن تطبيقها على حالة معينة قد لا تلائم حالة أخرى. فان حضور محاضر الى مركز ابحاث فلسطيني في حيفا على سبيل المثال يختلف ويتشابه مع حضور فرقة روك اردنية الى الناصرة. وفي الحالة الاولى قد يكون القرارا واضح ومتفق عليه اما في الحالة الثانية فالقرار غير واضح ومعاييره ضبابية. ثالثا، استمرارية البلبلة والخلط تسهل التخاذل الجماعي والقاء المسؤولية على الافراد كأفراد وتشجع تراشق الأتهادمات المتبادلة فيما بيننا، بينما لا تطرح اي بديل اجتماعي للتعامل مع هذة التحديات. رابعا، بالرغم من الفرز وبالرغم من الحاجة الملحة لتطوير معايير المقاطعة، هناك خلاف جذري بين افراد المجتمع الفلسطيني حول المعايير وحول تطبيقها، وكثيرا ما قد تلين هذة المعايير او تقسو بحسب المصالح الشخصية او الفئوية. وهنا يكمن التحدي الاكبر فهل نعود الى آليات الإبعاد والإقصاء والتخوين التي تعودنا عليها كجزء من ثقافتنا السياسية ام نسعى الى ايجاد مساحة اوسع تحوي كافة ابناء المجتمع الفلسطيني على اختلاف اطيافهم وتوجهاتهم وتحترم خياراتهم.

عودة الى لينا مخول

 عودة الى لينا مخول والى مشاركة الفلسطينيين في برامج التلفزيون او الاذاعة او الظهور في الصحف العبرية.

منذ شهر تقريبا نشرت صحيفة الاخبار مقال تحت عنوان "لينا مخول باعت صوتها لاسرائيل" تجدونه هنا.

اولا فلتسمح لي صحيفة الاخبار بالتعبير عن خيبة املي فانا ارى هذا المقال كمقال انتهازي، يلائم الصحافة الصفراء ويبتعد كل البعد عن الطرح الموضوعي للخبر. وبدون اي علاقة لهوية الكاتبة (ندين كنعان) وقد تكون فلسطينية من ال48، الا انه يؤسفني ويزعجني ويحزنني ان تقوم صحيفة عربية كصحيفة الاخبار بالتواطئ والتحامل على فلسطيني ال48 كما يظهر في هذا الخبر.

ثانيا يوجد تحريف رخيص جدا لاقوال لينا حول العنصرية الموجهة لها في الجامعة، فمن شاهد المقابلة يرى ان لينا تسخر من اليهود الذين يتعاملو معها كأنها ليست عربية وتنتقدهم. وانتقادها لهم وسخريتها منهم واضحة جدا ولا يمكن تفسيرها على عكس ذلك، وما هذا التحريف الرخيص الا دلالة على الأنتهازية الجشعة.

ثالثة تنتقد الكاتبة خيار لينا الغناء لفيروز في البرايم تايم الأسرائيلي، وما لهذا الانتقاد الا منفذ لتعليقات متطرفة من القراء تتعامل مع فيروز والغناء لفيروز في البرايم تايم الأسرائيلي وكأن فيروز خط احمر. يعني اخذوا فلسطين واخذوا حيفا واخذوا عكا ويافا والقدس والأقصى والحمص والفلافل والتبولة والميرمية والزعتر بس كله الا فيروز، فيروز خط احمر. وكان مغنيات اسرائيليات على غرار اتي انكري وغيرها لم يغنو لفيروز في البرايم تايم الاسرائيلي منذ عشرات السنين وكان اخريات لم تغني لام كلثوم ولا لأسمهان وليلى مراد وغيرهن. وطبعا الى جانب كل هذا آلة الدعاية الأسرائيلية المشحمة لا تدع فرصة تفوتها، لكي تروج للوجه البريئ الطاهر لإسرائيل. لكن للأسف الشديد وكما يظهر من الخبر فان انتهازية الاعلام والمؤسسات السياسية ليست انتهازية اسرائيلية فقط ولا علاقة لها بالحدث انما بالمصالح الخاصة لكل من يجير الحدث ويحرفه ويعيد بنائه ويصقله على هواه بما يخدم مصالحه ومطامعه واهوائه.

الى جانب كل هذا كأمراة فلسطينية نسوية ناشطة لا يمكنني التغاضي عن الحيثيات الجندرية للمقاطعة في الداخل، فغالبا ما تعلو اصوات المقاطعة والنقد اللاذع عندما يدور الحديث حول نساء فلسطينيات وغالباً فنانات، لكن الى جانب النساء الفلسطينيات يستضيف الأعلام الاسرائيلي بقنواته التلفزيونية والاذاعية وصحفه الكثير من الكُتاب والصحفيين والمحللين السياسيين في البرامج الاخبارية وكذلك الترفيهية فلماذا تعلو ابواق المقاطعة فقط عندما يتعلق الأمر بنساء عربيات؟!!!

ولا ادافع عن اي من هذة النساء فقد تتخذ كل منهن مستقبلا قرارات ومواقف قد انتقادها واستنكرها. لكني الان انتقد التحامل الرخيص عليهن، انتقد المزايدة وانتقد مجتمع يسهو عن الإنكباب على اعادة بناء ذاته وينشغل في التحامل وفي تخوين وتضيق الحال على افراده. فإن كان الأمر هو آلة الدعاية الصهيونية، فلنحارب آلة الدعاية الصهينونية ولنبني استراتيجيات ملائمة لذلك ولنكف عن مقاتلة الافراد التي تحاول ايجاد فسحة للحياة وتحقيق الذات في دولة يسودها القمع والأضطهاد اليومي العابر والممنهج.

للنهاية

يتضح من الحوار الأخير وجود اجماع بين الناشطين السياسيين على اشكالية الاعلام الإسرائيلي وعلى منهجية استغلال كل حدث من خلاله لخدمة الدعاية الصهيونية. من هنا، فاذا كان الامر كذلك فلماذا لا نُطلق حملة عامة لمقاطعة الاعلام الإسرائيلي على كافة اشكاله وبرامجه؟! لماذا نقتصر الأمر فقط على الفن وفقط على النساء؟!! لماذا نحصر قضايانا الوطنية ونربط مصيرنا الجماعي بتصرفات الأفراد، فهل قضايانا الوجودية متعلقة بلباس هذة وغناء تلك؟ كل نقاش موضوعي لا بُد وان يتطرق الى مسؤوليتنا الجماعية حول الأحداث وتسلسلها، فإما ان نأخذ مواقف وقرارات جماعية موضوعية من منطلق مسؤولية وإلتزام، وإما ان نتابع محاسبة الافراد ومحاكمتهم في المساحات الرمادية فنرشقهم بالأتهامات وبذات المكحال الذي يطلق الاحكام نجمل صورتنا ونخط اشعار الوطنية والنضال ونتابع الحياة كما اعتدنا عليها بانتظار حدث أخر لنرد عليه ونصدر به الفتاوي والأحكام.

وللخلاصة، من الخطء توجيه جهود المقاطعة لمحاربة أفراد المجتمع الفلسطيني الذين يجدون لتحقيق ذاتهم بالرغم من كل الظروف والعقبات ومن الأفضل توجيه جهود المقاطعة الى المؤسسات بشكل جماعي وممنهج. وقد يكون هذا الخط، مقاطعة المؤسسات كمؤسسات، كحملة مقاطعة الخدمة المدنية على سبيل المثال، هو خطوة أولى في مسار تطوير آلية المقاطعة، معاييرها نهجها ونجاعتها.
 
ومن هنا أطرح الاسئلة:
ما هي المؤسسات التي بستطيع المجتمع الفلسطيني في الداخل مقاطعتها ويستطيع كمجتمع تحمل عبئ مقاطعتها؟
هل يستطيع المجتمع الفلسطيني في الداخل مقاطعة الإعلام الأسرائيلي؟

كيف نحول العزوف الشخصي لبعض الفنانات الفلسطينيات امثال ريم بنا، ريم تلحمي، كميليا جبران وغيرهم عن المشاركة في الاعلام الأسرائيلي من خيار شخصي الى نهج عام؟
واخيراً، كيف نُمنهج المقاطعة ونحولها من مجرد كلام ورصيد سياسي بحصده اشطر من يقوم بالتهجم على الأخرين لمقاومة فعلية واحتجاج جماعي يسمع صداه؟

وهكذا نزحت الفلسطينيات عن المكان (فلسطين 2013).



لقد كان شهر يناير 2013 من اشنع ما عايشته النساء المصريات منذ بدء الثورة المصرية، حيث وجهت ايدي النظام القاصرة الى اجساد النساء المحتجة في الميدان لتتحرش بها وتغتصبها جماعيا، مما اسفر عن 19 حالة اغتصاب جماعي ناهيك عن الحالات التي لم يبلغ عنها. اثار هذا الوضع غضب النساء عامة في العالم العربي وفي كافة انحاء العالم ونتجت عنه دعوة عالمية عامة نشرت عبر صفحات الفيسبوك للتظاهر امام السفارات المصرية في شتى انحاء العالم يوم الثلاثاء التاسع من شباط للعام 2013 الساعة السادسة بحسب التوقيت المحلي.

خلال فترة تقارب الاسبوعين منذ الحدث، لم يُسمع من المؤسسات او الجميعات او المجموعات النسائية والنسوية الفلسطينية في الداخل اي صوت جراء الحدث كما ولم يصدر عن أي منها اي بيان تضامني او استنكار للحدث. وربما كان هذا جراء الصدمة فلا بد وإن كل امرأة شعرت بالحدث كانتهاك شخصي لكيانها وذاتها النسائية، ولا بد ان الصدمة كانت شديدة. وربما قد تم الخروج من الصدمة تدريجا وفرديا حيث ان شهادات النساء المصريات المصورة حول ما حدث واصرارهن على مواصلة النضال كانت هي مصدر القوة والعزيمة التي ربما بحثت عنها النساء ولم تجدها في الوقت الذي كان ولا بد ان نكون العزاء ومصدر قوة ورافعة لمعنويات النساء المنتهكات.

بدء التحرك الأول مع ظهور النداء للمظاهرة العالمية امام السفارات. خلال يومين او ربما ثلاثة من الاعلان عن المظاهرة لم تتنظم اي مجموعة حول الحدث، واكتفت الناشطات بتناقل الأعلان عبر الحيز الالكتروني والبعض منهن اعلنت عن نيتها الشخصية الفردية بالمثول امام السفارة في تل ابيب في اليوم والوقت المعلن عنه.

في هذة الاثناء اجتمعت مجموعة من الناشطات وناقشت وتداولت الموضوع وعممت دعوة للتظاهر في دوار الساعة في يافا وليس امام السفارة المصرية في تل ابيب.

القرار غير مفهوم ضمنا وشخصياً قد اثار استهجاني الكبير حيث ان المظاهرة امام السفارة هي احتجاج جماعي عالمي امام ممثلي النظام المصري في الدول المختلفة، اما المظاهرة في دوار الساعة فهي مظاهرة تضامن وربما احتجاج الا انها تترك ساحة السفارة المصرية في تل ابيب خالية وكأن الامر لا يمت لهم بصلة.

من خلال محاولة لأستيضاح اسباب القرار تلقيت جوابين نشرت عبر صفحة الدعوة. الأول، ان مجموعة من الاسرائيليات سوف تقوم بالتظاهر امام السفارة الأسرائيلية وسوف ترفع اعلام اسرائيل وشعارات كتبت بالعبرية وهذا الامر لا تتماهى معه الفلسطينيات في هذة المجموعة بل وتراه "تغييب كامل" لهويتها ولوجودها واضطهاد مباشر لها حتى ولو اتفقت مع المتظاهرات مع المبداء والمضمون. اما الجواب الثاني فقد كان، ان التظاهر امام السفارة المصرية في تل ابيب هو "مشهداً تطبيعيًّا للعلاقات مع الاستعمار الصهيوني الذي يضطهد أرضَنا وحقوقنا وجنسانيتنا كفلسطينيّات كلّ يوم ألف مرّة".

محاولات الحوار حول الموضوع اثارت حفيظة المجموعة المنظمة وطاقاتها الشابة على ما يبدو وحثتهن على الأصرار على الموقف والتشبث به والتنظم حوله وتجنيد المشاركات والاعلام وغيره مما يليق بنشاط سياسي. بينما ما زالت الدعوة للمظاهرة امام السفارة دعوة عامة في فضاء الفيسبوك استجابت لها بعض النساء بشكل فردي وغير منظم.

من هنا اود الخوض في تحليل اعمق للحدث وربما استخلاص نتائج على الصعيد النسوي المحلي.

اولاً بالنسبة للمشهد التطبيعي للعلاقات، من المهم ان نذكر ان واقع فلسطيني ال48 يختلف عن واقع فلسطيني ال67. والعلاقة  ما بين هؤلاء والدولة الصهيونية على مؤسساتها الرسمية والديبلوماسية تختلف عن العلاقة بين اولاءك والدولة ومؤسساتها.

فلسطيني ال48 يحملون الجنسية الاسرائيلية، ليس بأختيارهم انما فرضت عليهم وهي سبيلهم الوحيد منذ النكبة للحفاظ على بقاءهم واستمرار وجودهم على ارضهم. من هنا فهم يمارسوا حياتهم اليومية من خلال هذة الدولة ومن خلال مؤسساتها، قهراً وبدون بديل. وأي علاقة لفلسطيني ال48 مع الدولة او مؤسساتها ليست حالة طبيعية كما وليست بعملية تطبيع، انما عملية مقاومة يومية مستديمة ومتجددة مع كل صباح لضرب الجذور والوجود في الحيز والمكان. من هنا فان اعتبار تل أبيب او السفارة المصرية في تل ابيب عنصر خارج الحيز والمكان الفلسطيني لهؤلاء ما هي الا تنازل عن هذا الجزء من الحيز والتسليم بنزوحنا عن مكان لنا سلب منا. بينما تتوجب علينا المقاومة اليومية المستديمة وعدم التنازل عن اي شبر من هذا الحيز نستطيع الوصول اليه وممارسة حياتنا اليومية فيه ومنها السياسية والاجتماعية والاكاديمية والرياضية والاقتصادية والثقافية والفنية.

ثانيا، في محاولة للأستفسار حول مصدر التخوف من المظاهرة الندية التي ستقوم بها "جماعة اسرائيلية تحمل الاعلام الأسرائيلية والشعارات المكتوبة بالعبرية التي ستقوم بتغييب وجودنا وهويتنا الفلسطينية"، يتضح انا هذا التخوف مبني على دعوة فيسبوكية ترجمت للعبرية عن الدعوة العربية للمظاهرة. وقد استجابت لهذه الدعوة حتى ذلك الوقت خمسين شخصية فيسبوكية. وفي محاولة من المنظمات العربيات التواصل مع هذة المجموعة والاستفسار حول نواياها من المظاهرة لم يتلقين اي جواب. من هنا وصلت الناشطات الفلسطينيات الى الاستنتاج بأن هذة القوة (التي لم يثبت وجودها خارج الفيسبوك حتى الان) ما هي الا قوة معادية تخطط وتكن السؤ لهن كفلسطينيات، وأن استباق الأحداث والنزوح عن المظاهرة امام السفارة وتنظيم مظاهرة اخرى في دوار الساعة في يافا "عروس فلسطين" ما هو الا افضل رد لهذه الدعوة المترجمة للعبرية.

للأسف الشديد هذا المشهد اعادني 64 سنة للوراء، حيث سمع عدد لا بأس به من الفلسطينيين من بعيد اصوات التنك تجرها الجيبات الصهيونية تقترب فخافوا وقد وصلتهم اخبار مذبحة دير ياسين مسبقاً فاخذوا ما استطاعوا من متاع وفروا هربا  قبل وصول المدرعات الصهيونية. وها نحن في فلسطين 2013 مرة أخرى في ظل الحيرة بين "الهروب" او "البقاء" فنختار الهروب، بالأعتماد على دعوة فيسبوكية لا نعرف من يقف خلفها. ونهرب الى ذلك المكان الرومانسي، الى أجمل مكان بنيناه في الخيال، الى ذلك المكان العذري، الى عروسنا، عروس فلسطين، الى يافا وكأن زناة الارض لم تدخل حجرتها وكأن الدماء لا تغمر ثوب زفافها، وكانها عذراء تنتظر نساء فلسطين لتفض بكارتها.

وبين الهروب والبقاء في فلسطين 2013 نختار الهروب.

لا أعتب في هذة الحالة على المجموعة الفلسطينية النشطة التي قامت بكل همة وحماس بتنظيم المظاهرة في يافا وبحشد الصفوف للمشاركة بها، الا أن عتبي هو على حركة نسوية غائبة ومشتتة وما لهذة المجموعة النشطة ولهذا الحدث الا ان يعكسا تخاذلنا (نحن النسويات) وتقاعسنا في الجد في بناء وتفعيل فضاء نسوي للحوار العام لتطوير الفكر والرؤيا النسوية الخاصة بنا خارج أطر الجمعيات التي اتخذت على عاتقها العمل الميداني، وخارج الاطر الحزبية المنشغلة في الجدل العقيم فيما بينها.

اعتب على حركة نسوية غائبة وليست مُغيبة. اعتب على نساء منشغلات في نزاعات بطريركية. على نساء لا يشغل بالها سوى التخوين وتوزيع الأوسمة الوطنية. أعتب على نساء تغفل عنهن المصلحة العامة التي تتطلب تنوع في الافكار والتوجهات والاستراتيجيات. اعتب على نساء تغفل عنهم ضرورة التعاون والحوار البنّاء. أعتب على نسويات عاجزات عن رفع سقف النسوية وسقف الوطنية وسقف الحوار السياسي العام. أعتب على نسويات عاجزات عن أتخاذ موقف علني اوحتى الخوض في نقاش عام حول العلمانية وحول الحق على الجسد ويقتصرن ذلك خلف الأبواب المغلقة، في فترة نحن في امس الحاجة بها الى هذا النقاش الجماهيري العام. اعتب على حركة نسوية متلعثمة متعثرة فتكون ثمرتها مجموعات نسوية متقطعة منفصلة لا تواصل ولا حوار بينها فلا تستطيع التعامل مع او مواجهة دعوة فيسبوكية عالمية عامة ترجمت الى اللغة العبرية.

(وانا اول من يطأطأ الرأس حيال حالنا هذا).

الناصرة
10 شباط 2013