افتتحت صباح الأحد كعادتي على أخبار راديو الشمس لأسمع أن لجنة أولياء أمور الطلاب في المدرسة الثانوية في كفركنا تعلن الإضراب في المدرسة يوم الثلاثاء القادم 6/5/2008 احتجاجاً على تراكم النفايات وتكاثر الهوائيات في البلد.
أزمة النفايات في كفركنا هي أزمة القرى العربية بأكملها فكفركنا والرامة وسخنين وقلنسوة ودالية الكرمل وغزة وغيرها، تغرق في النفايات وما تجلبه علينا من أوبئة ومضار صحية كلما ضاق الحال في السلطات المحلية ونفذت الميزانيات وتراكمت الديون أو كلما أشتد أزر الاحتلال.
رد الفعل الأولي لمن ضاقت بهم الأمور هو حرق حاويات النفاية فيكيل لنا الصاع صاعين فمن بين ما يحرق مواد بلاستيكية ومواد سامة تطلق غازات وغبار ساميين نتنفسهم مباشرة مع الهواء. آخرون قد يستأجرون مقاول خاص لنقل النفايات فيجدونها نقلت إلى حافة الطرق العامة أو إلى مداخل البلد.
لن أتطرق هنا إلى أزمة النفايات العالمية ولا إلى أزمة التخطيط لمواقع كب النفايات في البلاد فمنها الغير قانوني ومنها نتاج سياسات عنصرية قد يقع على مقربة من الأماكن السكنية، ومنها إهمال فيقع فوق مصادر المياه الجوفية ويشكل خطر لتلوث هذه المياه. ولن أتطرق أيضاً إلى أزمة النفايات الصناعية ونفايات البناء بل سأتطرق إلى مصدر المعاناة اليومية للسكان وهي أزمة تراكم النفايات البيتية في شوارعنا وأحيائنا وسأقوم بطرح حل عيني سريع بسيط يمكن تطبيقه اليوم وتكلفته صفر شواقل بل أكثر من ذلك فمن الممكن تخطيط الأمر بشكل يعود بالمردود المادي على بعضهم وبالأخص على السلطات المحلية التي يمكنها توفير نفقة التخلص من النفايات أولاً ومن ثم تحويلها من عبئ مادي إلى مصدر دخل، فعسى أن تقوم أحدى القيادات السياسية والمحلية بتحرير القرى العربية من نفاياتها.
لكي نستطيع مواجهة هذه الأزمة لا يمكننا بعد التعامل معها كرزمة واحدة بل يجب علينا أولاً أن نفهم مركباتها ثانيا أن نبحث عن طرق بديلة بالأخص بعد أن أثبتت الطرق النمطية فشلها والسؤال الأول الذي يطرح نفسه هو ما هي محتويات حاويات القمامة؟
المركب الأول للقمامة هو مواد طبيعية عضوية وهي الناتجة عن مخلفات الطعام مثل قشور وبقايا الخضار والفاكهة واللحوم والبيض وما شابه وهو ما يجذب الحشرات وحيوانات الشارع إلى القمامة بحثاً عن الطعام وهو العامل المسبب للأوبئة وللروائح الكريهة.
أما المركب الثاني فهو كل المواد الصناعية التي تستعمل لتغليف وصيانة المواد الغذائية وغيرها من سلع وبضائع مثل النايلون والبلاستيك بالإضافة إلى غيرهما من خرق وأشلاء، هذه المركبات هي مصدر الغازات السامة التي تطلق إلى الهواء عند الاحتراق. وطبعاً لا ننسى بعض المنتجات التي تحوي المواد الكيماوية السائلة مثل البطاريات وعامة يجب جمعها شكل منفصل وإرسالها إلى مكبات خاصة.
من المهم أن نعلم أن المركبات العضوية/الطبيعية للقمامة غير مضرة للبيئة حيث أنها تتحل خلال فترة قصيرة نسبياً، (قشرة الموز تتحلل خلال شهر واحد) وبظروف هوائية (وجود الأكسجين) تتم هذه العملية بدون روائح كريهة، أما المواد الصناعية فتتحلل ببطء شديد وتبقى لفترات طويلة الأمد (بعض أنواع البلاستك تتحلل خلال ألف سنة وبعضها أكثر). وجود النفايات العضوية والنفايات الصناعية في ركام واحد متراص يقلل من الظروف الهوائية وبهذا تتم عملية تحلل المواد العضوية بطرق غير هوائية وتنتج عنها الروائح الكريهة والغازات الضارة بيئياً.
بالإضافة إلى ذلك من المهم أن نعلم أن تركيبة حاويات النفاية تتغير بحسب مستوى المعيشة، فكلما أرتفع مستوى المعيشة تغير نمط الاستهلاك وأعتمد أكثر على الغذاء المصنع المغلف على الأغلب بغلاف مزدوج وبوجبات فردية، نتيجة لذلك تزداد المركبات الصناعية في سلة الاستهلاك وفي حاوية النفايات، وكلما أنخفض مستوى المعيشة وأزداد الضغط الاقتصادي على العائلة نجد تغيير في نمط الاستهلاك الذي يتوجه أكثر للاعتماد على الطعام الغير مصنع وينعكس ذلك في تركيبة سلة النفايات فترتفع نسبة المواد العضوية/الطبيعية مقابل المواد الصناعية.
إن قضية النفايات هي قضية عالمية وليست فقط قضية قرانا العربية فجال العالم وتطور ووجد الحل! تقليص النفايات في المصدر، وهو أمر قام به أبائنا وأجدادنا فلماذا لا نقوم بذلك أيضاً.
بما إن النسبة الأكبر من النفايات في القرى العربية هي مواد طبيعية عضوية فيمكن بسهولة أعادة هذه المواد إلى الأراضي الزراعية أو إلى الحدائق البيتية أو مع بعض التنسيق مع السلطات المحلية إلى الحدائق العامة أن وجدت، ولا يحتاج الأمر الكثير من الجهد إنما فصل النفايات في المنزل وكل ما ينتج عن الخضار والفاكهة يمكن إعادته إلى الحديقة مما يثري التربة ويعيد إليها جودتها وخصوبتها ولا أشمل في الحديث منتجات اللحوم. النتيجة المباشرة لعملية الفصل هي انعدام الروائح الكريهة من سلة القمامة البيتية، ناهيك عن حاويات القمامة في الأحياء وبما في ذلك ما يرافقها من أفات ومضرات، أما النتيجة الثانوية فهي انخفاض كمية النفايات في الحاويات وانخفاض تكلفة جمعها ونقلها إلى مكبات النفايات العامة.
أما بالنسبة لما تبقى من النفايات، فهي مواد صناعية وان تراكمت فلن تجتذب الحيوانات والحشرات ولن تكون مصدر للأوبئة والآفات ويمكنها الانتظار إلى أن تقوم السلطات بتسديد ديونها أو إلى أن تقوم بعملية تنظيم أخلاء النفايات وتدويرها إن شأت وقد يعود عليها ذلك ببعض الدخل فبعض الشركات اليوم تقوم باستعادة هذه المواد تدويرها أي إعادة تصنيعها واستعمالها كمواد خام من جديد.
وللختام، بالاعتماد على معطيات وزارة البيئة، تكلفة التخلص من النفايات التي تتكبدها السلطات المحلية وتشمل تكلفة جمعها ونقلها إلى المكبات العامة تتراوح بين 850–920 شاقل للطن حيث أن 10-50 شاقل للطن هو تكلفة الطم أما القسم الأكبر فهو تكلفة جمع ونقل هذه النفايات.
معدل إنتاج النفايات في البلاد هو 1.7 كيلوغرام للفرد في اليوم، فعلى سبيل المثال بلدة ذات 5000 نسمة تنتج يومياً 8.5 طن نفايات، ما يقارب 40 % منها هي نفايات عضوية وقد تزداد هذه النسبة في القرى والبلدات العربية. تكلفة نقل وطم القسم العضوي/الطبيعي فقط من هذه النفايات لهذه البلدة يصل إلى 2,975 شاقل يوميا، 89,250 شاقل شهرياً وما يزيد عن المليون شاقل سنوياً!
بناء خطة إستراتيجية محلية تعتمد عملية تربوية توعوية تشجع الاجتهاد العام والعمل المشترك لتقليص النفايات في المصدر، سوف تحرر القرى العربية من نفاياتها وتساعد السلطات المحلية بتقليص عجزها المادي بالرغم من سياسات التمييز والاضطهاد العنصرية، ناهيك عن حل جذري لأزمة النفايات، الحد من معاناة السكان ورفع جودة الحياة في قرانا وبلداتنا العربية، فلماذا لا تبادر القيادات السياسية والمحلية بمواجهة سياسات التمييز والاضطهاد العنصرية بطرق خلاقة وغير نمطية.
© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي – ناشطة اجتماعية حاصلة على اللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية.
05 مايو, 2008
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
