نزع الإنسانية المزدوج في الخطاب والممارسة الصهيونية

نزع الإنسانية المزدوج في الخطاب والممارسة الصهيونية
Dual dehumanization in Zionist discourse and practice
דה-הומניזציה דואלית בשיח ובפרקטיקה הציונית

‏04‏/07‏/2026

مراجعة كتاب

صدر في نيسان/أبريل الماضي عن دار نشر برديس في حيفا، كتاب إيّلم للكاتبة الإسرائيلية عماليا ساعر، ويتمحور الكتاب حول السؤال "ما الذي يمنع الإسرائيليين من الاعتراف بعنف إسرائيل ومعارضته؟"

إيّلِم (אֶלֶם) باللغة العبرية تعني الصمت النابع عن صدمة. وقد استقبل القارئ العربي الكتاب بصمت نسبي، تمامًا كالصمت الذي تُحدِثه الصدمة، وأحيانًا بغضب. فهو، بحق، كتاب صادم للقارئ العربي، ولا سيما القارئ الفلسطيني المتمكن من اللغة العبرية، ومن اللغة الأكاديمية التي تلجأ إليها الكاتبة أحيانًا مع تبسيط نسبي يتلائم مع معارف القارئ العام.

جمهور الهدف لهذا الكتاب هو القارئ "الإسرائيلي التواق للحياة" ("האנשים חפצי החיים") ويشمل ذلك، وفقًا لساعر، طيفًا واسعًا من الإسرائيليين الممتد بين اليمين المعتدل والوسط واليسار الصهيوني. لذلك، عند قراءة هذا الكتاب، على القارئ العربي أن يضع في اعتباره هذا التوجيه الأساسي وطبيعة جمهور الهدف الذي تحاول الكاتبة مخاطبته، وأن يقرأ الكتاب من هذا المنظور. وقد يخطئ القارئ العربي، لا سيما الفلسطيني، إن قرأ هذا النص بوصفه نصًا حواريًا متكافئَا؛ فالكتاب في جوهره، بعيد عن الطرح الفلسطيني، وهذا، بلا أدنى شك، يثير لدى القارئ الفلسطيني شعورًا بالنفور نوعًا ما، إلى جانب إحساس بوجود هوّة عميقة يصعب تجسيرها، وربما خيبة أمل، خاصة وأن الكاتبة معروفة في صفوف اليسار الإسرائيلي النسوي الملتزم بشراكة عربية-يهودية وتعرّف نفسها بوصفها "ليبرالية لا صهيونية".

مع ذلك، لا يعني هذا استبعاد إمكانية محاورة الكتاب، بل على العكس، فإن فعل المكاشفة الداخلية الذي يقوم عليه هذا الكتاب يفتح مجالًا لمكاشفة موازية من قبل القارئ الفلسطيني تجاه اليسار الإسرائيلي، ولا سيما ذلك اليسار المنادي بالشراكة العربية-اليهودية. غير أن هذه المكاشفة تظل تحليلية في جوهرها لا خطابية، وعليها أن تقوم على قراءة فاحصة تتجاوز منطق الندية، فالنص لا يُقدَّم بوصفه جزءًا من جدل أكاديمي مفتوح أو خطاب سياسي نديّ، بل بوصفه ممارسة حوارية داخلية لكشف الذات اليهودية الإسرائيلية داخل الفضاء الإسرائيلي، تُعرض بسخاء على جمهور قراء العبرية، بمن فيهم من هم خارج دائرة هذه المكاشفة.

بكلمات أخرى، على القارئ الفلسطيني أن يقرأ هذا الكتاب كمن سُمح له باستراق النظر عبر نافذة خفية إلى صالون البيت اليهودي-الإسرائيلي. غير أن هذه الإتاحة السخية ليست دعوة إلى الدخول أو المشاركة، بل إلى المعاينة من الخارج فقط. إنها دعوة لمعاينة الإنساني داخل هذا الفضاء. بهذا، تطرح الكاتبة أمام القارئ الفلسطيني تحديًا مركبًا وطموحًا جدًا، إذ إنه يدعو القارئ الفلسطيني إلى رؤية الإنساني في من ينتزع إنسانيته ومن يساهم يوميًا في إبادته. على الرغم من ذلك، أرى قيمة حقيقية لمن يستطيع أن يكبح عواطفه وأعصابه التي قد يثيرها الكتاب، وأن يُمعن في قراءته.        

في ملخص الكتاب المنشور على صفحة الكاتبة باللغة الإنجليزية، تقول ساعر إنها من خلال هذا الكتاب تحثّ الإسرائيليين التوّاقين للحياة على التخلي عن نظرتهم الثنائية للجناة والضحايا، وعلى الاعتراف بالعنف الذي يمارسونه بأنفسهم وتحمل مسؤوليته. كما وتدعوهم أيضًا إلى رؤية الفلسطينيين كبشر ذوي طبيعة معقدة، من منطلق أن إغفال ذلك يعني التنازل عن شيء ما في إنسانيتهم هم.

في الواقع، من خلال القراءة العميقة لهذه الدعوة، يمكن الوقوف على الفرضية الأساسية التي تنطلق منها الكاتبة، وهي أن عملية نزع إنسانية الآخر مرتبطة، لا محالة، بعملية نزع إنسانية الذات. ويتضح هذا بشكل جلي من خلال صفحات الكتاب، حيث تتنصل الكاتبة من نزعة الرومانسية، وتدعو القارئ الإسرائيلي، بشكل صريح وجلي ومباشر، إلى العودة إلى إنسانيته بدافع أناني للخلاص الذاتي، وليس بدافع الإيثار تجاه الفلسطيني.

وهنا تكمن أهمية الكتاب في رأيي، ففي دعوة الإسرائيليين إلى النظر إلى ذواتهم كبشر ذات طبيعة معقدة، والتخلي عن فكرة الضحية السرمدية وعن ثنائية الضحايا والجناة، تكمن فرضية صريحة وادعاء ضمني ذو شقين، مفاده أولًا، أن الإسرائيليين أنفسهم يواجهون عملية نزع للإنسانية من خلال ذات الخطاب الذي ينتزع إنسانية الفلسطيني. أما الشق الثاني لهذا الادعاء الضمني فمفاده هو: كي تَنتَزع إنسانية شخص آخر، لا بد أنه قد تم انتزاع إنسانيتك اولًا.

في كتابها لا تفسّر ساعر كيف تحدث عملية نزع إنسانية الفلسطيني، ولا تُحيل إلى الاستعمار والخطاب الصهيوني بوصفهما مُولّدين لهذه العملية، وبرأيي، هذه هي نقطة ضعف الكتاب، وربما الإخفاق الكبير له، لكن يمكننا احتواء ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الكتاب لا يُطرح ككتاب علمي. إلى جانب ذلك، تشير ساعر، بشكل شجاع وجريء، إلى الآلية الثقافية المركّبة التي تنتج مُحَرّمًا اجتماعيًا (Taboo) يعيق الإسرائيليين ويمنعهم من الحديث عن حرب الإبادة في غزة، كما وعن تحمّل المسؤولية تجاه عملية نزع إنسانية الفلسطيني عمومًا. وترى ساعر أن هذه الآلية تدمج بين: ثقافة الرأسمالية المتأخرة التي تعظّم العواطف ومراعاة مشاعر الآخرين في الخطاب العام، وبين ثقافة العائلية اليهودية في إسرائيل (משפחתיזם) التي ترى في كافة الجنود والضحايا أبناء وبنات لكافة الإسرائيليين، إلى جانب ثقافة الضحية السرمدية القلقة دومًا من إعادة تكرار التاريخ وما آل إليه من فواجع للجالية اليهودية الأوروبية.

الكتاب ليس سهلًا على القارئ العربي، ولا سيما ذلك القارئ الملمّ بالمعاني العميقة للمصطلحات والمفاهيم التي تعتمدها الكاتبة، وبالسياسات العميقة الكامنة خلف بعضها. فمصطلحات أولية مثل "صراع" (وليس "استعمار") و"تحويل" ("transformation") (وليس "انهاء") تعكس بوضوح طبيعة الفجوة القائمة بين الخطاب الفلسطيني والخطاب الإسرائيلي وبضمنه الخطاب اليساري الليبرالي.

بالإضافة إلى هذه المصطلحات الأولية، هناك محاولة غير ناجحة في رأيي، بل ومرفوضة من أساسها، لتفسير تصرف الجنود خلال حرب الإبادة بوصفه تصرفًا نابعًا من "عتبية" (Liminality) القتال في الحرب. إذ لا يمكن تفسير حرب إبادة راح ضحيتها ما يزيد على سبعين ألف إنسان، ونتج عنها عشرات آلاف الأيتام والأطفال مبتوري الأطراف، إلى جانب تدمير كامل لبقعة من الأرض يمتد تاريخها إلى ما لا يقل عن خمسة آلاف سنة، بوصفها حالة "عتبية" أفرزت ما أفرزته بسبب عتبيتها؛ هذا ادعاء مرفوض من أساسه.

وقد يكون هذا الإخفاق ناتجًا عن "العائلية" التي أشارت إليها ساعر في الكتاب، وعن شعور شخصي بالعائلية تجاه الجنود، أو على الأقل تجاه بعضهم. وعلى الرغم من إشارتها الواعية إلى هذه الآلية في الكتاب وفي مقالات أخرى، يبدو أن ذلك لم يكن كافيًا لمنعها من الانزلاق في منحدر هذه الآلية الثقافية. ربما بسبب طبيعة الجمهور المُخاطب وطبيعة الحوار، وربما أيضًا بسبب طبيعة الظرف الذي نعيشه، وبحكم كونها جزءًا من المجتمع الذي تكتب عنه.  

بالإضافة، يكشف الكتاب امام القارئ الفلسطيني مواضيع أخرى عديدة مهمة في عملية مكاشفة اليسار الإسرائيلي، من ضمنها مفهوم الصهيونية كهوية قومية موازية للهوية الفلسطينية وليس كمذهب وهوية أيديولوجية، وهذا بذاته، حسب رأيي، مهم بما يكفي لدفع القارئ العربي إلى قراءة الكتاب، على أن تكون هذه قراءة فاحصة متمعنة أولًا تشكل الأساس لندّية الخطاب لاحقًا. كذلك، رغم الإشكاليات العديدة الكامنة في الطرح، لا يمكننا التغاضي عن كون الكتاب محاولة جريئة وصادقة حسب رأيي، لحثّ اليهود الإسرائيليين على الخروج من جمودهم الأخلاقي والسياسي. كما ولا يمكننا التغاضي عن الفصل الثالث في هذا الكتاب، وهو برأيي أفضل ما كُتب عن الفلسطينيين لهذا الجمهور منذ سنوات.




----------
واجب الإفصاح: بروفيسور عماليا ساعر هي المشرفة الأكاديمية على دراستي لنيل شهادة الدكتوراة في قسم دراسات الإناسة في جامعة حيفا. وقد كنتُ قد علّقتُ دراستي خلال الأشهر الأولى من الحرب، ردّا على ما صدر عن المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية آنذاك. على الرغم من تعليق دراستي حافظت وساعر على تواصل دائم، تضمن استمرار إشرافها على تقدّم دراستي رغم الصعوبات. في أعقاب نشر الكتاب، خضتُ مع ساعر حوارًا مطولًا بالمراسلة حول الكتاب وإشكالياته من وجهة نظري والصدمة التي أثارها لديّ، إذ لم يكن من السهل مواكبة قراءة هذا الكتاب الصغير نسبيًا، الذي قد لا تتطلب قراءته أكثر من ساعتين او ثلاث، إلا أنه استغرق مني ما يزيد على عشرة أيام، ناهيك عن المراجعات التي قمت بها لإعادة التحقق من الكلام.