نزع الإنسانية المزدوج في الخطاب والممارسة الصهيونية

نزع الإنسانية المزدوج في الخطاب والممارسة الصهيونية
Dual dehumanization in Zionist discourse and practice
דה-הומניזציה דואלית בשיח ובפרקטיקה הציונית

‏04‏/07‏/2026

مراجعة كتاب

صدر في نيسان/أبريل الماضي عن دار نشر برديس في حيفا، كتاب إيّلم للكاتبة الإسرائيلية عماليا ساعر، ويتمحور الكتاب حول السؤال "ما الذي يمنع الإسرائيليين من الاعتراف بعنف إسرائيل ومعارضته؟"

إيّلِم (אֶלֶם) باللغة العبرية تعني الصمت النابع عن صدمة. وقد استقبل القارئ العربي الكتاب بصمت نسبي، تمامًا كالصمت الذي تُحدِثه الصدمة، وأحيانًا بغضب. فهو، بحق، كتاب صادم للقارئ العربي، ولا سيما القارئ الفلسطيني المتمكن من اللغة العبرية، ومن اللغة الأكاديمية التي تلجأ إليها الكاتبة أحيانًا مع تبسيط نسبي يتلائم مع معارف القارئ العام.

جمهور الهدف لهذا الكتاب هو القارئ "الإسرائيلي التواق للحياة" ("האנשים חפצי החיים") ويشمل ذلك، وفقًا لساعر، طيفًا واسعًا من الإسرائيليين الممتد بين اليمين المعتدل والوسط واليسار الصهيوني. لذلك، عند قراءة هذا الكتاب، على القارئ العربي أن يضع في اعتباره هذا التوجيه الأساسي وطبيعة جمهور الهدف الذي تحاول الكاتبة مخاطبته، وأن يقرأ الكتاب من هذا المنظور. وقد يخطئ القارئ العربي، لا سيما الفلسطيني، إن قرأ هذا النص بوصفه نصًا حواريًا متكافئَا؛ فالكتاب في جوهره، بعيد عن الطرح الفلسطيني، وهذا، بلا أدنى شك، يثير لدى القارئ الفلسطيني إحساس بوجود فجوة عميقة يصعب تجسيرها، وربما خيبة أمل، خاصة وأن الكاتبة معروفة في صفوف اليسار الإسرائيلي النسوي الملتزم بشراكة عربية-يهودية وتعرّف نفسها بوصفها "راديكالية لا صهيونية".

مع ذلك، لا يعني هذا استبعاد إمكانية محاورة الكتاب، بل على العكس، فإن فعل المكاشفة الداخلية الذي يقوم عليه هذا الكتاب يفتح مجالًا لمكاشفة موازية من قبل القارئ الفلسطيني تجاه اليسار الإسرائيلي، ولا سيما ذلك اليسار المنادي بالشراكة العربية-اليهودية. غير أن هذه المكاشفة تظل تحليلية في جوهرها لا خطابية، وعليها أن تقوم على قراءة فاحصة تتجاوز منطق الندية، فالنص لا يُقدَّم بوصفه جزءًا من جدل أكاديمي مفتوح أو خطاب سياسي نديّ، بل بوصفه ممارسة حوارية داخلية لكشف الذات اليهودية الإسرائيلية داخل الفضاء الإسرائيلي، تُعرض بسخاء على جمهور قراء العبرية، بمن فيهم من هم خارج دائرة هذه المكاشفة.

بكلمات أخرى، على القارئ الفلسطيني أن يقرأ هذا الكتاب كمن سُمح له باستراق النظر عبر نافذة خفية إلى صالون البيت اليهودي-الإسرائيلي. غير أن هذه الإتاحة السخية ليست دعوة إلى الدخول أو المشاركة، بل إلى المعاينة من الخارج فقط. إنها دعوة لمعاينة الإنساني داخل هذا الفضاء. بهذا، تطرح الكاتبة أمام القارئ الفلسطيني تحديًا مركبًا وطموحًا جدًا، إذ إنه يدعو القارئ الفلسطيني إلى رؤية الإنساني في من ينتزع إنسانيته ومن يساهم يوميًا في إبادته. على الرغم من ذلك، أرى قيمة حقيقية لمن يستطيع أن يكبح عواطفه وأعصابه التي قد يثيرها الكتاب، وأن يُمعن في قراءته.       

في ملخص الكتاب المنشور على صفحة الكاتبة باللغة الإنجليزية، تقول ساعر إنها من خلال هذا الكتاب تحثّ الإسرائيليين التوّاقين للحياة على التخلي عن نظرتهم الثنائية للجناة والضحايا، وعلى الاعتراف بالعنف الذي يمارسونه بأنفسهم وتحمل مسؤوليته. كما وتدعوهم أيضًا إلى رؤية الفلسطينيين كبشر ذوي طبيعة معقدة، من منطلق أن إغفال ذلك يعني التنازل عن شيء ما في إنسانيتهم هم.

في الواقع، من خلال القراءة العميقة لهذه الدعوة، يمكن الوقوف على الفرضية الأساسية التي تنطلق منها الكاتبة، وهي أن عملية نزع إنسانية الآخر مرتبطة، لا محالة، بعملية نزع إنسانية الذات. ويتضح هذا بشكل جلي من خلال صفحات الكتاب، حيث تتنصل الكاتبة من نزعة الرومانسية، وتدعو القارئ الإسرائيلي، بشكل صريح وجلي ومباشر، إلى العودة إلى إنسانيته بدافع أناني للخلاص الذاتي، وليس بدافع الإيثار تجاه الفلسطيني.

وهنا تكمن أهمية الكتاب في رأيي، ففي دعوة الإسرائيليين إلى النظر إلى ذواتهم كبشر ذات طبيعة معقدة، والتخلي عن فكرة الضحية السرمدية وعن ثنائية الضحايا والجناة، تكمن فرضية صريحة وادعاء ضمني ذو شقين، مفاده أولًا، أن الإسرائيليين أنفسهم يواجهون عملية نزع للإنسانية من خلال ذات الخطاب الذي ينتزع إنسانية الفلسطيني. أما الشق الثاني لهذا الادعاء الضمني فمفاده هو: كي تَنتَزع إنسانية شخص آخر، لا بد أنه قد تم انتزاع إنسانيتك اولًا.

في كتابها لا تفسّر ساعر كيف تحدث عملية نزع إنسانية الفلسطيني، ولا تُحيل إلى الاستعمار والخطاب الصهيوني بوصفهما مُولّدين لهذه العملية. وبرأيي، تمثّل هذه نقطة ضعف الكتاب، وربما إخفاقه الأكبر. مع ذلك، يمكن احتواء هذا القصور إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الكتاب لا يُطرح بوصفه كتابًا علميًا، وإنما بوصفه حوارًا داخليًا.

إلى جانب ذلك، تشير ساعر، بشجاعة وجرأة، إلى الآلية الثقافية المركّبة التي تنتج مُحَرّمًا اجتماعيًا (Taboo) يعيق الإسرائيليين ويمنعهم من الحديث عن حرب الإبادة في غزة، وكذلك من تحمّل المسؤولية تجاه عملية نزع إنسانية الفلسطيني عمومًا. وترى ساعر أن هذه الآلية تدمج بين ثقافة الرأسمالية المتأخرة، التي تعظّم العواطف ومراعاة مشاعر الآخرين في الخطاب العام، والتي تهيمن، بمفارقة صارخة، على ثقافة الشارع الإسرائيلي؛ وبين ثقافة العائلية اليهودية في إسرائيل (משפחתיזם) التي ترى في كافة الجنود والضحايا أبناء وبنات لكافة الإسرائيليين؛ وهذا إلى جانب، ثقافة الضحية السرمدية، القلقة دومًا من تكرار التاريخ وما آل إليه من فواجع للجالية اليهودية الأوروبية.

الكتاب ليس سهلًا على القارئ العربي، ولا سيما ذلك القارئ الملمّ بالمعاني العميقة للمصطلحات والمفاهيم التي تعتمدها الكاتبة، وبالسياسات العميقة الكامنة خلف بعضها. فمصطلحات أولية مثل "صراع" (وليس "استعمار") و"تحويل" ("transformation") (وليس "انهاء") تعكس بوضوح طبيعة الفجوة القائمة بين الخطاب الفلسطيني والخطاب الإسرائيلي وبضمنه الخطاب اليساري الليبرالي.

بالإضافة إلى هذه المصطلحات الأولية، هناك محاولة غير ناجحة في رأيي، بل ومرفوضة، لتفسير تصرف الجنود خلال حرب الإبادة بوصفه تصرفًا نابعًا من "عتبية" (Liminality) القتال في الحرب. إذ لا يمكن تفسير حرب إبادة راح ضحيتها ما يزيد على سبعين ألف إنسان، ونتج عنها عشرات آلاف الأيتام والأطفال مبتوري الأطراف، إلى جانب تدمير كامل لبقعة من الأرض يمتد تاريخها إلى ما لا يقل عن خمسة آلاف سنة، بوصفها حالة "عتبية" أفرزت ما أفرزته بسبب عتبيتها؛ هذا ادعاء مرفوض من أساسه.

وقد يكون هذا الإخفاق ناتجًا عن "العائلية" التي أشارت إليها ساعر في الكتاب، وعن إحساس شخصي بالعائلية تجاه الجنود، أو على الأقل تجاه بعضهم. وعلى الرغم من طرحها المفصل لهذه الآلية في الكتاب وفي مقالات أخرى، يبدو أن ذلك لم يكن كافيًا لمنعها من الوقوع في شرك هذه الآلية الثقافية. وقد يعود ذلك إلى طبيعة الجمهور المُخاطَب، وإلى طبيعة الحوار، وربما أيضًا إلى الظرف الذي نعيشه، وبحكم انتمائها إلى المجتمع الذي تكتب عنه. 

بالإضافة، يكشف الكتاب امام القارئ الفلسطيني مواضيع أخرى عديدة مهمة في عملية مكاشفة اليسار الإسرائيلي، من ضمنها مفهوم الصهيونية كهوية قومية موازية للهوية الفلسطينية في قوميتها وليس كمذهب فكري وكهوية أيديولوجية، وهذا بذاته، حسب رأيي، مهم بما يكفي لدفع القارئ العربي إلى قراءة الكتاب، على أن تكون هذه قراءة فاحصة متمعنة أولًا تشكل الأساس لندّية الخطاب لاحقًا. كذلك، رغم الإشكاليات العديدة الكامنة في الطرح، لا يمكننا التغاضي عن كون الكتاب محاولة جريئة وصادقة لحثّ اليهود الإسرائيليين على الخروج من جمودهم الأخلاقي والسياسي. كما ولا يمكننا التغاضي عن الفصل الثالث في هذا الكتاب، وهو برأيي أفضل ما كُتب عن الفلسطينيين لهذا الجمهور منذ سنوات.




_______________

* واجب الإفصاح: بروفيسور عماليا ساعر هي المشرفة الأكاديمية على دراستي لنيل شهادة الدكتوراة في قسم دراسات الإناسة في جامعة حيفا. في أعقاب نشر الكتاب، أجريت مع ساعر حوارًا مطولًا عبر المراسلة حول الكتاب، إشكالياته وأوجه قصوره. في آذار/مارس 2024، علّقتُ دراستي في جامعة حيفا كردّ على ما صدر عن المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية آنذاك ولا تزال دراستي معلقة حتى اليوم، إلى جانب أسباب إضافية. وعلى الرغم من ذلك، حافظت على تواصل دائم مع ساعر، تضمن ذلك محاولات جدية لاستئناف الدراسة رغم الصعوبات.  

اقتراح جدي للأحزاب العربية ولحلفائها من اليسار اللا-صهيوني

 التحدّي الأكبر في الانتخابات المقبلة، إن جرت، لا يتمثّل في توحيد الصفّ العربي بحدّ ذاته، بل في إتاحة المجال أمام الصوت اليهودي غير المتماهِي مع الصهيونية، وخلق "مساحة آمنة" تتيح له الظهور والتعبير عن صوته السياسي دون أن يشعر بأنه مهدَّد بالابتلاع أو الذوبان داخل الأحزاب العربية (وهي الأحزاب اللاصهيونية الوحيدة حاليًا) ومن دون أن يُتَّهم بالخضوع للعرب.

فاليهود الإسرائيليين غير المتماهين مع الصهيونية، في غالبيتهم، لا يميلون إلى التصويت لأحزاب غالبيتها العظمى عربية. بالنسبة لهم، التصويت لممثل صهيوني ينسجمون معه نسبيًا في مواقفه السياسية العامة ويعتبرونه "متنور نسبيًا" يُعدّ مساومة أفضل من التصويت لممثل عربي لا صهيوني.

بالنسبة للأحزاب العربية، سواء ائتلفت ضمن قائمة مشتركة وحصلت، في أفضل الأحوال، على 15 معقدًا، أو حتى 16 او 17 إن أردتم، أم لم تأتلف وحافظت على حدّ أدنى من عشرة مقاعد، فإن ذلك لن يغيَّر كثيرًا من المشهد السياسي القائم. فالبُغض والخوف من العرب يشكّلان عاملًا جامعًا لكافة الأحزاب الصهيونية، لا سيّما أحزاب الوسط واليمين منها، وهذه ستختار الائتلاف مع بعضها بعضًا بغضّ النظر عن عدد المقاعد العربية في الكنيست، وبالرغم من خلافاتها الداخلية ستقف صفَا واحدَا في مواجهة العربي، حتى وإن كان عربيًا محببًا مثل أيمن عودة أو غيره وحتى لو ترأس هذا قائمة تحصل على 17 معقدًا او حتى 20.

بل كلما زاد عدد النواب العرب في الكنيست زاد خوف اليهود الإسرائيليين منهم، وزادت لحمتهم ضد أيّ شيء عربي، لأن الخوف المتأصل لدى الغالبية العظمى منهم والرهبة العميقة لديهم من العربي أقوى من الأيديولوجيات السياسية. لذلك، حتى عندما يبدي بعض اليهود تضامنًا إنسانيًا مع العرب، فإن صوتهم السياسي يبقى مترددًا وحذرًا. بالتالي يًطرح السؤال: ما هي الرافعة السياسية الممكنة حاليًا لهذا الصوت الحذر والمتردد؟ وكيف يمكن إيجاد مساحة آمنة لهذا الصوت تحوّل تضامنه الإنساني إلى تضامن سياسي فعلي لا يقتصر على المظاهرات والشعارات، بل يُترجم الى عمل سياسي حقيقي وواقعي؟ 

نظريًا، يمكن استقطاب الصوت اليهودي غير المتماهي مع الصهيونية عبر رافعتين؛ الأولى أن يقوم من بين صفوف اليهود ذاتهم حزب إسرائيلي لا صهيوني يرفع راية المواطنة الإسرائيلية فوق راية القومية اليهودية، غير أن هذا الاحتمال يبدو ضئيلًا للغاية، بل يكاد يكون شبه مستحيل في الظروف الراهنة.

الإمكانية الثانية، تقوم على نجاح الأحزاب العربية باستقطاب هذه الأصوات اللاصهيونية؛ فمن المحتمل أن أحداث السنوات الأخيرة أدت إلى زيادة عدد هذه الأصوات مقارنة بما كان عليه الأمر سابًقا، لكن الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بأن الغالبية الساحقة من هؤلاء لن تصوّت لقائمة عربية مشتركة، كما وأنها لن ترى، وبحق، في شخصيات مثل منصور عباس او أحمد طيبي ممثلين برلمانيين طبيعيين لها. وعلى الرغم من أن بعض اليهود الإسرائيليين، وبغضّ النظر عن موقفهم من الصهيونية، قد يرى في منصور عباس شريكًا استراتيجيًا، إلا أنهم لا يرونه شريكًا طبيعيًا أو ممثلًا حقيقيًا، والشراكة معه في جوهرها هي شراكة براغماتية.      

بناء عليه، فإن قائمة عربية مشتركة لن تنجح في استقطاب سوى قلة من هذه الأصوات، حتى وإن كانت هذه الأصوات متضامنة مع المواطن العربي والفلسطيني عامة إنسانيًا.

بالتالي، الرافعة الثانية لهذه الأصوات موجودة لدى الحزب الشيوعي، أو لدى قائمة مشتركة تقوم على الشراكة العربية-اليهودية، وليس على "ائتلاف العروبة". في حالة الحزب الشيوعي (ونظريًا يصح هذا التحليل إلى حدّ ما على التجمع أيضًا) حتى وإن ائتلف الحزب مع الطيبي، فإن الطيبي بحد ذاته ليس هو العقبة امام استقطاب الصوت اليهودي اللاصهيوني، بل الهيمنة العربية على القائمة هي الرادع الأساسي لهذا الصوت اليهودي المتردد.

بناء عليه، يُطرح السؤال: كيف يمكن لحزب أو قائمة كهذه استقطاب الصوت اليهودي اللاصهيوني مع الحفاظ على مكانة وتمثيل وخصوصية الصوت العربي، أي على الهيمنة العربية، من دون أن تشكل تهديدًا لليهودي، بل تتيح له مساحة سياسية آمنة؟   

في الواقع، يمكن تحقيق ذلك من خلال تشكيل قائمة انتخابية تُخصَّص مقاعدها الكلاسيكية المضمونة للممثلين الكلاسيكيين للأحزاب العربية، على أن تخصص المقاعد التالية جميعها، من المقعد الأول بعد المضمون حتى المقعد الخمسين، ليهود يساريين لا صهيونيين. في هذا الحالة، تحافظ القائمة على تمثيلها العربي التقليدي في المقاعد المضمونة، لكنها تتيح للأصوات اليهودية اللاصهيونية الانضمام إليها دون أن تشعر بأن صوتها يذهب إلى من لا يمثلها، أو أن انخراطها في هذه القامة يرتبط باطنيًا بمصدر تهديد وجودي لها.

كما أن هذا الترتيب يتماشى مع نسبة اليهود إلى العرب في المجتمع عمومًا، إلا أنه يعطي الأولوية للعرب بحيث تحافظ القائمة على جوهرها كقائمة عربية، وفي الوقت نفسه يتيح مساحة حقيقية وواقعية لشراكة عربية-يهودية لا صهيونية. فاليهودي اللاصهيوني لن يصوت لقائمة يكون فيها اليهودي في كل مقعد خامس، أي لقائمة يكون فيها اليهودي في موقع الأقلية. لكنه قد يصوّت لقائمة كلها يهود بعد المقاعد المضمونة المخصصة للتمثيل العربي. بكلمات أخرى، قائمة تقوم على "تمييز مُصحَّح" دون أن يتحول هذا إلى تمييز ضدهم.

بالتالي تضمن قائمة كهذه التمثيل العربي الثابت والمعروف بناء على التاريخ التمثيلي لهذه القوائم، من دون المساومة على هذا التمثيل. وفي الوقت ذاته، تعمل هذه القائمة كرافعة سياسية للأصوات اليهودية اللاصهيونية، إذ تتيح لهم مساحة سياسية جديدة تتوافق مع تطلعاتهم إلى شراكة حقيقية، لا مجرد شراكة رمزية تضامنية أو خاضعة (وفقًا للأيديولوجيات المتشددة). بكلمات أخرى، إنها تعرض عليهم شراكة حقيقية وواقعية لا تحوّلهم إلى تابعين للهيمنة العربية ضمن عملية "تصحيح سياسي"، وهو ما لا يرضى به غالبية اليهود بغضّ النظر عن موقفهم من الصهيونية؛ إذ إنهم يرون في الموقف من الصهيونية موقفًا أخلاقيًا، لكنه لا يبرّر في نظرهم الخضوع لهيمنة عربية.

وكي لا يزعزع هذا مبنى القائمة وعلاقات القوة الداخلية فيها، ممكن أن تُعقد هذه الشراكة مع قائمة لا صهيونية مثل "ترابط" (بعدهم موجودين؟) أو غيرها، أو مع "رفاق" معروفين بمواقفهم السياسية ومقرّبين من الأحزاب العربية عمومًا، على أن تكون قاعدة التمثيل قائمة على خمسة مقاعد أولى عربية (أو خمسة عشر، وفقًا للتركيبة الحزبية للقائمة)، ومن المقعد السادس (أو السادس عشر) حتى الخمسين تُخصَّص جميعها ليهود لاصهاينة.

طبعًا لا أعتقد أن القائمة ستحصل على هذا الكمّ الهائل من الأصوات اليهودية، إلا أن في ذلك رسالة مفادها أن كل صوت يهودي إضافي عن عدد الأصوات اليهودية المعتادة سيُمثَّل من خلال نائب يهودي. باعتقادي، يمكن لهذه الاستراتيجية أن تُحدث تغييرًا جذريًا في المشهد السياسي، أكثر عمقًا واتساعًا وفاعلية من مجرد توحيد عربي ضمن قائمة مشتركة، حتى لو حصلت هذه على عشرين مقعدًا.

ملاحظة أخيرة: أعلم أن لتشكيل القوائم الانتخابية حسابات إضافية لا علم لي بها، مثل مسألة من سيخلف أي شخص إذا استقال من منصبه، وأمور أخرى أنتم أدرى بها مني. لكن ليس لديّ أدنى شك بأن طرح قائمة مشتركة وفق الاقتراح أعلاه سيكون بمثابة هزّة أرضية سياسية في حال نجاحها.

فقائمة كهذه، التي لن يكون من الممكن وصمها بسهولة وببساطة كـ "كتلة الأحزاب العربية" المرفوضة مبدئيًا في الشارع اليهودي-الإسرائيلي، تمتلك القدرة على إرباك الأحزاب الصهيونية وإحداث تغيير سياسي جذري ونوعي، أعمق وأوسع من مجرد تكريس الوضع القائم، ومما لا شك فيه أن هذا سيكون تحدّيًا سياسيًا لا يُستهان به. وكما ذكرت في البداية، فإن التحدّي الأكبر حاليًا هو إتاحة المجال للصوت اليهودي اللاصهيوني كي يُسمع ويعبّر عن ذاته سياسيًا بشكل فعلي وعملي، وألا يقتصر حضوره على البعد الإنساني الرمزي أو الشكلي (في المظاهرات ورفع الشعارات)، بل أن يُدفع نحو حضور سياسي مؤثّر وفعال.

بهذا المعنى، تضع الأحزاب العربية التيار اليهودي اللاصهيوني أمام تحدٍّ واقعي وحقيقي. أمّا الوحدة العربية، فهي جيدة من حيث المبدأ، لكنها لا تضيف في السياق الحالي أي إضافة نوعية حتى وإن حصلت على عشرين مقعدًا؛ فالإجماع الصهيوني واضح: العربي غير شرعي وغير مقبول حتى في موقع المعارضة، والطريق الوحيد لاختراق هذا الإجماع الصهيوني هو عبر إفساح المجال للصوت اليهودي اللاصهيوني كي يعلو وصبح صوتًا سياسيًا فعالًا ومؤثرًا.

بكلمات أخرى، وفقًا لهذا الاقتراح، تبادر الأحزاب العربية إلى تقديم إمكانية سياسية واقعية لليهود اللاصهاينة، تتمثل في قائمة يهودية لاصهيونية (بعد المقاعد العربية المضمونة)، ولا تنتظر منهم تشكيل هذه القائمة، بل تضعها أمامهم كإمكانية سياسية حقيقية وواقعية تفرض نفسها وتستدعي منهم التجاوب معها.

"زئير الأسد" في سفر عاموس: توظيف النص التوراتي في الخطاب الشعبوي لبنيامين نتانياهو!

بما إنه تعوّدنا على توظيفات نص "العهد القديم" في الخطابات الشعبوية لنتانياهو، وبما إنه توظيفاته دايمًا منقوصة أو خارجة عن سياقها، فهاي المرّة (ومش أول مرّة الصراحة) قلّلت عقلي (والتنبيش ورا نتانياهو وصحّة أقواله دايمًا قلّة عقل ومضيعة للوقت)، وروحت أفحص شو قال النبي عاموس!

اتّاريها بتطلع نبوءة عاموس من أولها لآخرها نبوءة غضب على بني إسرائيل، وشو مش حيالله غضب؛ قال بالنار بده يحرقهم، وبالسيف بده يبيدهم ولا بده يخليلهم ولا يبقيلهم. الصراحة لازم تقرؤوا النص بنفسكم عشان تشوفوا الدُرر اللي بوصفها عاموس.

وبما إنه السِفر قصير نسبيًا (30 دقيقة قراءة)، وبما إنه من الإصحاح الثاني للإصحاح التاسع مليان فقرات بتسوى الاقتباس، فقرّرت أجيب السفر كامل حتى تقرؤوا الدُرر من مصدرها الأول.

ملاحظات مهمة:

Ü "الأسد الذي يزأر" هو تشبيه ورد على لسان النبي عاموس، يصف به غضب الله على إسرائيل؛ أي إن عاموس شبَّه الله بالأسد الغاضب الذي يزأر، ولا يزأر الأسد بلا سبب (عاموس 3: 4). أمّا نتانياهو، يقتبس سِفر عاموس ليقول إن شعب إسرائيل هو الذي يزأر!

Ü في بداية السِفر، كما هو شأن أسفار العهد القديم عمومًا، يلعن الله الشعوب الأخرى، التي كانت آنذاك وثنيةً، وذلك بسبب وثنيتها. لكن العهد القديم في غالبيته العظمى، يتكون من نبوءات غضبٍ ولعنات ينزلها الرب ببني إسرائيل ويعاقبهم بأشدّ العقوبات؛ فهو اختارهم لحمل رسالة التوحيد، لكنهم، بشكل متكرر يرفضون خيار الرب وينحرفون عن تعاليمه، ويرتدّون عن دعوة التوحيد ويعودون إلى الوثنية.

Ü في نهاية السِفر (عاموس 9: 11-15)، تَرِد نبوءة عاموس بإعادة إقامة "مسكن داود المنهدم". بحسب التفسير المسيحي، تُفهم هذه النبوءة على أنها بشارة بمجيء المسيح (وهو من بيت داود)، وبمجيئه "يرث الأرض" الصالحون الذين بقوا من بني إسرائيل، والمؤمنون من جميع الأمم الذين دُعي اسمُ الرب عليهم. والأرض في العهد القديم، وفقًا للديانة المسيحية، هي رمزٌ للخلاص، وليست قطعة أرض هنا أو هناك. وبمجيء المسيح، وفقًا للقراءة المسيحية، عُمِمَ الوعد بالخلاص على كل الأمم وناله جميع المؤمنين به؛ وهذا عمليًا هو الفرق بين "العهد القديم" و"العهد الجديد". ففي العهد القديم، أُنيطت ببني إسرائيل مهمة حمل رسالة التوحيد إلى سائر الأمم؛ إذ اختارهم الله ليحملوا الرسالة، وكان عليهم أن يختاروه إلهًا لهم وألّا يعبدوا سواه كي يتمّ العهد (فكلمة "المختار" في مصطلح "شعب الله المختار" تعود على الله كما تعود على الشعب). لكنهم أخفقوا مرارًا وتكرارًا، فما كان لله في نهاية الأمر إلا أن يرسل المسيح لعلّهم يسمعون. وبمجيئ المسيح تمَّم الله عهده مع البشرية كلها، وبحسب نبوءة عاموس في هذا اليوم يعمّ الخير والخلاص على جميع المؤمنين، ولا يبقى هذا مقتصرًا على شعبٍ بعينه، بل على جميع الأمم.  

Ü "مملكة إسرائيل" التي ترد في مقدمة السِفر، ليست مملكة على شكل الدول والممالك التي نتخيلها اليوم. ففي ذلك الوقت كانت الدول هي دول-مدن، بمعنى أن كل مدينة كان لها ملك وأسوار وقوانين، وكانت دولة بحدّ ذاتها. فعلى غرار أثينا وسبارتا عند اليونان القدماء وطروادة في الأناضول، هكذا كانت غزة وعسقلان واشدود واريحا ويابوس ويافا واللد وعكا وصور ودمشق وغيرها.

و"مملكة إسرائيل" في ذلك الوقت هي عبارة عن مجموعة من دول-المدن التي سيطر عليها ملوك إسرائيل، في بعضها أقام بنو إسرائيل وفي بعضها الأخر أقامت شعوب أخرى ودفعت الجزية للمملكة. وبحسب ما جاء في نص "العهد القديم"، مدن الشعوب الأخرى كانت كبيرة وقوية وعظيمة. لكن بشكل عام، في ذلك الوقت، تميزت الممالك بالمد والجزر فتقوى وتتوسع حينًا، وتضعف ويتم احتلالها أو تدميرها حينًا أخر. وإلى جانب ممالك أخرى قامت في البلاد، تميزت فترة الملك يربعام الثاني وهي الفترة التي جاءت بها نبوءة عاموس، كفترة انقسام بين بني إسرائيل، وكان بها مملكتان مملكة إسرائيل في الشمال (مركزها في السامرة وامتدت في اقصى حدود لها الى دمشق وحماة) ومملكة يهوذا في الجنوب (في بيت لحم، وحبرون، وأورشليم). وكما كان الحال مع باقي الممالك، تنازعت هاتان المملكتان فيما بينهم وغزا ملوك الواحدة منهم الأخرى، لدرجة أن يوآش ملك إسرائيل بعد انتصاره على أمصيا ملك يهودا، جاء الى أورشليم وهدم سورها (الملوك الثاني، الاصحاح 14 الآيات 8-13).

وكان يربعام الثاني، وهو أبن يوآش، من أبرز ملوك مملكة إسرائيل، وشهد عصره ازدهارًا اقتصاديًا وعسكريًا، غير أنّ هذا الازدهار ترافق مع انحطاطٍ أخلاقي، تجلّى في انتشار الظلم وعبادة الأصنام والارتداد عن عبادة الله. وتشير الرواية التوراتية إلى أن بؤس شعب إسرائيل بلغ حدًّا عظيمًا، ومع ذلك، لم يشأ الله أن يمحو ذكرهم من الأرض، فخلّصهم على يد يربعام (الملوك الثاني 14: 26-27). غير أن إسرائيل استمرّت في التمادي في خطاياها، ولم يتجاوب الملوك الخمسة الذين جاؤوا بعد ذلك مع دعوة الله، بل كانوا أشرارًا، فكان عقاب الله هو السبيُّ الآشوري لمملكة إسرائيل. وخلال هذا السبي اندثرت أسباط مملكة إسرائيل العشرة، وهي ما يُعرف إلى يومنا هذا بـ "الأسباط العشرة المفقودة"، ولم يبقَ من بني إسرائيل إلا سبطا يهوذا وبنيامين وبعض اللاويين.   

Ü اما بالنسبة لمدن الساحل الجنوبي: غزة وعسقلان وأشدود ويبنه، فهذه كانت مدن-دولًا أقام بها الشعب الفلِسْطيّ، وبالآرامية (سأعتمد الأحرف العبرية لأجعل الأمر أكثر وضوحًا) פלשתים لأنهم פלשו מהים أي قدموا من البحر، على ما يبدو من جزيرة كريت تحديدًا. وبلاد الفلِسْطي سُمّيت "فِلسْطين"! و"طين" بالآرامية تعني أرض، وفِلسْطين هي ארץ הפלשתים أي أرض الفلِسْطيّين. لاحقًا في العهد الروماني تم تعميم اسم البلاد فِلسْطين عل كل البلاد الكنعانية، وفيما بعد بتأثير التعريب (أي التحول من الآرامية والسريانية الى اللغة العربية) وبتأثير التحولات التاريخية في التنظيم السياسي وفي المفاهيم السياسية، صار سكان البلاد عامة يدعون فِلسْطينيين (بإضافة نون وياء)، نسبة الى بلد المنشأ فِلسْطين. ومن المهم أن لا ننسى أن تاريخ فِلسْطين كأرض الفِلسْطيين (بدون نون وياء) هو تاريخ قديم جدًا، سابق لقدوم سيدنا إبراهيم الى أرض كنعان. بل إنه مذكور في نص العهد القديم (التكوين 21: 34) أن سيدنا إبراهيم تغرّب في أرض الفلِسْطيين، وعاش فيها غريبًا حتى مماته.   

=======
الملاحظات الواردة أعلاه ليست تلخيصًا لما ورد في سِفر عاموس، إنما هي ملاحظات تمهيدية لتسهيل قراءته.
-
إن أعجبكم النص، من المهم مشاركته من قد يهمهم الأمر لتجاوز فلاتر الخورزميات الإلكترونية.

في مواجهة الهشاشة البيضاء (White Fragility)

تكتب نجلاء عثامنة عن مواجهة الهشاشة البيضاء في الحقل العلاجي وفي غرفة العلاج. لا تستعمل نجلاء في مقالتها هذه هذا المصطلح، ولا اعلم إن كان المصطلح معتمد في علم النفس، إلا أنني اجده ملائم جدًا لما وصِف في المقال.

يشير مصطلح "الهشاشة البيضاء"، وينسب هذا الى روبين ديانجيلو (2011)، الى شعور التهديد والانزعاج لدى البيض عند طرح المسائل العرقية والعنصرية. فعلى سبيل المثال، تخلق "الهشاشة البيضاء" في المدارس أو في الكليات والجامعات بيئة تعليمية معادية للطلاب السود، ويشعر هؤلاء بتهميش تجاربهم ووجهات نظرهم حين يتجنب الأساتذة عامة الخوض في مواضيع العرق والعنصرية ويعتبرونها خارجة عن المادة الدراسية.

الى جانب التجاهل والاقصاء الذي يثير الشعور بالاغتراب والنفور لدى الطلاب السود، قد تتجلى "الهشاشة البيضاء" أيضًا بردود فعل دفاعية-عدائية تثير الشعور بالذنب (الابتزاز العاطفي) لدى الطلاب السود بناء على ما سببوه من "إزعاج" و"ضيق" للزملاء البيض. بالتالي، بدلا من مسائلة العنصرية البيضاء تعمل "الهشاشة البيضاء" على تحويل المسؤولية نحو السود فيجد الطالب الأسود نفسه مطالبا بالإذعان للهشاشة البيضاء وتفهم ما يتوقع منه البيض تفهمه، في حين يستمر هؤلاء بتجاهل آليات القمع والعنصرية وتجاهل انخراطهم فيها وتواطؤهم معها.

العنصرية الكامنة في الإذعان للهشاشة البيضاء، بحسب رأيي، هي من أشد حالات العنصرية، اذا انها تتجاهل البنى العنصرية والقمعية القائمة وفي ذات الوقت تلقي بالمسؤولية على الأفراد المقموعين، فتزيد عليهم الصاع صاعين. وهذا ما حدث حسب رأيي في اذعان بعض النسويات الفلسطينيات للهشاشة النسوية البيضاء، حين وجدن أنفسهن مضطرات وربما مطالبات بالدفاع عن "نسويتهم التي لا تتجزأ". هذا الدفاع المنحاز الى الهشاشة البيضاء - النابع أولا من الرغبة في الحفاظ على ماء الوجه، وثانيا، ربما من القلق على المشاعر المرهفة للنسوية البيضاء التي تقوم أساسا على الابتزاز العاطفي - حوّلَ النسويات الفلسطينيات من مقموعات الى قامعات، من نساء ينتمين الى جماعة مُضطهَدة الى نساء عليهن تبرير نسويتهن والتأكيد على اخلاقياتهن أولا وقبل أي شيء، لأنهن، شئنا أم أبينا، هن المُسائَلات وليس العكس.

في مقالتها تشير عثامنة الى المعرفة الكامنة في الجسد، الجسد المش مرتاح بالقعدة لا على الصوفة ولا على الكرسي، الجسد العارف والرافض للممارسة القمعية التي تختار الكاتبة في النهاية الابتعاد عنها تماما والخروج من الإطار الذي حول مساحة التحرر الى مساحة قمع واتهام ومسائلة ونزع للإنسانية.

وكما تشير عثامنة، ما حدث معها ليس حالة خاصة كما وانه ليس شأنا حصريا لحقل واحد، بل كثيرة هي "مساحات التحرر" التي تعمل بفعل الهشاشة البيضاء كمساحات لانتزاع الإنسانية. منها على سبيل المثال ما يحدث في الجامعات الإسرائيلية من تضييق وملاحقة للطلاب العرب، حيث تتجلى الهشاشة البيضاء والعنصرية الكامنة فيها على مستوى المؤسسات وليس فقط الافراد.
مقال مهم، انصح بقراءته، يعتمد على الإثنوغرافية الذاتية، أي على تحويل التجربة الذاتية الى موقع لإنتاج المعرفة.

شكرا نجلاء على هذه المشاركة الكاشفة التي تتيح المجال للحوار حول "مساحات التحرر" المتهاوية أمام الهشاشة البيضاء.
_______________
بأعقاب النشر بالـ "فيسبوك" تلقيت التعليق التالي:

شوقتيني لقراءة المقال ومما اشرت اليه من تلخيص لمضمون المقال استحضرت بذاكرتي تجارب شخصية طبق الاصل لما ذكرت.

الرد على التعليق:

فعلا مقال يستحق القراءة، وباعتقادي عندما نبدأ بالحديث عن الموضوع سنكتشف أن الكثير منا مارقات تجارب مشابهة، لكن بغياب الكلمات الملائمة للتعبير عن شيء ما، يصعب الحديث عنه. والمقال مهم حسب رأيي لهذا السبب، لأنه يحاول تأطير الظاهرة والتعبير عنها بكلمات مما يحولها الى أمر واقعي ملموس ممكن الحديث عنه وليس مجرد "أمر شخصي" و"مشاعر فياضة" و"حساسية زيادة عن اللزوم" لعنصرية الآخر.

على الصعيد الشخصي مصطلح "الهشاشة البيضاء" مرافقني من سنوات وقد كان لي بمثابة مِرسَاة ساعدتني على فهم جزء من تجاربي كطالبة فلسطينية في جامعة إسرائيلية. لحد اليوم ما قدرت اكتب عن هذه التجارب بشكل واضح ومتسلسل ومفهوم مثل ما كتبت نجلاء، لكن لما قرأت المقال كان واضح الي الارتباط المباشر مع الهشاشة البيضاء.

باعتقادي، صعوبة الكتابة في هذا الموضوع والتعبير عنه بوضوح نابعة من الاعتداء الكامن فيه على كافة ابعاده. وقد نستشعر صعوبة الكتابة هذه بالحذر والتمهيد والتعاطي المهني والموزون مع التفاصيل التي رافقت ما قدمته عثامنة من سرد للتجربة الشخصية. فغياب الكلمات (المتعارف عليها والمتداولة) والتواصيف الملائمة والاعتراف العلني بوجود هذا الشكل من الاعتداء، يجعل منه اعتداء شفاف مسكوت عنه مغلف بتابوهات مشابهة بآلياتها لتلك التابوهات المحيطة بالاعتداءات الجنسية.

وخلافا للاعتداءات الجنسية، الاعتداء في هذه الحالة ليس اعتداء على الذات من خلال الجسد، انما هو اعتداء مباشر على الذات.

قد يرى البعض بهذا الادعاء "مبالغة" فإنها "مجرد عنصرية" اعتدنا عليها قد نواجهها في كل مكان "فما تاخدي الامر شخصي"، لكن نزع الشرعية عن هذا الموضوع بهذا الشكل هو تماما كنزع الشرعية عن الحديث والخوض في التحرشات والاعتداءات الجنسية. فالذات (مقارنة بالجسد) مغيبة وغير موجودة، فكيف يمكن الاعتداء عليها؟! الا ان هذا الإلغاء ينتقص من الظاهرة ويستبعدها من النقاش السياسي-الاجتماعي وبالتالي يزيد من صعوبة مواجهتها.

فالمقارنة مع الاعتداءات الجنسية ليست من باب المبالغة انما هي محاولة للتمعن بالأثر النفسي والاجتماعي لهذا الاعتداء في مساحات نفترض انها "آمنة" توجهها "اخلاق مهنة" من المفروض أن تسمو على الهويات السياسية.

والحديث هنا هو تحديدا عن أطر ومساحات تتسم فيها العلاقات بمسؤولية أخلاقية من جانب وبهرمية من جانب آخر. علاقات كهذه موجودة في مجالات: التربية والتعليم والطب والإرشاد والصحة النفسية وغيرها. وعادة يتم التعامل مع أخلاقيات المهنة في هذه المساحات كأمر مفهوم ضمنًا، لكنه في الواقع بالمرة مش مفهوم ضمنًا. وهذا ما يفسر الصدمة التي عبرت عنها عثامنة بكل وضوح، الناتجة عن غياب الالتزام الأخلاقي من جانب، ومراوغة المسؤولية واستغلال موقع القوة من جانب آخر.

فتحول الطبيب او المعلم او المرشد الى "إسرائيلي اولًا"، وعجزه عن التعالي على هويته السياسية بسبب هشاشته البيضاء، تعني انه يراك ويتعامل معك أولًا وقبل كل شيء كعربية وليس كطالبة او كمتعالجة، ومعنى هذا انك تتحولين تلقائيا لمصدر تهديد وازعاج وربما لهدف رماية تصوب نحوه ردود فعل عدائية من قبل شخص من المفروض انه هو المسؤول عنك وتربطك به علاقة هرمية وسلطوية.

خيانة الاخلاق المهنية في هذه المساحات (التي من المفروض ان تضع الطالب او المتعالج واحتياجاته بالمركز فوق أي اعتبار آخر)، هي حسب رأيي كالتحرش والاعتداء الجنسي في مكان العمل، ورغم أن الاعتداء هنا هو مباشرة على الذات وليس على الجسد، الا ان ابعاد هذا الاعتداء واسقاطاته وكل ما يحيط به متشابهة جدًا. فمن ناحية انت مرتبطة بهذا المكان ومجبورة تبقي فيه لأنه "مصدر رزقك" وانقطاعك عن هذا المكان في محاولة للابتعاد عن مصدر الإساءة له اثمان مادية ومهنية وربما اجتماعية - تماما كما هو في الحالة التي وصفتها نجلاء. من ناحية أخرى، بقاءك في هذا المكان حيث الشخص المسؤول عنك هو مصدر الإساءة له اثمان نفسية واجتماعية عميقة. وفي المحصلة، وبغض النظر عن الخطوات العملية الممكن اتخاذها، على الصعيد النفسي الشعور هو شعور مزدوج من اليتم والخيانة في آن واحد، وهذا تماما كالشعور الناتج عن الاعتداء الجنسي في إطار علاقات اخلاقية هرمية أخرى. ففي هذه الحالات جميعها الشخص اللي مفروض يوفر المساحة الآمنة هو ذاته الشخص المعتدي.

في الحالة اللي وصفتها نجلاء، اخذلها 6 اشهر بعد أن ادركت ما يحدث كي تتخذ خطوة حاسمة وتقطع هذه العلاقة المسيئة. لكن في اغلب الحالات (تماما كالنساء المُعنَّفات في المنزل او في مكان العمل) قد نعاني من هذا الاعتداء دون أن نفهم أنه اعتداء، واحيانًا حتى وإن أصغينا لجسدنا وحتى إن فهنا أنه يوجد خطب ما في العلاقة، لكننا قد نفتقد القدرة أو الجرأة على المواجهة، أولًا بسبب عدم تفسير ما يحدث كاعتداء وتفضيل تفسيرات أخرى ("يمكن والله عنجد انت غلطانة"، "يعني هو مش هالقد عاطل" و"طولي بالك وكبري عقلك شوي"). وثانيًا بسبب الأثمان الباهظة المرافقة حتمًا لهذه المواجهة، خاصة انه في الغالب ستُصوَّر هذه كتصرف غير مبرر وغير مفهوم او ربما مبالغ به، تجاه أمر "عادي جدًا" و"مش مفروض ناخذه شخصي". بالتالي ما منقوم ومنمشي ومنقطع العلاقة، وبضل الاعتداء مستمر وبتضل الإساءة مستمرة ومعهم الثمن او الأثمان اللي مندفعها، جسديا، ونفسيا، ومهنيا، واجتماعيا، وماديا.





تعدد الزوجات بين التنظير النسوي والنضال الحقوقي والاقتصادي

أنا مع تعدّد الزوجات. لقد سبق وكتبت في هذا الموضوع في الـعام 2009 وما زلت على الموقف ذاته. وأظنّ أنني النسوية الوحيدة المُصرة على هذا الموقف علنًا، رغم كوني صوتًا وحيدًا معاكس للتيار. ومن دون الإشارة إلى السبب الذي يُطرح فيه هذا الموضوع حاليًا، يهمّني أن أوضّح أن الموقف النسوي الرافض لـ "تعدّد الزوجات وفق الشريعة الإسلامية" في إسرائيل، هو موقف منافق. وهذا النفاق حاضر في صفوف النسويات الفلسطينيات والاسرائيليات على حدّ سواء.

أنا أؤيّد "تعدد الزوجات وفق الشريعة الإسلامية" بمعنى عدم تجريمه قانونيًا، وهذا انطلاقًا من دعمي لكل أنماط العائلات التي لا يشترط أن تتكوّن من أب وأم وأطفال. فالعائلات قد تتكوّن بأشكال متنوعة تختلف عن النمط الثنائي المغاير الذي فُرِض على العالم كنموذج وحيد يُحتذى به.

يمكن أن تتكون العائلة من أم وحيدة مع أطفال، أو أب وحيد مع أطفال؛ سواء كان ذلك عن خيار أو لظرف فرضته الحياة.

كذلك يمكن أن تتكون العائلة من أم وأم مع أطفال، أو أب وأب مع أطفال، بغضّ النظر عن وجود علاقة جنسية بين البالغين في هذه العائلة من عدمه. فقد تفرض الحياة مثلًا لظروف مختلفة ومتعددة أن تتشارك أختان في تربية أطفالا معا (اذا ترملت اختك ع بكير ممكن تعيشي معها وتربي أولادها معها كما لو كانوا أولادك وكما لو كنت أمهم التي لم تلدهم؟) من وجهة نظري هذه عائلة، والعلاقة الزوجية ليست شرطًا في تكوين العائلة. وينطبق الأمر ذاته على الرجال. فمن الممكن لأخوين أو أب وابنه أن يجدوا أنفسهم مسؤولين عن تربية الأطفال لنفس السبب، أي أن الحياة فرضت عليهم هذا الوضع (ترمّل الأب والسيد مثلا. ممكن تصير؟ ممكن). العائلة بالنسبة لي تتكوّن من فرد بالغ أو أكثر، يقدم الرعاية والاهتمام لطفل واحد او أكثر. وإذا فرضت الحياة ذاتها على البعض كما في الأمثلة السابقة وأدت إلى تكوين عائلات غير نمطية فهذا لا ينتقص من عائلية هذه العائلات.

على نفس المبدأ، يمكن لأشخاص بالغين غير نمطيين أن يختاروا تقديم الرعاية والاهتمام لطفل واحد أو أكثر بناءً على خيارهم وليس لأن الحياة فرضت عليهم ذلك، وهذا أيضَا لا ينتقص من عائليتهم. وبالإشارة الى "أشخاص بالغين غير نمطيين"، أعني المثليين والمثليات، لكن أيضا الأفراد اللاجنسانيين (أي أشخاص لا توجد لديهم رغبة جنسية) وغيرهم ممن لديهم رغبة في تكوين عائلات غير نمطية والانخراط في رعاية أطفال قد يكونون أو لا يكونون أبناءهم البيولوجيين.

بالتالي من الممكن أن يكون لكل طفل أكثر من أم أو أكثر من أب غير الأم البيولوجية أو الأب البيولوجي. كل هذه أنماط عائلات غير مألوفة، وكونها غير مألوفة لا ينتقص من عائليتها.

بناء عليه، أنا أؤيد تعدد الزوجات إن كان نابعًا عن خيار حر. وهذا في الواقع هو الفخ الذي تقع فيها النسويات الفلسطينيات الرافضات لتعدد الزوجات، إذ يتجاهلن مسألة انعدام الخيار، ويركزن على إدانة النهج لذاته، وما هذا إلا نفاق.

وهذا النفاق نابع من تملّق النسويات الفلسطينيات للسياسات الليبرالية وللنسوية الليبرالية وهو أيضًا نفاق زميلاتهن النسويات الإسرائيليات اللواتي يرفضن تعدد الزوجات بينما يعشن بأنفسهن في أطر عائلية غير نمطية. فمن بينهن الأمهات الوحيدات في عائلات أحادية الوالدية، والأمهات في عائلات قائمة على المساكنة الزوجية دون أي تأطير قانوني رسمي - ديني او مدني - للعلاقة الزوجية، أو منهن المؤيدات والداعمات للعائلات المثلية وللسيولة الجندرية وللحب البولي-أموري (كيف بالله، طالعة حلوة الحب البولي-أموري اه؟ مودرن ومنفتح ومش زي تعدد الزوجات دِّج ومتخلف وعربي)، قمة النفاق.

والأسواء من النفاق، حسب رأيي، هو ما يسمح هذا النفاق بالتغاضي عنه، وهو المشكلة الرئيسية في مسألة تعدد الزوجات، وهي غياب الخيار الاقتصادي (والإطار القانوني-السياسي في حال كانت الزوجة من غزة أو من الضفة). ففي أغلب حالات تعدد الزوجات تكون النساء مُستغلات ومقموعات ومغلوب على أمرهن، ونادرًا ما نجد نساء يعشنَّ هذا النمط عن خيار حر. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن بعض النساء اخترنَّ هذا النموذج العائلي بإرادة حُرة وعن رضا تام من جميع الأطراف، ولا يحق لأي منا أن تقرر أن هذا الخيار غير قانوني. وفي اللحظة التي تُعلِن فيها النسويات أنهن متقبلات للموضوع، عندها ستأتي النساء اللواتي اخترن هذا النموذج بشكل حر ليشاركن قصص حياتهن وأسباب اختيارهن الانخراط في عائلة تتعدد فيها الزوجات. في اللحظة التي تتحلى فيها النسويات الفلسطينيات ببعض التواضع وتتراجع عن إصدار الأحكام وعن الحذو خلف النسوية الليبرالية البيضاء، سنسمع قصص هذه النساء. لكن رفض هذا النموذج هو الذي يتيح إخراس النساء اللواتي تعيش في إطاره، والتكلم بالنيابة عنهن ولعب دور "محاميات الدفاع" عن "النساء المستضعفات". لكن الحقيقة هي أن النسويات هنّ من يخرسنَّ هؤلاء النساء وهن اللواتي يستضعفنهن، إضافة إلى الاستضعاف البنيوي الذي تعيشه هذه النساء. النسويات الفلسطينيات مستفيدات بشكل مباشر من عملية الإخراس هذه ومن التأطير النمطي الرافض للآخر(ى) والمهمّش لها ولأسلوب حياتها.

مرة أخرى أشدّد أنا أؤيد "تعدد الزوجات وفق الشريعة الإسلامية" إذا كان نابعًا خيار حر، لكن هذا ليس هو الواقع. مع ذلك، ليس من حقنا أن نقرر أن تعدد الزوجات غير قانوني. في الوقت ذاته، علينا توجيه طاقاتنا لمعالجة الضائقة الاقتصادية أو القانونية التي تسبب المعاناة للنساء وتجعلهنّ ضحايا للاستغلال. إذا حسّنا الوضع الاقتصادي للنساء، وإذا حسّنا المكانة القانونية للنساء من غزة والضفة اللواتي يعشن في إسرائيل، فإن الكثير منهنّ سيخرجن من دائرة الاستغلال دون أن يلغي هذا شرعية هذا الخيار لمن ترغب به.

تقبل أنماط العائلات البديلة، وتقبّل مرونة الأدوار الجندرية، وميوعة الجنسانية، وفي ذات الوقت رفض تعدد الزوجات، ما هو إلا نفاق صافي؛ نفاق النسويات الفلسطينيات والإسرائيليات على حد سواء. نفاق تذويت العنصرية المرافقة للنسوية الليبرالية البيضاء في صفوف النسويات الفلسطينيات.

انا مع العائلات بكل أشكالها. العائلة بالنسبة لي لا تُعرّف بحسب العلاقة الجنسية بين أفراد الجيل المؤسس للعائلة، فقد تتكون العائلة بدون علاقة جنسية. هنالك الكثير من الفرضيات الخاطئة والقوالب الجاهزة التي اعتدنا أن نفكر بالعائلة من خلالها، بينما الإمكانيات أوسع بكثير. العائلة بالنسبة لي هي مجموعة أشخاص يتبادلون الرعاية فيما بينهم وتجمعهم علاقة اقتصادية شيوعية بالمعني الحرفي والعملي للكلمة: "كل واحد على قدر استطاعته، وكل واحد على قدر ما يحتاج"، سواء مع أطفال او بدونهم.

أعلم أن الشريعة الإسلامية لها رأي آخر فيما يخص العائلة، فهي تسمح بتعدد الزوجات بينما لا تقبل بعض الأنماط الأخرى، لكننا لا نعيش بدولة شريعة إسلامية، إنما في دولة علمانية، أو على الأقل هذا ما نريد. وإذا كانت هذه الدولة - كمجتمع وكمؤسسات - تتقبل أشكال العائلات البديلة، فليس هنالك أي حِجة لها في رفض تعدد الزوجات. رفض تعدد الزوجات في دولة علمانية ليبرالية تتعدد فيها أشكال العائلات ما هو إلا نفاق.

لأنه كلنا مع الحب البولي أموري، صح؟ ومع السيولة الجندرية والميوعة الجنسية (ونص الرجال اللي ضد تعدد الزوجات ممكن متحرشين او عنيفين او ما عندهم مشكلة يكونوا مصاحبين)، بس تعدد الزوجات تخلف. أكيد.

عل كل حال عادة يعتمد تعدد الزواجات على الزواج العرفي ولا يسجل قانونيًا، لكن لماذا الحاجة الى التجريم والملاحقة القانونية؟! بالعكس علينا أن نسعى لقوننة الزواج وإتاحة تسجيله رسميًا فهذا ما سيوفر الحماية للنساء ولأطفالهن وليس نزع الشرعية عنهن والملاحقة القانونية.

كذلك يجب أن لا ننسى أن المرأة غير المستضعفة اقتصاديًا تستطيع التحرر من الرجل العنيف أو الخائن أو من إطار تتعدد فيه الزوجات، أما المرأة المستضعفة اقتصاديًا فستكون مغلوبة على أمرها ومستغلة في كل الأحول. فلا تشدوا على حالكن كثير بالمحل الغلط، رجاءَ، المشكلة ليست في تعدد الزوجات ولا في الشريعة الإسلامية.

وأكيد النسويات الإسرائيليات راح يصفقولكن لما تحكوا ضد تعدد الزوجات، ما احلاهن وهني مش مصفقات، برافوا عليكو وعليهن وعلى النسوية الناصعة البياض.

______________

بأعقاب النشر بالـ "فيسبوك" تلقيت السؤال التالي:

كلام جميل لكن هل تشريع تعدد الزوجات سيرافقه تعدد الأزواج أيضًا؟ أنا مع حرية الاختيار وكذلك مع المساواة، ليكن ذلك متاحاً للجميع إن كان هنالك من مجال لتشريعه.

الجواب على هذا التعليق:

أنا مع كل أشكال العلاقات المبنية على خيار حر، ومع كل أنواع العائلات القائمة على ذات المبدأ. الطرح أعلاه ملائم لما يحدث داخل دولة إسرائيل التي تتبنى الأنماط البديلة للعائلات المثلية، والعائلات الأحادية الوالدية، والعائلات المبنية على المساكنة وغيرها، لكنها ترفض تعدد الزوجات. لكن لا يمكن إسقاط هذا الطرح كما هو على دولة مثل تونس، على سبيل المثال، أو على أي دولة عربية أو إسلامية أخرى قد تحذو حذو تونس وتمنع تعدد الزوجات، لأن تونس لا تتيح أنماطًا عائلية بديلة.

مبدئيًا أنا مع تبني النموذج الذي يتيح ممارسة كافة الأنماط البديلة، لكن الأهم من ذلك هو الحالة الاقتصادية للأفراد. فالأفراد دائمًا يجدون الهامش الملائم الذي يتيح لهم ممارسة حياتهم بحرية، وأحيانًا بسرية، بعيدًا عن ما ينص عليه القانون. لكن الوحيدين الذي يستطيعون أن يسمحوا لأنفسهم بممارسة هذه الحرية هم الأفراد المستقلون اقتصاديًا، سواء كانوا رجالًا او نساءً.

اما إذا كان السؤال يتعلق بالشريعة الإسلامية ذاتها، فالجواب واضح. ولا أرى أنه من المناسب الخوض في العقيدة الدينية، خاصة وأن الحديث يدور عن دولة تدعي العلمانية. انا مع تحرر الدولة من الشرائع الدينية، لكن هذا التحرر يعني أن تتيح الدولة ممارسة هذه الشرائع بحرية لمن يختار ذلك. فسقف العلمانية وقدرتها على احتواء الشرائع الدينية أوسع وأكبر من قدرة الدين على احتواء ما يخالفه. على الدولة العلمانية أن تتيح للأشخاص المتدينين ممارسة حياتهم بحسب عقيدتهم، لكننا نعلم أن العكس غير صحيح، فالدول الدينية لا تتيح للأفراد الحرية لممارسة حياتهم وفق خياراتهم. لهذا، فخياري أنا هو خيار الدولة العلمانية.

بالإضافة لا بد أن نذكر أن النموذج الذي تتغنى به الدولة (أب وأم واطفال) هو نموذج عائلة استعماري، وقد كُتِبَ الكثير - لا سيما من قبل باحثين من دول الجنوب - عن التحرر من هذا النموذج الاستعماري، وعن خصائص وأحيانًا فضائل النماذج العائلية السابقة للاستعمار.