بقلم الكاتب المغربي حسن أيت اعزيز.
نشرت على موقع رصيف، 1 أغسطس 2026.
عن الهجرة إلى سبتة... البحر أقل رعباً من اليابسة
اقتباسات:
"لم يعبر آلاف الشباب من المغرب إلى سبتة يوم الخميس 30 تموز/ يوليو 2026، بل كان اليأس من عبر... كما لو أنّ جيلاً كاملاً قرّر أن يقدّم استقالته من الضفة التي وُلد فيها."
"سيقال إنهم مهاجرون غير نظاميين، وهي تسمية مهذبة جداً لكارثة غير مهذبة. تسمية تجعل الأمر يبدو كأنّ المشكلة في ورقة ناقصة، أو في ختم لم يوضع في مكانه الصحيح، لا في إنسان قرّر أنّ البحر أقل رعباً من المستقبل الذي ينتظره على اليابسة."
" لا أحد يستيقظ صباحاً ويقول لنفسه: الطقس جميل اليوم، لماذا لا أخاطر بالغرق؟ لا أحد يضع طفله فوق كتفيه ويدخل الماء لأنّ تطبيق الطقس أخبره بأنّ الأمواج مناسبة للهجرة. الإنسان لا يرمي جسده في البحر إلا حين تصبح الأرض التي يقف عليها شكلاً آخر من لغرق."
"الغريب أنّ الحدود تعمل بكفاءة انتقائية مذهلة؛ الفوسفات يعبر، والسمك يعبر، والفواكه تعبر، والنسيج يعبر، والأموال تعبر، وأرباح الشركات تعبر. أما الإنسان الذي أنتج ذلك كله، فعليه أن يثبت أنه يستحق المرور. بضاعة بلادنا تصل إلى الأسواق الأوروبية بسلام، لكن ابن البلد نفسه قد يصل إليها جثةً."
"الطماطم المغربية تملك ملف تأشيرة أقوى من الشاب المغربي، وأنّ الصندوق المملوء بالمنتجات أكثر احتراماً منه لدى النظام العالمي."
"الغرب الذي ينظر اليوم إلى المهاجرين باعتبارهم أزمةً أمنيةً، شارك طوال قرون في صناعة الظروف التي تجعل الهجرة تبدو حلّاً.
لقد دخل الاستعمار إلى بلداننا وهو يحمل البندقية والخريطة ودفتر الحسابات. أعاد تصميم اقتصادات كاملة كي تنتج ما تحتاجه أوروبا، لا ما تحتاجه شعوب بلادنا. خرج الجنود في ما بعد، لكن كثيراً من الأنابيب بقيت في مكانها، تحمل المواد الخام والأرباح والطاقات البشرية في اتجاه واحد."
لقد دخل الاستعمار إلى بلداننا وهو يحمل البندقية والخريطة ودفتر الحسابات. أعاد تصميم اقتصادات كاملة كي تنتج ما تحتاجه أوروبا، لا ما تحتاجه شعوب بلادنا. خرج الجنود في ما بعد، لكن كثيراً من الأنابيب بقيت في مكانها، تحمل المواد الخام والأرباح والطاقات البشرية في اتجاه واحد."
"ليس معنى هذا أنّ مسؤولاً أوروبياً يجلس كل صباح أمام مكتبه ويخطط لدفع شابّ مغربي إلى الماء. الاستغلال الحديث أكثر أناقةً من ذلك. يرتدي ربطة عنق. يكتب عقوده بلغة قانونية جميلة. يطلق على النهب أسماء محترمةً مثل تحسين مناخ الاستثمار، أو المرونة الاقتصادية، أو الشراكة الإستراتيجية. وحين تصل النتائج البشرية إلى الحدود، يختفي النقاش حول الثروات، ويبدأ النقاش حول الأسوار."
"اوروبا نفسها تعترف بأنها تحتاج إلى العمالة الأجنبية، وقد أطلقت مع المغرب شراكات لاستقدام العمال في قطاعات مثل البناء والزراعة والسياحة والنقل والرعاية، لكنها تريد العامل بعد أن تنتقيه، وتحدّد مهنته، ومدة إقامته، والباب الذي سيدخل منه. تريد اليد التي تقطف الفاكهة، لكنها لا تريد الجسد الذي يحمل إليها هذه اليد. تريد الممرض حين تشيخ مستشفياتها، والسائق حين تتوقف شاحناتها، والعامل حين تحتاج ورشاتها، لكنها حين يصل الشاب من دون أن يكون اسمه مدرجاً في قائمة الطلبات، يتحول من مورد بشري إلى تهديد أمني."
"الغرب ليس المتهم الوحيد. هناك مسؤولية مغربية كاملة لا تمحوها خطط الاستعمار ولا تقارير الأمم المتحدة؛ مسؤولية اقتصاد لم يوزّع ثماره بعدل، ومدن يلمع وسطها بينما تتآكل أطرافها، وتعليم يطلب من الشابّ أن يحفظ تعريف المواطنة ثم يتركه يبحث عن معنى الكرامة في قارب، ومسؤولين يرون الأرقام في التقارير ولا يرون الوجوه التي تقف خلفها. هناك أيضاً نخب محلية تعلمت من المستعمر أكثر دروسه فائدةً لها؛ كيف تحوّل الوطن إلى شركة خاصة، وكيف تجعل الفقراء يدفعون تكلفة الخسائر بينما تسافر الأرباح في الدرجة الأولى. لا يمكن أن نقول للشاب إنّ الغرب نهب بلاده، ثم نطلب منه تجاهل من ينهبها اليوم من الداخل."
"ولا يمكن لإسبانيا أن تنظر إلى سبتة كجزيرة أوروبية سقطت بالخطأ فوق إفريقيا، فالجغرافيا لا تنسى، والتاريخ لا تمحوه الأسلاك الشائكة. سبتة ليست مجرد حدود بين دولتين. إنها مختبر صغير للنظام العالمي كله. على جانب منها، جواز سفر يحوّل البحر إلى مكان لقضاء العطلة. وعلى الجانب الآخر، جواز يجعل البحر امتحاناً للبقاء على قيد الحياة. الماء واحد، لكن السابح ليس واحداً في نظر العالم. الأوروبي الذي يدخل البحر يسمّى سائحاً، والمغربي الذي يخرج منه يسمّى أزمة."
"الغرب مطالب بأن يتوقف عن التعامل مع إفريقيا كمخزن للمواد الخام، وسوق للمنتجات، وحارس مأجور لحدوده. ودولنا مطالبة بأن تتوقف عن استعمال الغرب عذراً أبدياً لفشلها. فلا الاستعمار يبرّر الفساد، ولا السيادة تعني أن نترك أبناءنا بلا مستقبل ثم نغضب حين يبحثون عنه في مكان آخر."
"سيبقى البحر هناك، على بعد خطوات قليلة من شباب تعلموا أنّ ثروات بلادهم تستطيع العبور من دون تأشيرة، وأنه عليهم أن يسبحوا خلفها."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق