‏إظهار الرسائل ذات التسميات طائفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طائفية. إظهار كافة الرسائل

بين الهويات الطائفية والاجندات الطائفية


مقدمة

أفتتح العام الدراسي 2015-2016 في الداخل بإضراب المدارس الاهلية\الخاصة احتجاجًا على تقليص الميزانيات الحكومية المخصصة لهذة المدارس على مدار ثلاث سنوات بنسبة ما تقارب ال70% من مستحقاتها مقارنة بالمدارس الاهلية\الخاصة الإسرائيلية. وقد اثار اضراب هذة المدارس حفيظة البعض من حيث الإسم الذي تداوله الاعلام الرسمي والاجتماعي في وصف هذة المدارس بالمدارس المسيحية.

للمدارس العربية الاهلية\الخاصة (المسيحية) في البلاد تاريخ طويل، بعضها يعود تاريخها الى الفترة العثمانية وبعضها اقل، وحتى النكبة شاركت هذة المدارس هذا التاريخ مع المدارس الاهلية\الخاصة (المسيحية) في الدول العربية المجاورة، فمدارس الفرنسيسكان على سبيل المثال وجدت في كل من لبنان والاردن وفلسطين ومصر وسورية والعراق.

على مدار سنوات اعتاد فلسطينيي الداخل على الاسم "مدارس اهلية" او "مدارس خاصة" للأشارة الى هذة المدارس، وبالرغم من الاسماء المسيحية البارزة لكل منها: "الكلية الارثودكسية" او "كلية مار الياس"  او "راهبات مار يوسف" او "المعمدانية" او "الاكليريكية" او "راهبات الناصرة" او "راهبات المخلص" او غيرها، وبالرغم من التبعية الكنسية الواضحة لهذة المدارس الا انها لم تكن مركزية في التعامل معها، وخدمت هذة المدارس ابناء المجتمع الفلسطيني من كافة الطوائف وعرفت على مدار السنين كمدارس اهلية وكمدارس خاصة وليس كمدارس مسيحية.

لن اتوسع هنا في المهمة التربوية وفي الدور الاجتماعي الذي لعبته هذة المدارس في حياة المجتمع الفلسطيني في الداخل بعد النكبة، كما ولن ادخل في الادوار والمواقف السياسية لكل من هذة المدارس فهي تختلف فيما بينها، وسأكتفي بالقول انه في حين تقاعست الحكومة عن الإستثمار في المدارس العربية، اخذت المدارس الاهلية على عاتقها مهمة انشاء اجيال مع تحصيل علمي عالي نسبيا يمكنهم من الالتحاق في الجامعات وباتت هذة المدارس تنافس افضل المدارس الإسرائيلية وبعضها ترأس لسنوات قائمة افضل المدارس في إسرائيل.

اضافة الى المدارس الأهلية\الخاصة "المسيحية"، قامت في العقدين الاخيرين مدارس عربية بديلة (مدرسة حوار في حيفا، ومدرسة مسار في الناصرة، ومدرسة اهلية اسلامية في الرملة واخرى في اللد)، وهي ايضًا مدارس اهلية\خاصة الا انها تتبع لجميات اهلية مستقلة ويختلف تاريخها كليًا من حيث حداثته ومن حيث خصوصيته عن السابقة، وتعاني هذة المدارس من قضايا مختلفة عن ما تعانيه الأولى.

من هنا فإن اضراب المدارس (في مرحلته الاولى) اقتصر على المدارس الاهلية "المسيحية\الكنسية"، حيث ان الأجندة الحكومية التي ضربت هذة المدارس هي اجندة عنصرية-طائفية، ضربت المدارس الاهلية "المسيحية" خاصة وليس الاهلية العربية عامة، وخلال هذة الأزمة والاضراب ظهر اسم "المدارس المسيحية" في الإعلام الرسمي التابع لاجندات سياسية  كما وفي الإعلام الإجتماعي المُسيس منه والعفوي، في حين تنوعت التسميات في الإعلام العربي المحلي.

تساؤلات يثيرها الجدل الداخلي حول الحاق الأسم "مسيحية" بما عُرف حتى اليوم بالمدارس الأهلية\الخاصة

الى جانب ارتباط الإسم بشكل مركب ومباشر مع اجندة طائفية تستهدف المجتمع الفلسطيني، إلا ان الجدل الداخلي حول الحاق الاسم "مسيحية" بالمدارس الاهلية  يثير السؤال حول قدرة النضال الوطني والهوية الفلسطينية الشاملة على استيعاب كافة الهويات التي تركب المجتمع الفلسطيني. فهل قضية الاوقاف الاسلامية مثلا (التي انتقلت من ادارة الدولة العثمانية الى ادارة سلطات الانتداب ومن ثم الى ادارة الدولة الصهيونية التي تُهملها ولا تستثمرها في الصالح العام) تتحول الى قضية طائفية لمجرد الحاق الاسم "اسلامية" بها، ام ان التسمية هي جزء من تعريف القضية ومن دلالاتها التاريخية والدينية ولا يفسد الإسم من وطنية القضية التي تعني كافة الفلسطينيين مسيحيين كانوا ام مسلمين؟

هل النضال الوطني باستطاعته احتواء وإستيعاب كافة الهويات الموجودة فيه، ام انه نضال ركيك تهدده هويات الأقليات الطائفية؟ وإن كانت الهوية الفلسطينية مهددة من هويات الأقليات التي تركبها، فربما من الاجدر بنا مسائلة الهوية الفلسطينية ومسائلة النضال الفلسطيني الجامع وعدم الهروب من هذة المسائلة الى الغاء الهويات الطائفية للأقليات، فإسقاط الطائفية السياسية على الهويات الطائفية المسيحية او الدرزية او غيرها (كأنها حتما اجندة سياسية نقيضة للوطنية القومية) ما هي الا بمثابة تخوين وتكفير سياسي وطني قومي.

من مظاهرة المدارس الاهلية امام المكاتب الحكومية في القدس
ومن الواضح ان الطائفية والهويات الطائفية تهدد الهوية الفلسطينية وتهدد النضال الفلسطيني القومي الجامع، والا فلم يكن هذا الجدل ليُثار، فإزاء ذلك هل نقوم بالغاء هذة الهويات وقمعها للحفاظ على الهوية الجامعة، ام نقوم بتعزيز الهوية الجامعة وتقويتها لتستطيع احتواء جميع الهويات دون ان تكون مهددة منها؟

هل يجب ان نصل الى وضع نقول فيه "انا فلسطيني مسيحي وافتخر" على غرار "انا عراقي مسيحي وافتخر" او "انا سوري مسيحي وافتخر"، ام انه من المفهوم ضمنا وجود مسيحيين عرب وهويتهم الطائفية ليست حتما اجندة سياسية طائفية وليست تهديد على شمولية القضية الوطنية؟

وللنهاية لا بد ان اقول انه منذ صغرنا ربينا على مقولة: الدين لله والوطن للجميع، واتسأل اليوم منذ متى صار الدين نقيض الوطن والوطنية؟! اليس هذا بذاته تذويت للطائفية؟! الهوية الجماعية العامة والشاملة مهمة جدا لكن من الأصح ان تتعايش هذة الهوية مع باقي هويات افرادها المختلفة وليس ان تمحيها وتضطهدها او تقمعها لتوحد صفوفها فتمحي معها التنوع الثقافي والحضاري للجماعة وللمنطقة. الإنتماء الطائفي ليس بالضرورة طائفية سياسية، وان  اساءت "الوطنية السياسية" التعامل معه سيكون مصيرنا السياسي طائفي حتمًا.

الهويات مركبة وليست احادية سطحية، وهي داخليه تنبع من داخل المجتمع ونعتز بكل الهويات والطوائف الموجودة فيه، ام الأجندات السياسية الطائفية فهي اجندات خارجية تسقط علينا من الخارج وتعمل بمبداء فرق تسد. فهل نواجه الموضوع من خلال الغاء التنوع الطائفي الموجود وكبته، ومن خلال قمع الأفراد تكفيرهم تخونيهم وترهيبهم (ان رفعوا علم اصفر ابيض)، ام من خلال التعامل مع كل طائفة كمركب عضوي في المجتمع يستطيع المجتمع باشمله استيعابها واحتوائها؟ هل ممكن بناء تضامن اجتماعي ولُحمة اجتماعية وطنية شاملة بين افراد من ديانات مختلفة ام ان ذلك مستحيل فنلجاء الى اخماد هذة الهويات والتغاضي عنها وكبتها لانها تهدد سلامة المجتمع وسلامة الوحدة الوطنية؟!

ولا يوجد لدي جواب واحد، فنعم التعامل مع هذة المدارس كمدارس مسيحية هو جزء من اجندة سياسية طائفية، وعلى الأغلب ان يكون هذا هو الجواب الصهيوني لمواقف الفاتيكان المتقدمة حيال القضية الفلسطينية، لكن الهوية المسيحية هي جزء من الهوية الوطنية ورفض هذة الهوية وكبتها والتعامل معها كأنها اساءة وطنية ما هو الا طعن في النضال الوطني لإضعافه وتحويله الى نضال طائفي فئوي، وإن كفلسطينيين هددتنا الهوية المسيحية العربية باعلامها البيضاء والصفراء فالأفصل بنا مراجعة الهوية الفلسطينية. 

قراءة مرحلية في الإنتخابات المحلية في الناصرة

نشر في العدد الواحد والعشرون لمجلة جدل ويبحث موضوع انتخابات الناصرة الاخيرة، تجدونه هنا.

اطرح من خلاله اطار سياسي مرحلي لقرائة الانتخابات في الناصرة وادعي انه خسارة الجبهة والحزب الشيوعي للانتخابات في الناصرة هي وليدة مرحلة سياسية نيوليبرالية تمر على الناصرة كما على المنطقة عامة منذ اواسط التسعينات وصدفة تزامنت مع وفاة القائد الشيوعي توفيق زياد. اخفقت الجبهة خلالها التعامل معها ايديولوجيا وبرغماتيا مما ادى في نهاية المطاف الى خسارتها للانتخابات، وما كان لباقي الاحزاب الا حصد ثمار هذا الاخفاق. ففوز قوائم مدعومة من قبل رؤوس المال بالاضافة الى تصاعد في خطاب سياسات الهوية: الجندرية، الطبقية والطائفية، هم من ميزات النيوليبرالية وليسو حصريين على الناصرة ونلحظهم في مناطق ومدن اخرى في العالم تمر هي ايضا بمراحل سياسية نيوليبرالية.

العدد الكامل لمجلة جدل تجدونه هنا.

حركة الكشاف وفلسفات وطنية

شو عدا ما بدا 


يأتي هذا المقال على خلفية الانتقادات التي توجه للفرق الكشفية العربية في الداخل اي في اسرائيل، وتقتصر هذة الانتقادات على قضية رفع العلم الأسرائيلي في المسيرات الاحتفالية لكنها تتطور الى سخرية من هذة الفرق من ملابسها ومبادئها والى رغبة وطنية "بنسف" هذة الحركة اي اغلاقها والغاء وجودها وهذا لسببين الاول كونها تلبس الملابس الكاكية مما يذكر "شبابنا الوطني الناقض" بالجيش وثانيًا والاهم لكونها ترفع العلم الاسرائيلي في مسيراتها الرسمية وهذة هي "القشة التي كسرت ظهر الجمل".


الدفعة النوعية وربما كانت نقطة البداية لهذا الخطاب المتحامل كانت عام (2011)، حيث تزامنت مسيرة سيدة الكرمل، اي طلعة العذراء الحيفاوية وهي مراسيم دينية احتفالية شعبية تقام خلال فترة وجيزة بعد الفصح، مع يوم الذكرى للجيش الاسرائيلي فمنعت الشرطة الاسرائيلية المسيرة وتم تأجيلها بأسبوع واحد تزامن مع يوم النكبة (15\5\2011) مما أثار حفيظة "الشباب الوطني" فانهال على الحدث من كل جنب وصوب.

ومما يثير الأنتباه أن الفرق الكشفية في الناصرة وحيفا وقرى الجليل وهي من يقف خلف الروح الشعبية للأحتفالات الدينية وهي من يخرج هذة الاحتفالات من داخل الكنائس الى الشوارع وتقوم بذلك عدة مرات بالسنة وابرزها الاحتفالات الميلادية واحتفالات الشعانين في حيفا والناصرة وكافة قرى الجليل، بالإضافة الى طلعة العذراء في حيفا ومسيرة العذراء في الناصرة في شهر أب. إلا ان الأبواق الوطنية المتحاملة على الحركة الكشفية لا تُسمع الا تزامنا مع احتفالية مسيرة العذراء في حيفا ومن هنا لا بد وأن نفترض أن لذلك علاقة وثيقة بما حدث في العام 2011 و"بالهبة الوطنية" للزميل فراس خوري ومن حذا حذوه.

واتفق مع الزميل فراس خوري بأن الحركة الكشفية هي حركة جداً محافظة، تلتزم بقوانين ومبادئ قد تبدو لنا خارج "موضة" الحياة اليوم. وأتفق معه بأن هذة المسيرات وغيرها ايضا من برامج جماهيرية قد تجمع فيما قد تجمع بين شباب وصبايا بهدف اللقاء وليس بدافع الأيمان، وكعلمانية لا أرى علة في ذلك، اما ما تلبس هذة الفتيات وكيف تتصرف وكيف يتصرف الشباب فليس لي شأن بهذا. لكن شتان بين هذا وبين "نسف" الحركة الكشفية (بالكلمات التي تستعمل اليوم) او وجوب اغلاقها او الغاء وجودها.


حركة الكشاف العربي


اولاً لا بد من التوضيح ان الحركة الكشفية هي حركة عالمية تأسست في بداية القرن العشرين وجذورها بريطانية. وبحسب المعلومات المدونة في الموسوعة الشعبية فيكيبيديا، بدأت الحركة الكشفية في العالم العربي في كل من لبنان وسوريا عام 1912 ثم في فلسطين ومصر والعراق. وفي العام 1938 دعت كشافة سوريا قيادات الحركة الكشفيــة العربيـــة إلى الاشتراك فـى مخيم أقيــم فــــى بلودان بسوريـــا بغرض لم شمل الشباب العرب وجمع كلمته وتوثيق الصلـــة بيــــن أكبر عدد ممكن من الكشافين إيماناً بأن العرب أمة واحدة، وقد حضر إلــى هذا المخيـم قيادات من لبنان وسوريا وفلسطين ومصر والعراق. وفي سنوات الخمسين تأزمت العلاقات بين الحركة الكشفية العربية وبين الحركة الكشفية العالمية على خلفية العلاقات مع اسرائيل.

من هنا فإن الفرق الكشفية العربية في الناصرة وحيفا والجليل هي امتداد لهذة الحركة العربية وليست نتاج لمشروع اسرائيلي او صهيوني كما يُخيل لشباب اليوم. والتمعن الثقافي في التعاليم والأناشيد الكشفية لهذة الفرق، لا يدع مجال للشك في عروبة ووطنية هذا التراث الذي زُج به بعد النكبة، كما زُج بنا جميعًا، الى حيز المفاوضة والمساومة على وجوده وعلى علاقته القسرية والمفروضة عليه مع منظمة الكشاف الاسرائيلي ومع الدولة.

نكبة وأبعاد طائفية


اولاً لا بد من التنويه انه بغياب المؤسسات الشبابية العربية في سنوات ما بعد النكبة، كان للكشاف العربي في الداخل دور هام في تعبئة هذا الفراغ التربوي والأجتماعي والسياسي. ورغم ان مبداء اساسي من مبادئ الكشاف هي الترفع عن الامور السياسية وعدم تداولها، الا اننا في ظل نقاش تعريف ما هو السياسي يمكننا القول ان السياسة العامة والوحيدة للكشاف أقتصرت على حب الطبيعة والناس والاخلاص لله والوطن. هل هذا يعني ان "الوطن" اللذي كان في سنوات الثلاثين والاربعين "فلسطين" و"الوطن العربي" أصبح في سنوات الخمسين والستين "إسرائيل"؟! لا بد أن نكون فائقي السذاجة لنعتقد ذلك.

طبعاً لا أدعي ان الكشاف اليوم يجلس على قمة الوطنية، فهو كغيره من المؤسسات العربية يخضع لضغوطات سياسية خارجية من كافة الجهات ويناضل ليجد طريقه وليحفظ استمرارية وجوده حتى وان اضطر لدفع فاتورة ذلك. والسؤال: هل يمكن للكشاف العربي الفلسطيني في اسرائيل أن ينفصل عن منظمة الكشاف الأسرائيلية وان يصيغ وجوده كحركة كشفية مستقلة؟ هو موازي للسؤال: هل ممكن للفلسطينيين في الداخل على كافة مؤسساتهم التربوية والدينية وغيرها الأنفصال عن الدولة وصياغة وجودهم بشكل مستقل عنها؟ 

الابعاد الطائفية 


لأسباب أجهلها، وربما لها علاقة بتطور الحركة الكشفية في الداخل بعد النكبة، ولا أدري أن كان الأمر كذلك في الدول العربية، ترتبط الفرق الكشفية في الداخل بشكل وثيق مع الطوائف الدينية. فلكل كنيسة فرقتها الكشفية وللطائفة الاسلامية فرقتها الكشفية أيضًا. وتحصل هذة الفرق على الدعم من الكنائس التي تزودها بمقرات تشمل غرف لقاء وساحات وملاعب رياضية بينما تقوم هذة الفرق بفعل وجودها بتوطيد العلاقة بين الكنائس ورجال الدين وبين رعاياها[1]. وربما من بقايا التراث العربي الكشفي غير الطائفي هي فرقة كشاف الصداقة (المختلطة) في الناصرة، وهي لا تتبع اي من الطوائف لكنها حصلت على الدعم (اي مقر للكشاف) من قبل طائفة الروم الكاثوليك. وبشكل مشابه أعتمدت على سبيل المثال فرقة الكشاف الاسلامي في الناصرة على مقر في وقف الجامع الأبيض وقد توقف عمل هذة الفرقة منذ سنوات لأسباب ادارية لن أتطرق لها هنا.

من هنا فإن المشهد الحالي والنشاط العام للفرق الكشفية في الداخل هو مشهد ونشاط شبابي شعبي مسيحي مرتبط بعلاقة وثيقة مع الكنائس التي توطد من خلاله علاقتها بين الشعبوية العلماني وبين الشعائر الدينية الروحية لرجال الدين وللكنيسة.

إضافة لذلك في ظل غياب إطار لحراك ونشاط شبابي عربي بحت، مستقل نوعاً ما عن مؤسسات الدولة، فلا يمكن تجاهل أن 25,000 من سكان الناصرة المسيحيين على سبيل المثال وهم 30% من مجمل السكان في البلد لهم 6-7 فرق كشفية تستقطب اسبوعيًا أطفال وشباب بنشاطات كشفية لا منهجية، بينما 50,000 من السكان المسلمين وهم 70% من سكان البلد يفتقدون هذة الأطر الشبابية وفي أفضل الأوقات كانت هناك فرقة كشفية اسلامية واحدة محدودة نسبيًا من حيث عدد الافراد التي تمكنت من استيعابهم. وهنا لا يمكن تجاهل أن املاك الطائفة الاسلامية اي "الوقف الاسلامي" الذي تواجد في الفترة العثمانية في عهدة الدولة العثمانية المسلمة انتقل مع قيام دولة اسرائيل الى سيطرة الدولة الصهيونية وهذا ادى الى تجريد الطائفة الاسلامية في الداخل من مواردها ومن املاكها وحد من قدرتها على النهوض الاجتماعي برعاياها من خلال رجال الدين والمساجد وباتت رهينة الدولة ورهينة أهوائها السياسية.

وفي ظل الاجواء الطائفية التي يعيشها العالم العربي عامة والمجتمع  العربي في الداخل، لا بد من الوقوف على ان هذة الحالة وهذا الإرتباط الوثيق بين الكشاف والطوائف الدينية له ابعاد اجتماعية واسقاطات على الفجوة الشاسعة والمتنامية بين الفئتين، المسيحية والمسلمة في اسرائيل. اضافة لذلك حتى ولو أني حاولت جاهدة لكن لم يمكنني تجاهل الهوية الطائفية للمتحاملين والمزاودين "الوطنيين" على الفرق الكشفية، وبغالبيتهم مسيحيين بينما يلتزم المسلمون بخط متروي ومتزن أكثر. وهذا يثير لدي التساؤلات واهمها ايشعر هؤلاء "المسيحيين الوطنيين" بحاجة معينة لأثبات وطنيتهم وأثبات نزاهتهم ونظافة اياديهم في الحراك السياسي الوطني؟ أيعتمد هذا التحامل والجلد الذاتي على شعور بالدنيوية السياسية والوطنية؟ وان كان الأمر كذلك فمن أين ينبع هذا الشعور وما الذي يدفع المسيحي العربي[2] الوطني الى الشعور بالنقص وطنياً؟ (شو في حدا قاعد يخون فيك ليل نهار تنك بحاجة انك تثبت حالك وتجلد حالك سياسيًا ووطنيًا؟) وطبعاً هذة التساؤلات لا بد ايضًا أن تشغل بال الوطنيين كافة مسلمون ومسيحيون ومن الأفضل أن تقلقهم وأن يقلقهم ما آلت اليه الحركة الوطنية.

ملاحظات اضافية


بالأضافة للفرق الكشفية التي تتبع الطوائف الدينية، هناك "كشاف المدارس"، لكن باعتقادي انه هذا التيار الكشفي اقيم في إطار وزارة التربية الاسرائيلية ومن خلال اذرعها وهو يختلف نوعياً من حيث الملابس والأناشيد والنظم والتعاليم عن الفرق الكشفية الاسلامية والمسيحية. وربما كانت هذة ايضًا محاولة صهيونية لإستبدال فرق الكشاف العربي وثقافته العربية بفرق وثقافة كشفية إسرائيلية. لكنني حقيقة أجهل هذة الفِرق واجهل تاريخها فلتؤخذ هذة الملاحظة بتروي وبتحفظ. 

من الأناشيد الكشفية التي يتعلمها اعضاء الكشاف الكاثوليكي في اسرائيل: "نحن الشباب"، و"كشاف هيا" وهي أناشيد تنشدها الفرق الكشفية العربية في سائر الدول العربية إضافة الى نشيد "موطني موطني". وإن دل هذا على شيئ فهو على انه: وإن امتنعت هذة الفرق عن التداول المباشر في الأمور السياسية الى أن تراثها الكشفي العربي له دور كبير في خلق شعور الإنتماء والتواصل مع جماعة عربية مُتخيلة تمتد اواصرها خارج إطار الزمن (السنوات العشر لجيل الطفولة والشباب) وخارج المكان (اسرائيل وحدودها القسرية) وخارج المرحلة الحالية (مرحلة الصهيونية والنكبة). 

وطبعاً لا تخلو حياة الفرق الكشفية العربية في اسرائيل من التناقضات والصراعات الداخلية كما لا تخلو حياتنا جميعًا منها فجميعنا يحمل العلم الأزرق والأبيض على كافة اوراقه الرسمية، وبهذا فهي حركة كشفية منكوبة كما هو المجتمع الفلسطيني في الداخل كله مجتمع منكوب، وفي ظل التناقضات هذة نعتاد ببلادة على شيزوفرينيا الموقف. وليس هذا دفاعًا عن رفع العلم الأزرق والأبيض، لكنني لا أعتقد بأن هذا مبررًا كافيًا للتحامل على الكشاف بهذا الشكل، بل العكس هو الصحيح فإن هذة المؤسسة هي جزء من مؤسسات عربية محلية يجب أن نفتخر بوجودها وبصمودها بالرغم من كل الظروف.

----

فرقة كشاف اللاتين حيفا في طلعة العذراء (2012)



قائد في فرقة كشفية حيفاوية في طلعة العذراء في حيفا (2012)


 طلعة العذراء في حيفا، تقليد عمره أكثر من 80 عام 


واذا لم يكن هذا مشهدًا وطنيًا من الدرجة الاولى فماذا هو؟!!!



وكل ما تبقى لنا الأن هو أن نقوم بنسف فرق الكشاف والحركة الكشفية،
فما عجزت عن "نسفه" أسرائيل نقوم نحن بنسفه عوضًا عنها.




كلمة توفيق زياد في اختام مسيرة عيد الاضحى في الناصرة (1991)



بس للأسف من قلة الفلسفة بتيجي الفلسفات الوطنية!!




[1]  حتى نهاية سنوات التسعين أقتصرت الميزانية الفعلية لهذة الفرق على رسوم الاشتراك. كافة الاعضاء والمرشدين الكشفيين عملوا بشكل تطوعي بدون مقابل. في سنوات الالفين بدات الدولة بتخصيص ميزانية معينة لمرشدين يحصلوا على اجر او راتب رمزي مقابل عملهن في الحركة الكشفية وبأعتقادي ان بهذة الخطوة محاولة من قبل الدولة لأحتواء الحركة الكشفية العربية وضمها الى "حضن الدولة" وبأعتقادي يجب التصدي لهذة الخطوة وضحدها.
[2] "المسيحي العربي" كهوية ثقافية وليس دينية وتشمل ايضا العلمانيين والملحدين الذين ينتمون ثقافيا الى اقلية مسيحية عربية لها تاريخها الثقافي والاجتماعي والسياسي الخاص في الدول العربية.