‏إظهار الرسائل ذات التسميات تحرر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تحرر. إظهار كافة الرسائل

نزع الإنسانية المزدوج في الخطاب والممارسة الصهيونية

نزع الإنسانية المزدوج في الخطاب والممارسة الصهيونية
Dual dehumanization in Zionist discourse and practice
דה-הומניזציה דואלית בשיח ובפרקטיקה הציונית

‏04‏/07‏/2026

مراجعة كتاب

صدر في نيسان/أبريل الماضي عن دار نشر برديس في حيفا، كتاب إيّلم للكاتبة الإسرائيلية عماليا ساعر، ويتمحور الكتاب حول السؤال "ما الذي يمنع الإسرائيليين من الاعتراف بعنف إسرائيل ومعارضته؟"

إيّلِم (אֶלֶם) باللغة العبرية تعني الصمت النابع عن صدمة. وقد استقبل القارئ العربي الكتاب بصمت نسبي، تمامًا كالصمت الذي تُحدِثه الصدمة، وأحيانًا بغضب. فهو، بحق، كتاب صادم للقارئ العربي، ولا سيما القارئ الفلسطيني المتمكن من اللغة العبرية، ومن اللغة الأكاديمية التي تلجأ إليها الكاتبة أحيانًا مع تبسيط نسبي يتلائم مع معارف القارئ العام.

جمهور الهدف لهذا الكتاب هو القارئ "الإسرائيلي التواق للحياة" ("האנשים חפצי החיים") ويشمل ذلك، وفقًا لساعر، طيفًا واسعًا من الإسرائيليين الممتد بين اليمين المعتدل والوسط واليسار الصهيوني. لذلك، عند قراءة هذا الكتاب، على القارئ العربي أن يضع في اعتباره هذا التوجيه الأساسي وطبيعة جمهور الهدف الذي تحاول الكاتبة مخاطبته، وأن يقرأ الكتاب من هذا المنظور. وقد يخطئ القارئ العربي، لا سيما الفلسطيني، إن قرأ هذا النص بوصفه نصًا حواريًا متكافئَا؛ فالكتاب في جوهره، بعيد عن الطرح الفلسطيني، وهذا، بلا أدنى شك، يثير لدى القارئ الفلسطيني إحساس بوجود فجوة عميقة يصعب تجسيرها، وربما خيبة أمل، خاصة وأن الكاتبة معروفة في صفوف اليسار الإسرائيلي النسوي الملتزم بشراكة عربية-يهودية وتعرّف نفسها بوصفها "راديكالية لا صهيونية".

مع ذلك، لا يعني هذا استبعاد إمكانية محاورة الكتاب، بل على العكس، فإن فعل المكاشفة الداخلية الذي يقوم عليه هذا الكتاب يفتح مجالًا لمكاشفة موازية من قبل القارئ الفلسطيني تجاه اليسار الإسرائيلي، ولا سيما ذلك اليسار المنادي بالشراكة العربية-اليهودية. غير أن هذه المكاشفة تظل تحليلية في جوهرها لا خطابية، وعليها أن تقوم على قراءة فاحصة تتجاوز منطق الندية، فالنص لا يُقدَّم بوصفه جزءًا من جدل أكاديمي مفتوح أو خطاب سياسي نديّ، بل بوصفه ممارسة حوارية داخلية لكشف الذات اليهودية الإسرائيلية داخل الفضاء الإسرائيلي، تُعرض بسخاء على جمهور قراء العبرية، بمن فيهم من هم خارج دائرة هذه المكاشفة.

بكلمات أخرى، على القارئ الفلسطيني أن يقرأ هذا الكتاب كمن سُمح له باستراق النظر عبر نافذة خفية إلى صالون البيت اليهودي-الإسرائيلي. غير أن هذه الإتاحة السخية ليست دعوة إلى الدخول أو المشاركة، بل إلى المعاينة من الخارج فقط. إنها دعوة لمعاينة الإنساني داخل هذا الفضاء. بهذا، تطرح الكاتبة أمام القارئ الفلسطيني تحديًا مركبًا وطموحًا جدًا، إذ إنه يدعو القارئ الفلسطيني إلى رؤية الإنساني في من ينتزع إنسانيته ومن يساهم يوميًا في إبادته. على الرغم من ذلك، أرى قيمة حقيقية لمن يستطيع أن يكبح عواطفه وأعصابه التي قد يثيرها الكتاب، وأن يُمعن في قراءته.       

في ملخص الكتاب المنشور على صفحة الكاتبة باللغة الإنجليزية، تقول ساعر إنها من خلال هذا الكتاب تحثّ الإسرائيليين التوّاقين للحياة على التخلي عن نظرتهم الثنائية للجناة والضحايا، وعلى الاعتراف بالعنف الذي يمارسونه بأنفسهم وتحمل مسؤوليته. كما وتدعوهم أيضًا إلى رؤية الفلسطينيين كبشر ذوي طبيعة معقدة، من منطلق أن إغفال ذلك يعني التنازل عن شيء ما في إنسانيتهم هم.

في الواقع، من خلال القراءة العميقة لهذه الدعوة، يمكن الوقوف على الفرضية الأساسية التي تنطلق منها الكاتبة، وهي أن عملية نزع إنسانية الآخر مرتبطة، لا محالة، بعملية نزع إنسانية الذات. ويتضح هذا بشكل جلي من خلال صفحات الكتاب، حيث تتنصل الكاتبة من نزعة الرومانسية، وتدعو القارئ الإسرائيلي، بشكل صريح وجلي ومباشر، إلى العودة إلى إنسانيته بدافع أناني للخلاص الذاتي، وليس بدافع الإيثار تجاه الفلسطيني.

وهنا تكمن أهمية الكتاب في رأيي، ففي دعوة الإسرائيليين إلى النظر إلى ذواتهم كبشر ذات طبيعة معقدة، والتخلي عن فكرة الضحية السرمدية وعن ثنائية الضحايا والجناة، تكمن فرضية صريحة وادعاء ضمني ذو شقين، مفاده أولًا، أن الإسرائيليين أنفسهم يواجهون عملية نزع للإنسانية من خلال ذات الخطاب الذي ينتزع إنسانية الفلسطيني. أما الشق الثاني لهذا الادعاء الضمني فمفاده هو: كي تَنتَزع إنسانية شخص آخر، لا بد أنه قد تم انتزاع إنسانيتك اولًا.

في كتابها لا تفسّر ساعر كيف تحدث عملية نزع إنسانية الفلسطيني، ولا تُحيل إلى الاستعمار والخطاب الصهيوني بوصفهما مُولّدين لهذه العملية. وبرأيي، تمثّل هذه نقطة ضعف الكتاب، وربما إخفاقه الأكبر. مع ذلك، يمكن احتواء هذا القصور إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الكتاب لا يُطرح بوصفه كتابًا علميًا، وإنما بوصفه حوارًا داخليًا.

إلى جانب ذلك، تشير ساعر، بشجاعة وجرأة، إلى الآلية الثقافية المركّبة التي تنتج مُحَرّمًا اجتماعيًا (Taboo) يعيق الإسرائيليين ويمنعهم من الحديث عن حرب الإبادة في غزة، وكذلك من تحمّل المسؤولية تجاه عملية نزع إنسانية الفلسطيني عمومًا. وترى ساعر أن هذه الآلية تدمج بين ثقافة الرأسمالية المتأخرة، التي تعظّم العواطف ومراعاة مشاعر الآخرين في الخطاب العام، والتي تهيمن، بمفارقة صارخة، على ثقافة الشارع الإسرائيلي؛ وبين ثقافة العائلية اليهودية في إسرائيل (משפחתיזם) التي ترى في كافة الجنود والضحايا أبناء وبنات لكافة الإسرائيليين؛ وهذا إلى جانب، ثقافة الضحية السرمدية، القلقة دومًا من تكرار التاريخ وما آل إليه من فواجع للجالية اليهودية الأوروبية.

الكتاب ليس سهلًا على القارئ العربي، ولا سيما ذلك القارئ الملمّ بالمعاني العميقة للمصطلحات والمفاهيم التي تعتمدها الكاتبة، وبالسياسات العميقة الكامنة خلف بعضها. فمصطلحات أولية مثل "صراع" (وليس "استعمار") و"تحويل" ("transformation") (وليس "انهاء") تعكس بوضوح طبيعة الفجوة القائمة بين الخطاب الفلسطيني والخطاب الإسرائيلي وبضمنه الخطاب اليساري الليبرالي.

بالإضافة إلى هذه المصطلحات الأولية، هناك محاولة غير ناجحة في رأيي، بل ومرفوضة، لتفسير تصرف الجنود خلال حرب الإبادة بوصفه تصرفًا نابعًا من "عتبية" (Liminality) القتال في الحرب. إذ لا يمكن تفسير حرب إبادة راح ضحيتها ما يزيد على سبعين ألف إنسان، ونتج عنها عشرات آلاف الأيتام والأطفال مبتوري الأطراف، إلى جانب تدمير كامل لبقعة من الأرض يمتد تاريخها إلى ما لا يقل عن خمسة آلاف سنة، بوصفها حالة "عتبية" أفرزت ما أفرزته بسبب عتبيتها؛ هذا ادعاء مرفوض من أساسه.

وقد يكون هذا الإخفاق ناتجًا عن "العائلية" التي أشارت إليها ساعر في الكتاب، وعن إحساس شخصي بالعائلية تجاه الجنود، أو على الأقل تجاه بعضهم. وعلى الرغم من طرحها المفصل لهذه الآلية في الكتاب وفي مقالات أخرى، يبدو أن ذلك لم يكن كافيًا لمنعها من الوقوع في شرك هذه الآلية الثقافية. وقد يعود ذلك إلى طبيعة الجمهور المُخاطَب، وإلى طبيعة الحوار، وربما أيضًا إلى الظرف الذي نعيشه، وبحكم انتمائها إلى المجتمع الذي تكتب عنه. 

بالإضافة، يكشف الكتاب امام القارئ الفلسطيني مواضيع أخرى عديدة مهمة في عملية مكاشفة اليسار الإسرائيلي، من ضمنها مفهوم الصهيونية كهوية قومية موازية للهوية الفلسطينية في قوميتها وليس كمذهب فكري وكهوية أيديولوجية، وهذا بذاته، حسب رأيي، مهم بما يكفي لدفع القارئ العربي إلى قراءة الكتاب، على أن تكون هذه قراءة فاحصة متمعنة أولًا تشكل الأساس لندّية الخطاب لاحقًا. كذلك، رغم الإشكاليات العديدة الكامنة في الطرح، لا يمكننا التغاضي عن كون الكتاب محاولة جريئة وصادقة لحثّ اليهود الإسرائيليين على الخروج من جمودهم الأخلاقي والسياسي. كما ولا يمكننا التغاضي عن الفصل الثالث في هذا الكتاب، وهو برأيي أفضل ما كُتب عن الفلسطينيين لهذا الجمهور منذ سنوات.




_______________

* واجب الإفصاح: بروفيسور عماليا ساعر هي المشرفة الأكاديمية على دراستي لنيل شهادة الدكتوراة في قسم دراسات الإناسة في جامعة حيفا. في أعقاب نشر الكتاب، أجريت مع ساعر حوارًا مطولًا عبر المراسلة حول الكتاب، إشكالياته وأوجه قصوره. في آذار/مارس 2024، علّقتُ دراستي في جامعة حيفا كردّ على ما صدر عن المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية آنذاك ولا تزال دراستي معلقة حتى اليوم، إلى جانب أسباب إضافية. وعلى الرغم من ذلك، حافظت على تواصل دائم مع ساعر، تضمن ذلك محاولات جدية لاستئناف الدراسة رغم الصعوبات.  

في مواجهة الهشاشة البيضاء (White Fragility)

تكتب نجلاء عثامنة عن مواجهة الهشاشة البيضاء في الحقل العلاجي وفي غرفة العلاج. لا تستعمل نجلاء في مقالتها هذه هذا المصطلح، ولا اعلم إن كان المصطلح معتمد في علم النفس، إلا أنني اجده ملائم جدًا لما وصِف في المقال.

يشير مصطلح "الهشاشة البيضاء"، وينسب هذا الى روبين ديانجيلو (2011)، الى شعور التهديد والانزعاج لدى البيض عند طرح المسائل العرقية والعنصرية. فعلى سبيل المثال، تخلق "الهشاشة البيضاء" في المدارس أو في الكليات والجامعات بيئة تعليمية معادية للطلاب السود، ويشعر هؤلاء بتهميش تجاربهم ووجهات نظرهم حين يتجنب الأساتذة عامة الخوض في مواضيع العرق والعنصرية ويعتبرونها خارجة عن المادة الدراسية.

الى جانب التجاهل والاقصاء الذي يثير الشعور بالاغتراب والنفور لدى الطلاب السود، قد تتجلى "الهشاشة البيضاء" أيضًا بردود فعل دفاعية-عدائية تثير الشعور بالذنب (الابتزاز العاطفي) لدى الطلاب السود بناء على ما سببوه من "إزعاج" و"ضيق" للزملاء البيض. بالتالي، بدلا من مسائلة العنصرية البيضاء تعمل "الهشاشة البيضاء" على تحويل المسؤولية نحو السود فيجد الطالب الأسود نفسه مطالبا بالإذعان للهشاشة البيضاء وتفهم ما يتوقع منه البيض تفهمه، في حين يستمر هؤلاء بتجاهل آليات القمع والعنصرية وتجاهل انخراطهم فيها وتواطؤهم معها.

العنصرية الكامنة في الإذعان للهشاشة البيضاء، بحسب رأيي، هي من أشد حالات العنصرية، اذا انها تتجاهل البنى العنصرية والقمعية القائمة وفي ذات الوقت تلقي بالمسؤولية على الأفراد المقموعين، فتزيد عليهم الصاع صاعين. وهذا ما حدث حسب رأيي في اذعان بعض النسويات الفلسطينيات للهشاشة النسوية البيضاء، حين وجدن أنفسهن مضطرات وربما مطالبات بالدفاع عن "نسويتهم التي لا تتجزأ". هذا الدفاع المنحاز الى الهشاشة البيضاء - النابع أولا من الرغبة في الحفاظ على ماء الوجه، وثانيا، ربما من القلق على المشاعر المرهفة للنسوية البيضاء التي تقوم أساسا على الابتزاز العاطفي - حوّلَ النسويات الفلسطينيات من مقموعات الى قامعات، من نساء ينتمين الى جماعة مُضطهَدة الى نساء عليهن تبرير نسويتهن والتأكيد على اخلاقياتهن أولا وقبل أي شيء، لأنهن، شئنا أم أبينا، هن المُسائَلات وليس العكس.

في مقالتها تشير عثامنة الى المعرفة الكامنة في الجسد، الجسد المش مرتاح بالقعدة لا على الصوفة ولا على الكرسي، الجسد العارف والرافض للممارسة القمعية التي تختار الكاتبة في النهاية الابتعاد عنها تماما والخروج من الإطار الذي حول مساحة التحرر الى مساحة قمع واتهام ومسائلة ونزع للإنسانية.

وكما تشير عثامنة، ما حدث معها ليس حالة خاصة كما وانه ليس شأنا حصريا لحقل واحد، بل كثيرة هي "مساحات التحرر" التي تعمل بفعل الهشاشة البيضاء كمساحات لانتزاع الإنسانية. منها على سبيل المثال ما يحدث في الجامعات الإسرائيلية من تضييق وملاحقة للطلاب العرب، حيث تتجلى الهشاشة البيضاء والعنصرية الكامنة فيها على مستوى المؤسسات وليس فقط الافراد.
مقال مهم، انصح بقراءته، يعتمد على الإثنوغرافية الذاتية، أي على تحويل التجربة الذاتية الى موقع لإنتاج المعرفة.

شكرا نجلاء على هذه المشاركة الكاشفة التي تتيح المجال للحوار حول "مساحات التحرر" المتهاوية أمام الهشاشة البيضاء.
_______________
بأعقاب النشر بالـ "فيسبوك" تلقيت التعليق التالي:

شوقتيني لقراءة المقال ومما اشرت اليه من تلخيص لمضمون المقال استحضرت بذاكرتي تجارب شخصية طبق الاصل لما ذكرت.

الرد على التعليق:

فعلا مقال يستحق القراءة، وباعتقادي عندما نبدأ بالحديث عن الموضوع سنكتشف أن الكثير منا مارقات تجارب مشابهة، لكن بغياب الكلمات الملائمة للتعبير عن شيء ما، يصعب الحديث عنه. والمقال مهم حسب رأيي لهذا السبب، لأنه يحاول تأطير الظاهرة والتعبير عنها بكلمات مما يحولها الى أمر واقعي ملموس ممكن الحديث عنه وليس مجرد "أمر شخصي" و"مشاعر فياضة" و"حساسية زيادة عن اللزوم" لعنصرية الآخر.

على الصعيد الشخصي مصطلح "الهشاشة البيضاء" مرافقني من سنوات وقد كان لي بمثابة مِرسَاة ساعدتني على فهم جزء من تجاربي كطالبة فلسطينية في جامعة إسرائيلية. لحد اليوم ما قدرت اكتب عن هذه التجارب بشكل واضح ومتسلسل ومفهوم مثل ما كتبت نجلاء، لكن لما قرأت المقال كان واضح الي الارتباط المباشر مع الهشاشة البيضاء.

باعتقادي، صعوبة الكتابة في هذا الموضوع والتعبير عنه بوضوح نابعة من الاعتداء الكامن فيه على كافة ابعاده. وقد نستشعر صعوبة الكتابة هذه بالحذر والتمهيد والتعاطي المهني والموزون مع التفاصيل التي رافقت ما قدمته عثامنة من سرد للتجربة الشخصية. فغياب الكلمات (المتعارف عليها والمتداولة) والتواصيف الملائمة والاعتراف العلني بوجود هذا الشكل من الاعتداء، يجعل منه اعتداء شفاف مسكوت عنه مغلف بتابوهات مشابهة بآلياتها لتلك التابوهات المحيطة بالاعتداءات الجنسية.

وخلافا للاعتداءات الجنسية، الاعتداء في هذه الحالة ليس اعتداء على الذات من خلال الجسد، انما هو اعتداء مباشر على الذات.

قد يرى البعض بهذا الادعاء "مبالغة" فإنها "مجرد عنصرية" اعتدنا عليها قد نواجهها في كل مكان "فما تاخدي الامر شخصي"، لكن نزع الشرعية عن هذا الموضوع بهذا الشكل هو تماما كنزع الشرعية عن الحديث والخوض في التحرشات والاعتداءات الجنسية. فالذات (مقارنة بالجسد) مغيبة وغير موجودة، فكيف يمكن الاعتداء عليها؟! الا ان هذا الإلغاء ينتقص من الظاهرة ويستبعدها من النقاش السياسي-الاجتماعي وبالتالي يزيد من صعوبة مواجهتها.

فالمقارنة مع الاعتداءات الجنسية ليست من باب المبالغة انما هي محاولة للتمعن بالأثر النفسي والاجتماعي لهذا الاعتداء في مساحات نفترض انها "آمنة" توجهها "اخلاق مهنة" من المفروض أن تسمو على الهويات السياسية.

والحديث هنا هو تحديدا عن أطر ومساحات تتسم فيها العلاقات بمسؤولية أخلاقية من جانب وبهرمية من جانب آخر. علاقات كهذه موجودة في مجالات: التربية والتعليم والطب والإرشاد والصحة النفسية وغيرها. وعادة يتم التعامل مع أخلاقيات المهنة في هذه المساحات كأمر مفهوم ضمنًا، لكنه في الواقع بالمرة مش مفهوم ضمنًا. وهذا ما يفسر الصدمة التي عبرت عنها عثامنة بكل وضوح، الناتجة عن غياب الالتزام الأخلاقي من جانب، ومراوغة المسؤولية واستغلال موقع القوة من جانب آخر.

فتحول الطبيب او المعلم او المرشد الى "إسرائيلي اولًا"، وعجزه عن التعالي على هويته السياسية بسبب هشاشته البيضاء، تعني انه يراك ويتعامل معك أولًا وقبل كل شيء كعربية وليس كطالبة او كمتعالجة، ومعنى هذا انك تتحولين تلقائيا لمصدر تهديد وازعاج وربما لهدف رماية تصوب نحوه ردود فعل عدائية من قبل شخص من المفروض انه هو المسؤول عنك وتربطك به علاقة هرمية وسلطوية.

خيانة الاخلاق المهنية في هذه المساحات (التي من المفروض ان تضع الطالب او المتعالج واحتياجاته بالمركز فوق أي اعتبار آخر)، هي حسب رأيي كالتحرش والاعتداء الجنسي في مكان العمل، ورغم أن الاعتداء هنا هو مباشرة على الذات وليس على الجسد، الا ان ابعاد هذا الاعتداء واسقاطاته وكل ما يحيط به متشابهة جدًا. فمن ناحية انت مرتبطة بهذا المكان ومجبورة تبقي فيه لأنه "مصدر رزقك" وانقطاعك عن هذا المكان في محاولة للابتعاد عن مصدر الإساءة له اثمان مادية ومهنية وربما اجتماعية - تماما كما هو في الحالة التي وصفتها نجلاء. من ناحية أخرى، بقاءك في هذا المكان حيث الشخص المسؤول عنك هو مصدر الإساءة له اثمان نفسية واجتماعية عميقة. وفي المحصلة، وبغض النظر عن الخطوات العملية الممكن اتخاذها، على الصعيد النفسي الشعور هو شعور مزدوج من اليتم والخيانة في آن واحد، وهذا تماما كالشعور الناتج عن الاعتداء الجنسي في إطار علاقات اخلاقية هرمية أخرى. ففي هذه الحالات جميعها الشخص اللي مفروض يوفر المساحة الآمنة هو ذاته الشخص المعتدي.

في الحالة اللي وصفتها نجلاء، اخذلها 6 اشهر بعد أن ادركت ما يحدث كي تتخذ خطوة حاسمة وتقطع هذه العلاقة المسيئة. لكن في اغلب الحالات (تماما كالنساء المُعنَّفات في المنزل او في مكان العمل) قد نعاني من هذا الاعتداء دون أن نفهم أنه اعتداء، واحيانًا حتى وإن أصغينا لجسدنا وحتى إن فهنا أنه يوجد خطب ما في العلاقة، لكننا قد نفتقد القدرة أو الجرأة على المواجهة، أولًا بسبب عدم تفسير ما يحدث كاعتداء وتفضيل تفسيرات أخرى ("يمكن والله عنجد انت غلطانة"، "يعني هو مش هالقد عاطل" و"طولي بالك وكبري عقلك شوي"). وثانيًا بسبب الأثمان الباهظة المرافقة حتمًا لهذه المواجهة، خاصة انه في الغالب ستُصوَّر هذه كتصرف غير مبرر وغير مفهوم او ربما مبالغ به، تجاه أمر "عادي جدًا" و"مش مفروض ناخذه شخصي". بالتالي ما منقوم ومنمشي ومنقطع العلاقة، وبضل الاعتداء مستمر وبتضل الإساءة مستمرة ومعهم الثمن او الأثمان اللي مندفعها، جسديا، ونفسيا، ومهنيا، واجتماعيا، وماديا.





"من النهر الى البحر" ملاحظات حول الحل الفدرالي

شاركت في الشهر الماضي في ندوة سياسية، وقد طرحت في نهايتها سؤال حول الحل الفدرالي في فلسطين والسبب في عدم تبني القيادات السياسية لهذا الحل وتطويره. لاحقًا، تواصل أحد الزملاء معي لتوجيه انتباهي الى بعض الجوانب المتعلقة بهذا الموضوع. بناءً على ذلك، وحرصًا على ان لا أكون قد غفلت عن بعض الأمور، اكتب هذا الملاحظات لتوضيح ما قد سيئ فهمه.

أولاً، فكرة الحل الفدرالي في فلسطين تُطرَح من قبل أطراف إسرائيلية يمينية بشكل ديماغوجي ومتطرف، ويجب الحذر من هذا الطرح الصهيوني ورفضه رفضا قاطعًا. من بين من يطرح هذا الموضوع حركة "هافدراتسيا" او "الحكم الفدرالي" كما يسمون أنفسهم.

قبل الخوض في تفاصيل برنامج هذه الحركة، انا اعتقد أن خطورة هذه الحركة لا تقتصر على برنامجها فحسب، بل تكمن أيضا في عملية التلاعب بفكرة "الحل الفدرالي" وتشويهها لتتناسب مع الأفكار الصهيونية اليمينية المتطرفة المرفوضة جملة وتفصيلا. بهذا تقوم حركة "هافيدراتسا" بتفنيد هذا الحل، حيث تعرضه وتروج له بناء على هذه الأفكار وانطلاقا منها.

حل الدولة الفدرالية الذي يطرح من قبل اليمين الإسرائيلي ليس حلا إنما تعميق لمنظومة الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري المبنية على سياسة التجزئة وبث الفتن بما يتوافق مع نهج محو السكان المحليين سواء بشكل تدريجي أو مباشر، بهدف تحقيق معادلة "أكثر ما يمكن من السكان على أقل ما يمكن من الأرض". حيث يثبت لنا التاريخ انه في الحالات التي لا ينجح فيها الاستعمار الاستيطاني بالقضاء على السكان المحليين أو طردهم وتهجيرهم، يقوم بحصرهم بمعازل على شكل "كانتونات" او "محميات طبيعة" بهدف السيطرة عليهم والتحكم في شؤونهم السياسية والاقتصادية.

تقدم حركة "هافيدراتسيا" الحل الفدرالي كحل إسرائيلي صهيوني على الكنيست الإسرائيلي الموافقة عليه وتبنيه. بناء عليه تقترح حركة "هافيدراتسيا" إنشاء دولة فدرالية واحدة، وهي دولة إسرائيل، وتشمل هذه كافة البلاد من البحر إلى النهر باستثناء قطاع غزة. تحتفظ هذه الدولة بالمستوطنات القائمة في الضفة الغربية، وتقسم الدولة الى ثلاثين كانتونا تديرهم سلطات محلية بالإضافة إلى سلطة مركزية واحدة، وهي سلطة الدولة الفدرالية. تمنح هذه الدولة حقوق المواطنة المتساوية لجميع السكان، وتضمن لهم تحقيق حقوقهم المدنية وطموحاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية من خلال حكومة الكانتون الذي ينتمون إليه.

يمثل اقتراح حركة "هافدراتسيا" بكل بساطة ووضوح برنامجا للضم الشامل لجميع المناطق الفلسطينية تحت إطار دولة صهيونية فدرالية، تمارس المحو الممنهج والمستدام للسكان الفلسطينيين بهدف نزعهم من أراضيهم وابعادهم عنها. ولا يعد هذا إلا خطوة مرحلية في عملية المحو والاستيطان هذه.

اما ما جال في ذهني عندما تكلمت عن الحل الفدرالي فهو يتمثل بـ: دولة فدرالية واحدة وعاصمة واحدة في القدس، تجمع هذه من خلال اتحاد فدرالي سياسي واقتصادي بين دولتين مستقلتين. لا تستثني هذه الدولة قطاع غزة، ولا تستثني اللاجئين الفلسطينيين بل تعمل على تحقيق عودتهم الى فلسطين في إطار هذه الدولة. لا تقسم هذه الدولة البلاد الى ثلاثين كانتون ولا الى عشرين ولا حتى الى سبعة، بل تقوم على اتحاد سياسي واقتصادي بين دولتين بناء على معاهدات سياسية متفق عليها.

شتان بين هذا التصور وبين ما يطرحه اليمين الصهيوني في هذا الموضوع. فطرح اليمين الصهيوني للدولة الفدرالية يقوم على مقايضة الفلسطينيين حلم الدولة المستقلة بالمواطنة والحقوق المدنية في أطار دولة فدرالية واحدة هي دولة إسرائيل. اما ما ارمي اليه في طرحي للموضوع، فلم يتضمن أي تنازل عن أي من المطالب لأي من الأطراف. بالعكس، فهو يحقق الوحدة المنشودة في إطار دولة واحدة، ويقوم على وجود دولتين مستقلتين. تتحقق من خلاله رغبة كافة الأطراف بأن تكون القدس العاصمة الأبدية لهم، بحيث تكون هذه عاصمة الدولة الفدرالية المشتركة، ويضمن هذا الإطار عودة اللاجئين، ويتم الاتفاق من خلاله على مصير المستوطنات. وإذا تعذر الصلح الفلسطيني بين القيادات الفلسطينية المتنازعة على السلطة، من الممكن ان يشمل هذا الإطار الفدرالي اتفاقية ثلاثية يتوازى فيها الطرفان الفلسطينيان مع الطرف الإسرائيلي، بينما يتقاسم هؤلاء الحكم في ولايتين فلسطينيتين او في ولاية واحدة إذا توفرت الإرادة السياسة وإذا شاءت. 



لغة الضاد ومشروع إنتاج معرفة باللغة العربية

في اليوم العالمي للغة العربية، من المهم أن نلفت الانتباه إلى أن كمية إنتاج المعرفة باللغة العربية مقارنة مع باقي لغات العالم تقريبًا تكاد تكون معدومة.

اللغة العربية تأتي في المرتبة الخامسة من حيث عدد المتحدثين في العالم، بعد الانجليزية والماندرين والهندية والاسبانية، حيث يبلغ عدد متحدثيها حوالي 274 مليون شخص. يجدر بالذكر أن هذا العدد يفوق عدد متحدثي اللغة الألمانية والفرنسية والروسية واليابانية، ومع ذلك، إلا أن كمية الإنتاج الفعلي للمعرفة باللغة العربية تبقى تقريبا على مستوى متدن بالمقارنة مع باقي لغات العالم.

في حين أن لغات مثل الألمانية والفرنسية والإسبانية، وربما غيرها أيضًا، تفرض مدارسها الفلسفية والمعرفية التي قد تختلف بمضمونها وبأساليبها تلك التي نجدها في اللغة الإنجليزية، حيث يرافق الاختلاف باللغة، اختلافًا بالمعاني بوجهات النظر بالتعبير وبالتحليل، إلا أن إنتاج المعرفة باللغة العربية يبقى على الهامش الاهتمام العام. فإذا كنت ترغب في قراءة مقالة جيدة عن ابن خلدون او عن ابن رشد، على سبيل المثال، ومراجعة تحليلات حديثة لأعمالهما، فستحتاج بالضرورة إلى قراءتها باللغة الإنجليزية. يمكنك أحيانًا أن تجد ترجمات لبعض المواد، وغالبًا ما تكون غير كافية، أو ربما قديمة نسبيًا تعود إلى الستينيات او السبعينيات ولا ارتباط بينها وبين قضايا عصرنا الحالي.

بالإضافة إلى ذلك، قد تجد النص الأصلي، إذا لم يتم تدميره أو حظره أو فقده تمامًا، لكن إذا كنت تبحث عن محتوى حديث ذي قيمة، فمن النادر أن تجده إلا باللغة الإنجليزية، حتى إذا كان الكاتب عربيًا. وعادة ما يكتب بالكتًاب العرب باللغة الإنجليزية، وتُلقى مهمة ترجمة أفكارهم على أشخاص آخرين، مما ينتج نصوصًا محرّفة تعكس تأثيرًا كبيرًا لأفكار المترجم والمحرر إن وجد في النص، وتفتقر إلى نقاء أفكار الكاتب الأصلي.

فهنيئا لجميع المفكرين العرب الذين يكتبون بلغات أخرى أو الذين تتاح لهم بالكتابة بلغات أخرى، فعملية إنتاج المعرفة ليست مقتصرة على الكتّاب وحدهم، بل تحتاج الى مؤسسات لتدعم هذه العملية، وهنيئا للغة العربية التي تزودنا بالعديد من الفهلوات اللغوية المميزة، مثل قدرتنا على التعبير عن الحب بما يزيد عن عشرين كلمة، وقدرتنا على أيصال رسالة طويلة في كلمة واحدة قد تحتاج الى جملة لتمريره بلغات أخرى، او وهنيئا على جملة يمكن قراءتها من اليمين الى اليسار ومن اليسار الى اليمين دون أن تفقد معناها، والعديد من الفهلوات اللغوية الأخرى الملائمة للمتاحف وللإعلانات وربما للفنون، لكن تبقى الغاية الحقيقية لوجود لغة والمعنى الحقيقي لوجودها فارغًا، عاجزًا عن إنتاج معرفة ونقلها بين الأجيال وعبرها.

قد يطول الحديث في أسباب الحالة اللي وصلنا إليها وفي سبل الخروج منها، لكن جزءًا كبيرًا من هذه الأسباب يعود إلى الأشخاص الذين يشغلون أنفسهم حاليًا بالأخطاء اللغوية الي وردت في هذا النص أكثر من أي شيء آخر.  تقديس اللغة وتحريم استخدامها من قبل غير متقنيها يُعَدُّ سببًا أساسيًا في الشلل المعرفي والفكري الذي وصلت إليه اللغة العربية. حيث يتم احتكار اللغة كحيز عام لإنتاج المعرفة، ويُقتصر استخدامها على أولئك الذين يتقنوها دون أخطاء، وغالبًا ما يكون هؤلاء من حُرَّاس المقدسات الفكرية والمحرمات والمحظورات المعرفية.

إنتاج المعرفة باللغة العربية هو مشروع تحرري يعتمد على إرادة كثير من الأفراد وليس على إرادة فرد واحد فقط، ويتطلب منك الأمر أن تفكر باللغة العربية، لا أن تقوم بترجمة أفكارك إلى العربية، بل أن تشتبك في حوارًا أصيلًا مع ذاتك ومع الأخرين بالعربية. فاللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن الأفكار، بل هي أداة لإنتاج الأفكار والمفاهيم والمصطلحات والتعابير عنها في سياق ثقافي تناقلته عبر اللغة أجيال وأجيال تكلمت بهذه اللغة وشكلتها بما يتناسب مع ظروف حياتها واحتياجاتها.  

هذا المشروع يختلف عن مشروع إنتاج المعرفة باللغة الإنجليزية الذي امتاز في السنوات الأخيرة بطابع تجاري بالإضافة الى طابعه الاستعماري والامبريالي. إن مشروع التحرر المعرفي ليس مجرد مشروع ترجمة الأفكار أو زيادة مناليتها، بل هو مشروع تحرر من القيود الفكرية والمعرفية التي تفرضها اللغة بقوالبها الثقافية وبتراثها الثقافي، إنه مشروع اختراق أفكار وحوارات وجدل تطغى عليها مفاهيم وتصورات المستعمر. إنتاج المعرفة في الأطراف، من خلال استخدام واعتماد لغة مختلفة عن تلك اللغة المهيمنة في المركز، هو الطريق إلى اختراق جدار الوعي والى التحرر المعرفي.






في عصر الامبرياليات الرأسمالية ترشيد الاستهلاك هو اساس التحرر


في عصر الامبرياليات الرأسمالية، ترشيد الاستهلاك هو اساس التحرر. 



منقول عن صفحة The Story of Stuff Project

We're seeing a rise in the production and consumption of 'sustainable' goods as people are seeking something they can do to feel better about their environmental impact. These companies are trying to profit off of your climate anxiety. But make no mistake: the most sustainable consumption is none at all.

نشهد ي الأونة لأخيرة زيادة في إنتاج واستهلاك السلع "المستدامة" حيث يبحث الناس عن شيء يمكنهم القيام به لتحسين شعورهم تجاه تأثيرهم البيئي. تحاول العديد من الشركات التي تسوق ذاته تحت شعار "الاستدامة" الاستفادة من القلق المناخي لدى. لكن من المهم الاشارة الى أن: الاستهلاك الأكثر استدامة هو عدم وجود أي استهلاك على الإطلاق. 

وزارة اوقاف غزة وعيد الميلاد

وأنا أيضا مع الحد من التفاعل مع الكريسماس، قصدي مع الحد من ثقافة الاستهلاك المجنونة التي تحيط بالكريسماس، ومع العودة إلى المفهوم الحقيقي لعيد الميلاد، لمذود البقر، للتواضع، للتجرد من كل شيء، للجوء إلى مغارة لا يوجد بها غير حيوانات ألطف من البشر، للولادة من لا شيء (من الروح القدس) بدون أي شيء وبعيدا عن أي شيء. ولادة طفل من سلالة ملك في مذود للبقر. ولادة طفل مُلاحق سيترك بلده مباشرة بعد ولادته. ولادة في محاولة منعها يقتل آلاف الأطفال. ولادة لم يسمع بها أحد في حينه غير بعض علماء النجوم وبعض الرُعيان، ولادة جاءت لتجردنا من كل المفاهيم المادية والسياسية والاجتماعية ومن كل الأعراف المحيطة بالولادة، وتعيدها إلى مفهومها الروحاني المجرد، مفهومها العدمي إن شئتم. 

لا أعلم ماذا كانت نوايا وزارة الأوقاف في غزة عندما دعت في 15 كانون ثاني 2020 للحد من التفاعل مع الكريسماس، لكن أنا أيضا مع الحد من التفاعل مع الكريسماس، ومع العودة إلى عيد الميلاد. فالشجرة والزينة والبالونات والأحمر والشكولاتة والهدايا وبابا نويل، كلها أمور جميلة فعلا لكنها فقدت بعدها الرمزي وتحولت وحولتنا معها نحن البشر إلى سلعٍ في سباق تسلع واستهلاك. فصارت كلها وصرنا معها، سلع تباع لسواح محليين وأجانب. ليس في غزة طبعا، هيهات. ولم تفقد هذه البعد الرمزي فقط بل فقدت أيضا البعد الثقافي، حيث غلفنا ذواتنا واعيادنا وشجراتنا وهدايانا ومدننا بورقة مذهبة تليق بأذواق المستهلكين وقدمناها على طبق الاستهلاك. ولسنا سلع تباع فقط للسواح إنما سلع للاستهلاك الذاتي يستهلك كل منا الآخر؛ من شجرته أكبر، ومن زينته أجمل، ومن غمر أطفاله بعدد لا يحصى من الهدايا والشوكولاتة التي فقدت كلها معناها وطعمها، وأهالي الأطفال يشهدوا على هذا. نحن الشبعانين التخمين، او ربما الواهمين بالتخم، نحن أحوج من يحتاج إلى الحد من التفاعل مع الكريسماس وإلى تذكر الولادة في مذود البقر. 

وكل عام والجميع بخير، وغزة وأهل غزة بخير، غزة التي كانت الطريق الآمن للأطفال الفارين من البطش في طريقهم إلى مصر، وكانت الطريق الآمن لهم في طريق العودة. غزة التي نادت وزارة اوقافها بالحد من التفاعل مع الكريسماس، ولا أدري ما هي خفايا قلوبهم، لكن سأنام اللية وأحلم أن ما أزعجهم حقا هو الكريسماس وليس عيد الميلاد. 

وللحلم بقية...
وكل عام والجميع بخير

مقاربة لا سلطوية للوضع الفلسطيني وإعادة بناء المجتمع من خلال تنظيم المجتمعات المحلية

نشرت في جدلية، تجدونها هنا 

الحالة الفلسطينية اليوم، تسودها أجواء من التشتت و
ضبابية المستقبل الفلسطيني. ففي أجواء تشييع مشروع دولة فلسطينية في الضفة وغزة على أساس معاهدة أوسلو تعود للحياة أسئلة جوهرية حول فلسطين الجغرافية وفلسطين المجتمع وحول المشروع الجماعي الوطني العام. وبما أن مشروع الدولة بشكل أو بآخر بات مستعصيًا، وحتى وإن نجح فإنه لن يكون تحرريًا، فعلى المشروع الفلسطيني الوطني أن يتحول لمشروع بناء مجتمع فلسطيني لكافة الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم بعيدًا عن وبدون أي علاقة بمشروع الدولة القومية. وليس هذا الطرح نفيًا لمشروع الدولة أي كان، إلا أنه لا يعول عليه.

(1)

طالما تساءلت حول نجاعة التحرر من خلال مشروع قومي يتمثل بإقامة دولة قومية، خاصة في زمن بات فيه من الواضح فشل نموذج الدولة القومية بالإجابة على العديد من القضايا الكونية والوجودية. إضافة إلى أن غالبية الدول القومية في العالم باستثناء بعض الدول الإسكندنافية، هي دول قامعة توجه عنفها نحو الداخل لإخضاع مواطنيها لنمط سياسي واقتصادي معين. وكثيرا ما قيل لي، في حينه كناشطة ناشئة في مطلع العشرينات من عمرها، أي قبل عقدين تقريبًا، إنه لا بد للتحرر القومي أن يسبق اشكال التحرر الأخرى. ولطالما جادلت هذه الفرضية حيث ادعيت بأنه لا تراتبية بين أنواع التحرر فحريتي الشخصية تنبثق من حرية شعبي وحرية شعبي لا تنفصل عن حريتي.

وربما قد يكون من حسن حظنا فشل مشروع أوسلو وفشل مشروع الدولة الفلسطينية التي كان من المفروض أن تقوم على أساسه، حيث أن النظام العالمي الحالي يفرغ الدول القومية من جوهرها ويحولها إلى ماكينة عنف وبيروقراطية. ولا يوجد أي سبب يجعلنا نعتقد أن الدولة الفلسطينية سوف تكون مختلفة في نهجها عن باقي الدول الأخرى. بالإضافة، إذا تأملنا بالتحديد الدول القومية التي قامت بعد استعمار، نجدها بغالبيتها أنظمة مستبدة وفاسدة، وبما أن هذه ظاهرة عالمية عامة فلا بد أن نسأل ما هي هذه المنظومة العالمية التي تثمر استبدادا وفسادا في دول العالم الجنوبي ونزاهة وأخلاقا في دول العالم الشمالي؟ وهل هناك أي فرصة لدولة فلسطينية أن تكون داخل هذا النظام العالمي وأن تخالف قواعده؟ وبما أن مشروع الدولة بشكل أو بآخر بات مستعصيًا، وحتى وإن نجح فإنه لن يكون تحرريًا، فعلى المشروع الفلسطيني الوطني أن يتحول 
لمشروع بناء مجتمع بعيدًا عن وبدون أي علاقة بمشروع الدولة القومية. وليس هذا الطرح نفيًا لمشروع الدولة أي كان، إلا أنه لا يعول عليه. 

(2) 

في تلك السنوات – السنوات الأولى التي لحقت الانتفاضة الثانية - كنتُ قد انخرطتُ في صفوف مجموعات نسوية وأخرى سياسية لا سلطوية مارست العمل المباشر ضد الاحتلال وضد بناء جدار الفصل العنصري. وكان ما قد جذبني إلى هذه المجموعات هو مبدأ رفض ديمقراطية الأغلبية
[1] واتباع مبدأ الديمقراطية المباشرة واتخاذ القرارات بالتوافق والإجماع. ففي المركز النسوي في حيفا، على سبيل المثال، يجتمع ال"كولكتيف" شهريًا، وفي هذه الاجتماعات تتم مناقشة الأفكار المبدئية والمبادرات والاقتراحات الجديدة. لفترة طويلة لم أشارك في اجتماعات "الكولكتيف" فقد بدت لي جافة ومملة واقتصر نشاطي على المشاركة في النشاطات العملية للمركز إن كانت مؤتمرات، ورشات عمل، احتفالات، مظاهرات وغيرها. لاحقًا أدركتُ أن "الكولكتيف" هو المكان الذي تُتخذ فيه القرارات ويتم هذا بالتوافق والإجماع، مما يعني أن النقاش قد يستمر ويطول لعدة ساعات أو حتى لعدة لقاءات. 


كذلك الأمر في المجموعة السياسية "تعايش" وقد التحقت بها في حينه بسبب النشاط المباشر ضد الجدار. وفي الاجتماع الأول الذي شاركت فيه، بعد أكثر من ثلاث ساعات على النقاش، سأل أحدهم إن كان الجميع موافقين على الاقتراح، وكانت قد جلست إلى جانبي ناشطة تعرفتُ عليها في بداية الاجتماع وقد حثتني على المشاركة والإعلان عن موقفي: موافقة، معارضة أو ممتنعة. صراحة لقد خجلت من إبداء أي موقف خاصة وإنه أول حضور لي في المجموعة فامتنعت. واتضح لي فيما بعد أنه في حال ابديت أنا أو أي مشارك آخر اعتراضاً على القرار فإن النقاش كان سوف يستمر في تلك الليلة الى أن يُعدل الاقتراح إلى شكل وصيغة يوافق عليهما الجميع. وقد يستمر النقاش في قضايا معينة ساعات وأحيانا أياما تعمل من خلالها المجموعة على تطوير اقتراح ينال الإجماع. أما الحالات المستعصية فإنها تؤدي إلى أزمة داخل المجموعة وأحيانا إلى انشقاق، وبما أن المجموعة تحاول تفادي الانشقاق وتسعى للحفاظ على أعضائها يتم التعامل مع الاعتراضات بقدر من المسؤولية ويتم بذل جهد كبير للتوصل إلى توافق واجماع. فيما بعد علمت بأن هذا ما يسمى بالديمقراطية المباشرة، لكل عضو فيها حق الفيتو، يستطيع من خلاله تطوير عمل المجموعة أو تعطيله، ولا توجد هرمية بين المشاركين ولا أفضلية للمشاركين الدائمين على المشاركين الجدد أو للخبراء على الأقل خبرة. ويتبع هذا النهج في المجموعات النسوية الراديكالية - أي الجذرية، وليس "المتطرفة" كما تترجم بشكل خاطئ ومسيئ للفكرة – وأيضًا في المجموعات اللاسلطوية، أي الأناركية، وتترجم هذه أحيانا الى العربية بشكل خاطئ كـ"فوضوية" وهذه أيضًا ترجمة مسيئة للفكرة حيث أنه لا يوجد أي فوضى في اللاهرمية. 

مضت السنوات وتفرقت مجموعة تعايش الشمال، تلك التي نشطتُ في صفوفها. أما المجموعة النسوية في حيفا والتي بدأت نشاطها في سنوات السبعينيات المتأخرة وأسست لاحقًا في العام 1983 المركز النسوي في حيفا وانبثقت عنها العديد من النشاطات والمبادرات الاجتماعية فما زالت تعمل إلى اليوم. والمثير في هذه المجموعة حقًا هو قدرتها على بناء مجتمع محلي (
community) والمحافظة عليه بشكل نشط وفعال ومثمر لفترة طويلة نسبيًا، تعدت حاليًا الأربعة عقود. وتهتم الناشطات في هذه المجموعة "بألا تكون مشاريعها أكبر منها"، وهذا هو عمليًا السبب بأن العديد من المؤسسات النسوية الرائدة في مجالها بدأت كمبادرة صغيرة في المركز النسوي الذي يعمل بمثابة حاضنة فكرية وإيديولوجية. لكن عندما تنمو هذه المشاريع وتكبر تستقل عن المجموعة وعن المركز بحيث لا تشل نشاطه ولا تعيق تطور أفكار ومبادرات إضافية. ويعمل المركز النسوي بالاعتماد التام على النشاط التطوعي، وعادة ما يقتصر الطاقم على ثلاث أشخاص بوظائف جزئية: مركزة عامة، ومجندة موارد، ومحاسبة. ويرفض المركز ميزانيات التمويل الكبيرة. وفي حين تعاني العديد من الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية من التبعية الاقتصادية ومن ضيق وصعوبة في تجاوز الأزمات الاقتصادية، إلا أن المركز النسوي في حيفا يزداد نشاطه خلال الأزمات الاقتصادية، فكمية الأعضاء والمتطوعات المعنيات بوجود الـcommunity  لذاتها وليس كمكان عمل أو كمصدر دخل هي فائقة، والدور الذي تلعبه هذه الـcommunity   بحياة كل المشاركات فيها كما وفي حياة مدينة حيفا والنساء عامة كبيرٌ جدا.

بالإضافة إلى هاتين التجربتين شاركت خلال العشرين سنة الماضية بثلاث مبادرات اجتماعية إضافية كان من المفروض أن تتطور كمجتمع محلي، وكنتُ أود لو تعمل هذه بشكل لا هرمي ولا سلطوي وأن تتبع مبدأ العمل التوافقي والديمقراطية المباشرة، لكن للأسف ثلاثتها فشلت في ذلك. فالمبادرة الأولى عملت لبضع سنوات ثم تحولت إلى جمعية بدون أعضاء تعيش على أموال المانحين. الثانية تبعثرت صفوفها بعد أن طغت الأجندات والصراعات الحزبية على أجندتها الداخلية. والثالثة ضربت بعرض الحائط فكرة التوافق والإجماع في مرحلة مبكرة جدًا من بداية عملها ويتنافس أعضائها اليوم على مناصب في المؤسسة من خلال حشد جمهور افتراضي وجمع أصوات افتراضية في عملية انتخابات نصف افتراضية لأعضاء نصفهم افتراضيين.

جاءت هذه المقدمة كي أقول من خلالها إنه من الممكن إنشاء مجتمعات محلية حقيقية ومن الممكن تنظيم المجتمع والعمل بشكل عادل لا يعتمد على القوة أو على قمع الأقليات، لكن يتطلب هذا الأمر جهدًا كبيرًا واختيارًا واعيًا لمبدأ التوافق والإجماع والالتزام به كمصلحة عامة إضافة إلى الترفع عن المطامع في المكاسب الشخصية المادية أو المهنية وتفضيل الصالح العام على التطلعات الفردية والمصلحة الخاصة. وباعتقادي أن سر نجاح حركات نسوية تحديدًا مقارنة مع مجموعات أخرى، بإنشاء مجموعات محلية مستدامة كامن بالتضامن الجوهري الموجد بين النساء في هذه المجموعات النابع من تجربة جندرية مشتركة بمواجهة القمع والاضطهاد على كافة مستوياته. 

(3)

لا تقتصر الديمقراطية المباشرة ومبدأ التوافق والإجماع على المجموعات النسوية ولا على مجتمعات ذات ثقافة غربية كما قد يفترض البعض. فلو نظرنا حولنا سنجد أن العديد من القرارات اليومية التي نتخذها في نطاق العائلة الصغيرة أو الموسعة كما وفي مجموعات الأصدقاء هي قرارات تعتمد على التوافق والإجماع. ويصعب عليّ أن أتذكر ولو حالة واحدة قام بها أفراد من عائلتي الموسعة بالتصويت الديمقراطي على قرار معين، إن كان حول الاحتفال المشترك بالعيد أو حول تقسيم الميراث والأملاك المشتركة. كلها تتم بالإجماع والتوافق أو "بالزعل" ونتيجته طبعا الخلاف والانشقاق. كذلك بالنسبة للأصدقاء، فلا نقوم أبدًا بالتصويت حول المطعم الذي سنلتقي به مثلا، فإما أن نختار مكاناً ملائماً للجميع وإما أن ينسحب من لا يروق له خيار المجموعة. وعلى المجموعة أن تقرر ما هو الأهم لها. إرضاء الجميع من خلال بعض التنازلات أم الإصرار على خيار معين حتى وإن كان ثمنه انسحاب بعض الأعضاء أو الانشقاق؟ وقد يحدث هذا فعلا حول أمور جوهرية للمجموعة.

منذ أيام تجادلتُ مع إحدى الصديقات من المركز النسوي بأن تجربتي العائلية هي في الواقع أكثر ديمقراطية من تجربتي النسوية. فبينما أتماهى في المركز النسوي وأتفاعل بشكل جيد مع مجموعة من النساء اخترتها مسبقا وهم أقرب لي فكريًا، في العائلة البيولوجية التنوع الفكري والايديولوجي بين افرادها هو أكبر، والعمل على تقبل الآخر والمختلف داخل العائلة يحتاج إلى مجهود أكبر. والجهد المبذول من أجل التوصل إلى توافق وإجماع في العائلة هو أيضا أكبر ويحتاج إلى مثابرة أكثر. ولا أغفل عن واقع المجموعات العائلية التي عادة ما يقع فيها ثقل هذا الالتزام على النساء أكثر منه على الرجال، فتقدم النساء التنازلات أكثر من الرجال. لكن كأي مجموعة أخرى، قد يؤدي الثقل المتزايد على الأفراد الى انشقاق – أي إلى خلافات عائلية أو ربما طلاق - وإن افترضنا أن كافة أفراد العائلة أحرار ومستقلون يشاركون طوعياً في العائلة البيولوجية كما هنّ النساء المشاركات في المركز النسوي في حيفا أو في مجموعة الأصدقاء، فسوف تتمكن النساء في المجموعة العائلية من تحديد مدى التنازلات التي تستطيع التعايش معها ومتى تختار الانسحاب من المجموعة والاستقلال عنها. وإن لم تتمكن النساء من ذلك فليس هذا لفشل الطريقة أو لعدم نجاعتها إنما بسبب غياب الاستقلالية الاقتصادية والخيار الحر للأفراد. وطبعا أعلم أن حال 80% من النساء العربيات في العائلة بل وربما 90% منهن لسن مستقلات وليس لديهن الحريّة في الخيارات، لكن هذا لا يقوض 
فكرة الجوهر الإنساني للديمقراطية المباشرة، حيث أننا كبشر سنسعى عادة إلى التوافق والإجماع وهذه هي الحالة الإنسانية الطبيعية وليس التصويت وقمع الأقليات. 

(4)

من هنا أود الانتقال إلى الحالة الفلسطينية اليوم، التي تسودها أجواء من التشتت و
ضبابية المستقبل الفلسطيني. ففي أجواء تشييع مشروع دولة فلسطينية في الضفة وغزة على أساس معاهدة أوسلو - وقد يكون نجاح هذا المشروع للبعض بمثابة استكمال وتتميم للنكبة - تعود للحياة أسئلة جوهرية حول فلسطين الجغرافية وفلسطين المجتمع وحول المشروع الجماعي الوطني العام وعلى هذا أن يشمل إضافة الى فلسطينيي الضفة وغزة والقدس، فلسطينيي ال48 وفلسطينيي المخيمات وفلسطينيي الشتات أيضًا. وفي ظل نظام عالمي يفرغ الدول القومية من جوهرها ويحولها إلى ماكينة عنف وبيروقراطية في خدمة هذا النظام، على المشروع الفلسطيني التحرري أن يكون مشروع بناء مجتمع شامل لكافة الفلسطينيين أينما كانوا وهذا أسمى وأفضل وأدق من مشروع دولة قومية. ولا يحتاج تنفيذه إلى معاهدات سلام أو إلى قرارات سياسية بل إلى إرادة شعب.

فالنظام العالمي الحالي يقوم على ثالوث الرأسمالية والدولة القومية (كجهاز قمع) وديمقراطية الأغلبية. واتفاقية اوسلو كانت قد صممت المشروع الفلسطيني على هيئة سلطة لدولة - لم يقصد لها أحدٌ فعلا أن تكون - بناء على هذا النموذج. ومن خلال هذه الاتفاقية أُدخِلَت السلطة الفلسطينية إلى النظام العالمي من أوسع ابوابه لتمارس بيروقراطيتها وعنفها ضد الفلسطينيين كما لو كانت دولة كباقي الدول، تؤدي دورها في خدمة الاقتصاد العالمي ورأس المال.

ويوجد إجماع عام على أن الإنجاز الحقيقي والأهم لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها (1964) إلى اليوم هو إعادة إحياء الهوية الفلسطينية. لكن في ظل الظروف المحلية والعالمية الراهنة نبقى مع السؤال: الفلسطينيين إلى أين؟ وما هي السُبل التي سوف نسلكها الآن نحو التحرر؟ وما هو التحرر الذي نصبو إليه؟ وللخوض في هذا المضمار علينا أولا 
التحرر من فكرة الحرية الفردية المعتمدة على الاستهلاك، التي جاءتنا من خلال النظام الرأسمالي ذاته، وعلينا إعادة بناء مفهوم الحرية من جديد، حرية تمكننا من تحقيق الذات بعيدًا عن التسليع وثقافة الاستهلاك. بالإضافة علينا مواجهة الواقع: الأفراد غير قائمين بحد ذاتهم. البشر مخلوقات اجتماعية لا يمكنها العيش بشكل مستقل عن الآخرين، ونموذج الحرية الفرداني غير واقعي وهو مجرد حالة اغتراب عن المحيط البشري والاجتماعي والمادي المحيط بنا. وفي الواقع نحن لسنا أحراراً ولا يمكن لنا أن نكون، فحيواتنا جميعا متعلقة بالخباز وبالميكانيكي وبالطبيب وبالمهندس وبعامل النظافة وغيرهم، وكل ما نقوم به بوهم أن هذه هي الحرية وأن هذا هو التحرر ما هو إلا تحايل على مدى الاغتراب عن أعضاء المجموعة التي نعيش فيها وتلاعب بمدى التكاثف والتضامن الاجتماعي والتكافل الاقتصادي الذي يجمع، أو قد يجمع، بيننا. هذا الاغتراب غير الطبيعي والمفتعل لا يمكن تحقيقه بدون وجود دولة تنوب عن الأفراد بتنظيم وإدارة علاقاتهم الاجتماعية وتحولهم خلال هذه العملية إلى عمال، موظفين إداريين ومُستهلكين، وتقمعهم في سبيل تطوير السوق ورأس المال. بالإضافة علينا أيضًا التخلي عن فكرة أن مواطني الدول القومية الديمقراطية هم أحرار. فليحاول أحد هؤلاء المواطنين مثلًا عبور الحدود الدولية بدون جواز سفر كي يثبت حريته، أو ليتأخر عن دفع ضرائبه، أو ليرفض الخدمة العسكرية الإلزامية إن وجدت. هذا ولم نتحدث بعد عن الإحتجاج على النظام القائم والاعتراض عليه أو محاولة تغييره، من أجل هذا تقوم هذه الدول بإعداد قوات من الشرطة مدججة بالأسلحة كما لوٍ كانت جيوشًا. من هنا فأن الحرية الفردية هي حرية متخيلة وغير حقيقية، ففي الواقع كلنا منضبطين بشكل أو بآخر من خلال نظام اجتماعي يجمعنا مع أفراد آخرين بنظام حياة مشترك، والسؤال هو من يصوغ ويفرض هذا النظام ومن يقوم بضبطه؟

بالإضافة، لا يمكن لنا أن نغفل عن أن 
نضال التحرر هو نضال كوني عالمي، فالتحرر من كافة أشكال القمع والاضطهاد الذي يسعى إليه الفلسطيني هو ذات التحرر الذي تسعى إليه النساء، ويسعى إليه الأميركيون الأفارقة، ويسعى إليه سكان الدول المستضعفة، هو ذات التحرر الذي تسعى إليه الأقليات الدينية والعرقية والثقافية والجنسية، وتسعى إليه جماعات السكان الأصليين في الأمازون وفي مدغشقر وفي كمبوديا وغيرها. ولا يقتصر هذا التحرر على التحرر من الاستعمار بل يشمل التحرر من وطأة الرأسمالية والدول القومية ومن حالة الاغتراب القسري التي تفرضها هذه علينا وتجعلنا نحيا حيواتنا كأننا مخلوقات فضائية للآخر.ٍ

وصراحة 
ليس هناك أي طريق للخروج من الرأسمالية، وأي محاولة لفعل ذلك ستكون محفوفة بالمخاطر العديدة التي قد تؤول بلمح البصر إلى كوارث وأزمات إنسانية. يكفينا أن ننظر إلى ما يحدث اليوم في المجتمعات التي تعطل نظامها الاقتصادي جزئيًا بسبب جائحة الكورونا. فحتى وإن رفضنا النظام القائم رفضًا قاطعًا إلا أن التغيير لا يمكن أن يتم بخطوة واحدة كبيرة وحادة نحو الأفضل إنما بشكل تدريجي وطويل الأمد. كذلك لا بد أيضا أن نكون واقعيين وأن نقرّ أن الكثير من الابتكارات الناجحة في العالم اليوم والتي تعود بالفائدة علينا جميعا تحققت بفضل السوق وبفضل النظام الرأسمالي وبفضل الدول القومية ولم تكن هذه لتحصل بدونها. في ذات الوقت لا يمكننا التغافل عن وحشية هذا النظام ولا-إنسانيته وعن غياب العدالة الاجتماعية عنه، ويجب علينا أن نسعى لتحسينه وتغييره لتسود فيه العدالة الاجتماعية الغائبة عنه اليوم كما ويجب علينا السعي التدريجي للتخفيف من وطأته. هذا كله يتم أولا من خلال تنظيم المجتمعات المحلية فهي خط المواجهة الأول في هذا المسار ومن خلالها نقوّض فعليًا وبشكل مباشر عمليات الاغتراب القسرية المفروضة علينا دون أن ننتظر أي معاهدة سلام أو أي قرار سياسي لأي سلطة أو حزب أو فصيل. 

(5)

من هنا ومن خلال الواقع الذي فُرِض على الفلسطينيين، فإن المستقبل الفلسطيني يكمن في إعادة بناء المجتمع الفلسطيني من خلال 
تنظيم المجتمعات المحلية وبناء العلاقات بين كافة أجزاء المجتمع الفلسطيني بالاعتماد على التضامن الاجتماعي والتكافل الاقتصادي والديمقراطية المباشرة، إلى جانب حميمية اللقاء الداعم والحاوي والمساند، بعيدا عن النعرات الجهوية وعن التحزبات أو الشللية. ولا أدعو هنا إلى تبني اللا-سلطوية كأيديولوجيا، لكن كعدسة ننظر من خلالها إلى ما يفرضه علينا الحال الفلسطيني، آخذين بعين الاعتبار أيضا أن بعض المنظرين اللا-سلطويين، وهو التيار الثالث بين الرأسمالية والاشتراكية، يدّعي أن مستقبل العالم هو مستقبل بدون دول، وللواقع فإن العالم لا يقف على أبواب هذا المستقبل بل إنه بات يخطو خطواته الأولى فيه.

(6)

ما هي أشكال المجتمعات المحلية التي قد نتنظم من خلالها؟

أولا، من الطبيعي جدا أن المجتمعات المحلية الفلسطينية التي تحدت وانتفضت وواجهت الاحتلال الإسرائيلي على مدار عقود وما زالت، منظمة أكثر بكثير مما نعرف ومما قد يخطر لنا ببال. وليست هذه دعوة إلى تنظيم المجتمعات المحلية بقدر ما هي دعوة إلى التمعن في هذه العمليات وفي الإمكانيات الكامنة فيها وفي العمل من خلالها 
كخيار استراتيجي فلسطيني جامع. ويجب ألا يقتصر هذا الخيار على عمل البعض من خلال فصائل وأحزاب سياسية أو مؤسسات غير حكومية وغيرها بل أن يشمل كافة الفلسطينيين بكل أماكن تواجدهم انطلاقا من أن الإنسان كإنسان لا يمكن له أن يعيش إلا من خلال مجتمعات محلية. وعلينا أن نرى بهذه المجتمعات المبنية على التكافل والتضامن والتواصل فيما بينها هدفًا بحد ذاتها فهي المجتمع بذاته ومن خلالها يتم بناؤه والحفاظ عليه.

ثانيا، لا بد لنا من الإقرار بأن المشروع الفلسطيني هو أكبر من مشروع دولة، وبعيدا عن سؤال الدولة، ما يجمعنا كفلسطينيين هو اللغة والثقافة والتاريخ وانتماؤنا لبعضنا البعض وللمنطقة.

ومن المهم أن تقوم كل مجموعة محلية بتحديد نهج وأهداف عينية تجمعها كما ومن المهم أن تكون لها مناسبات وطقوس ورموز ونشاطات لها وقع ومعنى، تُبقي ذكريات جماعية راسخة في قلوب ونفوس المشاركين فيها. ومن الضروري لهذه المجموعات أن تنظم ذاتها بشكل تطوعي وتمول ذاتها بالاعتماد الأكبر على مواردها الذاتية بما فيها مواردها البشرية، والاعتماد الأقل على تمويل سلطوي كما هو حال ال
NGOs، حيث أن هذا التمويل يحول العمل المجتمعي إلى مهنة ويضُر بروح الانتماء والعمل الجماعي، كما وينمي التزاما ماديا على شكل مشاريع ذات أهداف عينية مادية وملموسة (SMART) وتَستبدِل هذه الانتماء والالتزام الأخلاقي للمجموعة ولأعضائها. وقد تكون هذه المجموعات مجموعات فنية، ثقافية، نقابات مهنية، اتحادات، نواد، لجان طلاب، لجان أحياء لكنها أيضا عائلات، وطوائف، وعشائر. وقد تبدو هذه الأمور بديهية إلا أننا يجب أن نضعها صوب أعيننا وألا نغفل عنها كأهداف استراتيجية ووطنية.

وقد يبدو للبعض أن التنظيم بشكل عائلات وعشائر وطوائف قد يكون "رجعياً" و"محافظاً"، لكن علينا أن نتذكر أن مفهوم الحرية الفردية هو مفهومٌ مجردٌ وغير حقيقي، وأنه لا يمكننا رفض العشيرة لكونها عشيرة أو العائلة لكونها عائلة، فهذه هي الأُطُر الاجتماعية الأولية في بناء المجتمع ودورها في تحرر أفرادها أو قمعهم مشابه لدور المجموعات الأخرى في قمع وتحرر أفرادها. وكأي مجموعة أخرى قد تكون هذه "رجعية" أو "محافظة" أو "قامعة" كما قد تكون "تحررية" و"داعمة" و"متقبلة" و"متسامحة" ويعتمد هذا على خيار المجموعة ومدى تسامحها وتقبلها للأفراد المختلفين فيها. وواجب علينا أن نرفض الرجعية وأن نرفض الانغلاق وأن نرفض العنف والتعصب، وهذه ليست حصرية على العائلات والعشائر بل قد نجدها في أي مجموعة ويجب علينا أن نرفضها في كل مكان. لكن لا يمكننا رفض الأطُر الاجتماعية الأولية في المجتمع، فربما لو لم تنهار هذه البُنى الأساسية للمجتمع الفلسطيني في الداخل لما استبدت فيه الجريمة. وقد يكون هناك خلاف وانشقاق داخل هذه المجموعات الأولية وهذا طبيعي جدا، وعلى المجتمعات المحلية عامة أن تطور قدرة على دعم واحتواء الأفراد المنشقين عن مجموعاتهم الأولية التي لم تستطع احتواءهم واحترام اختلافهم، وفي الغالب سوف يكون هؤلاء من النساء ومن أقليات مقموعة أخرى.

هذا ما يجب أن نضعه صوب أعيننا حاليا ونحن نغلق الباب خلفنا على مشروع أوسلو وننطلق في طريق جديد غير واضح المعالم والأفق. 
ولا أطمح من خلال هذه الطرح إلى طرح سياسي بالمعنى العادي والمألوف للسياسي، وعادة ما يكون لهذا منظور جماعي وشامل منذ بدايته، بل إلى توجه سياسي مختلف يبدأ من الأفراد ومن المجتمعات المحلية وينمو منها الى أنساق اجتماعية ومؤسسات ثقافية تحررية. قد يقول البعض إن الدولة مهمة ولا يمكن بدونها، وقد يكون هذا صحيحاً. لكن حاليًا لا توجد دولة، فهل نقف مكتوفي الأيدي حتى الضياع؟ بالإضافة، في حال وجدت دولة لا يمكن الجزم بأنها سوف تتوافق مع كل ما يريد ه المجتمع. قد تعمل الدولة على إخضاع المجتمع للسوق ولسياسات إمبريالية، وهذا ما يحدث في معظم الدول حاليًا، لكن بوجود مجتمعات محلية منظمة وقوية قد نتمكن من الوصول إلى توازن معين. طبعًا كل هذا منوط بأن نضع جانبا فكرة الحرية الليبرالية الفردية ونموذج التحرر وتحقيق الذات من خلال الاستهلاك الفردي والمادي المنوط بالنفور من البيئة ومن المجتمع وأن نعيد النظر في مفاهيم الحرية والتحرر وأن نعود للبديهيات حول مفاهيم الفرح والسعادة والحياة والقيمة وسبل تحقيقها.



[1] في ديمقراطية الأغلبية تتخذ القرارات بالتصويت وبهذا تفرض الأغلبية قرارها على الأقلية وغالبا ما تكون هذه القرارات مجحفة وغير عادلة في حق الأقلية، ويمكن أن نرى بها عملية استبداد من قبل الأغلبية لا تخلو من العنف في فرض القرار من خلال قوة.

"طحينة الأرز"... فخر وإمتنان وحزن عميق جدًا

نشرت في مجلة فُسحَة، تحت عنوان: لحظة مركبة وأربعة أوجه للواقع المثلي


لحظة مركّبة

وصلتني في الأوّل من يوليو (تمّوز) رسالة من زميل لي في "جامعة حيفا"، تحمل إعلان دعم لشركة "طحينة الأرز" النصراويّة لـ "جمعيّة الأجودا الإسرائيليّة لدعم المثليّين والمتحوّلين جنسيًّا"؛ إذ يهدف الدعم الماليّ المقدّم إلى إقامة خطّ داعم للمثليّين والمتحوّلين باللغة العربيّة. تقبّلت الخبر بصمت وبمشاعر متضاربة، فهي لحظة مؤلمة جدًّا يجب أن أفرح فيها، لكنّي لا أفرح، بل أتألّم. وينبع هذا الألم من وعي سياسيّ، تَشكّل خلال 25 عامًا من النشاط والعمل في مؤسّسات المجتمع المدنيّ، ومن مسيرة شخصيّة نحو التحرّر من القمع والتمييز والإبادة على كلّ الأشكال البيئيّة، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والنسويّة الفرديّة والجماعيّة؛ فالحرّيّة كاملة لا تتجزّأ، ولا يمكنها أن تكون بمعزل عن حرّيّة شعبي الجماعيّة أو عن سعي الآخرين إلى التحرّر، من جميع أشكال القمع والاضطهاد العنصريّ الإثنيّ والطبقيّ والجندريّ والجنسيّ.

 دعم "طحينة الأرز" "للأجودا"، هو إنجاز للحركة المثليّة الفلسطينيّة، الّتي تعمل منذ عقدين من الزمن على رفع الوعي للقضايا المثليّة في الشارع الفلسطينيّ، لكنّها في الوقت ذاته خسارة فادحة لهذه الحركة، وربّما أكبر خسائرها. هي بمنزلة هدف ذاتيّ بحركة بهلوانيّة مدهشة لم يشهدها أحد من قبل. إلى جانب هذا، تُسْقِط هذه القضيّة ورقة التوت عن المؤسّسات المثليّة الفلسطينيّة ومسؤوليّاتها تجاه جمهور الهدف، الّذي تعمل من أجله وباسمه، وآن الأوان للجمهور المحلّيّ الواسع الداعم للمثليّين الفلسطينيّين بمحاسبة هذه الجمعيّات ومساءلتها. 

تفكيك اللحظة المركّبة وزخم المشاعر المتضاربة

فخر، بامرأة عربيّة رائدة انتشلت مصنعًا عائليًّا من الحضيض، وقادته إلى نجاح باهر على المستوى المحلّيّ والعالميّ، وبجودة منتوج لا تُضاهى، امرأة عربيّة تخوض معترك رجال الأعمال الذكوريّ الصارم، وتنجح لتكون مثالًا أعلى وقدوة يُحْتَذى بها. فرح، بلحظة تاريخيّة تقوم بها شركة عربيّة بإعلان موقف داعم لقضيّة جدليّة على المستوى العربيّ مثل قضيّة المثليّين وحقّهم في الحرّيّة والحياة الكريمة. حزن عميق جدًّا، على ثمرة تُقْطَف من شجرة الحراك الفلسطينيّ المثليّ، الّذي نما بجهد كبير خلال عقدين من الزمن، لتُغَذّي فأسًا تضرب ساق هذه الشجرة.

فقدان السذاجة، أمام دعم من قِبَل مؤسّسة تجاريّة؛ فما هذا الدعم إلّا خطوة تسويقيّة ذكيّة، تعتمد على تحليل عميق للسوق وللفرص المتاحة للشركة محلّيًّا وعالميًّا، وعلى مزاجيّة الجمهور وقدرة الخطوة على استفزازه وشدّ انتباهه. فقدان السذاجة مرّة أخرى، لتصحو من وهْم التسامح والتقبّل والدعم "على الأقلّ"؛ لتستوعب أنّك مُشيَّأ (أي مجرّد شيء) في خطوة تسويقيّة. عجز وصمت، أمام قوّة الصفعة الّتي تلقّيتها، وأمام واقع مركّب يمتزج فيه النجاح مع الفشل، وأمام طبقات عديدة من القضايا الإشكاليّة، وتقاطع رهيب في ما بينها. ابتدأ من الغسيل الورديّ، وفخّ الاستشراق، والاستشراق الذاتيّ، إلى إنقاذ المثليّ الفلسطينيّ من أهله، وتخليصه من مجتمعه بيد الإسرائيليّ الّذي نكبه، وترويج إنسانيّة هذا المخلّص، مقابل تجريد الفلسطينيّ من إنسانيّته وتصويره النمطيّ البشع وتشويه هويّته، والترويج المباشر وغير المباشر إلى كراهيته، وتعميق الانسلاخ بين المثليّ الفلسطينيّ ومجتمعه، لتكتمل نكبته. 

الواقع 1

تعود بداية الحراك المثليّ الفلسطينيّ إلى عقدين من الزمن، وقد نشأ هذا الحراك على خلفيّة الانتفاضة الثانية، ومن ضمنها ما يُعْرَف بـ "هبّة أكتوبر 2000"، وما تلاها من شرخ ونفور داخليّ بين المجتمع الفلسطينيّ والمجتمع الإسرائيليّ. تزامنت بدايات هذا الحراك مع عودة الشباب الفلسطينيّ من المدن الإسرائيليّة إلى بلداته العربيّة، ومع نموّ الشعور العميق بالغربة حيال كلّ ما هو إسرائيليّ، وانفصال مؤسّسات نسويّة فلسطينيّة عن نظيرتها الإسرائيليّة، وإنشاء مؤسّسات مستقلّة.

نما هذا الحراك متأثّرًا بتجارب التحرّر حول العالم، وعلى رأسها التجارب النسويّة والمثليّة، وتجارب السود في أمريكا وفي جنوب أفريقيا. تأسّست "أصوات – نساء مثليّات فلسطينيّات" عام 2002، على مبدأ التحرّر الشامل والحرّيّة الّتي لا تتجزّأ، لتكون الندّ للمؤسّسات المثليّة الإسرائيليّة، الّتي أسهمت في تشويه الهويّة الفلسطينيّة، وفي استغلال المثليّ الفلسطينيّ، وفي سلخه عن مجتمعه وتعميق الفجوة بينه وبين المثليّ الإسرائيليّ، وتعزيز الشعور بالغربة مقابل الإسرائيليّ "صاحب البيت"، القيّم على المؤسّسة والمؤتمن عليها وعلى طقوسها ومعاييرها. وروّجت هذه المؤسّسات عالميًّا، وعلى رأسها "الأجودا"، صورةً نمطيّة كارهة للشرق وللعرب وللمسلمين، من خلال ممارسات عنصريّة واستشراقيّة صارخة، شُيِّئ فيها المثليّ الفلسطينيّ، واسْتُغِلَّ بشكل رخيص جدًّا لتسويق هذه الصورة الّتي وقعت في حينه على أرض عالميّة خصبة، وأثمرت فيها المزيد من الكراهية والعنصريّة الليبراليّة.

منذ تأسيسها عملت "أصوات" على خلق مكان آمن للنساء الفلسطينيّات داخل مجتمعهنّ، وبشكل فطريّ، ومنذ يومها الأوّل ضمّت المجموعة نساء فلسطينيّات من شقَّي الخطّ الأخضر، لتكون بين أولى المؤسّسات الأهليّة الّتي تجمع بين هذين الشقّين. نجحت "أصوات" في سنواتها الأولى باختراق حاجز الصمت، ومواجهة العنصريّة والإقصاء ورهاب المثليّة على الصعيد المحلّيّ، وعقدت مؤتمرها الأوّل في حيفا عام 2007، وواجهت رهاب الشرق والمسلمين على الصعيد العالميّ، ولم تكن "لقمة سهلة" للّيبراليّة الطبقيّة البيضاء، وكانت بين أولى المناهضين للغسيل الورديّ والمُنادين بمقاطعة "موكب الفخر العالميّ" الّذي عُقِدَ عام 2006 في القدس.

في المقابل، تبلورت في هذه السنوات مجموعة "القوس" لتنشقّ هي الأخرى عن نظيرتها الإسرائيليّة، وتُسَيِّس عملها بشكل جريء واضح ومناهض للأبويّة الإسرائيليّة وللعنصريّة الاستعلائيّة. وبينما تلاشى وميض "أصوات" بعد سنوات قليلة من إنشائها، واظب ناشطو "القوس" على العمل الدؤوب بتحدٍّ وإصرار على تخطّي العقبات والصعوبات، ومحاولات التوفيق بين العمل المحلّيّ والعالميّ، بدايةً لصالح العمل العالميّ، ولاحقًا لصالح العمل المحلّيّ الفلسطينيّ والعربيّ القطريّ. وقد أختلف مع "القوس" في رؤيتي لطبيعة عملهم، وبتقاطعه مع المشهد المثليّ السياسيّ، لكنّ الخلاف في الرأي لا ينتقص من أهمّيّة عمل "القوس" وما حقّقت من إنجازات، ويشهَد لـ "القوس" عملها وإنجازاتها على مدار السنين، ويمكن الاطّلاع على هذه الإنجازات، من خلال موقع المؤسّسة، ومن خلال تقريرها السنويّ ونشراتها الدوريّة.

صراحةً، إنّ تجربة المثليّين الفلسطينيّين في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948، هي تجربة مثليّة عربيّة فريدة من نوعها؛ فمع توفّر شرط غياب ظلم الدولة وأدواتها القامعة، أثبت المجتمع الفلسطينيّ أنّه قادر على احتواء أبنائه وبناته المثليّين والمثليّات والمتحوّلين والمتحوّلات، بل أكثر؛ فهو قادر على تقبّل نمط حياتهم المختلف وتقبّل عائلاتهم البديلة. وهذه هي ثمرة عقدين من حراك فلسطينيّ مثليّ مقاوم، مصرّ على انتمائه الفلسطينيّ والعربيّ والشرقيّ والمسلم، وعلى التحرّر من خلال صموده وعمله المباشر مع أبناء شعبه، دون المساومة على أيٍّ من مركّبات حرّيّته.

دعم شركة "طحينة الأرز" العلنيّ للمثليّين والمثليّات يمثّل ثمرة هذا الحراك، وفي ذات الوقت هي أكبر صفعة له؛ فالسيّدة جوليا زهر، مثل كلّ نصراويّ عاديّ، ما كانت لتدعم المثليّين قبل 20 عامًا من اليوم، بل على العكس؛ ربّما اتّسمت في ذلك الوقت بالهوموفوبيا المحافظة، وفي أحسن الأحوال بالهوموفوبيا الليبراليّة. وجزء من تركيبة هذه اللحظة المعقّدة والزخمة هي الشعور بالامتنان، لكن مَنْ هو الّذي يقدّم الامتنان لمَنْ؟ فهل يقدّم المثليّون امتنانهم لشركة "طحينة الأرز" على دعمها العلنيّ والمباشر؟ أم تقدّم السيدة جوليا زهر، مع كامل التقدير والاحترام، امتنانها للحراك المثليّ الفلسطينيّ، على العمل على مدار عقدين؛ لتحريرها وتحرير المجتمع الفلسطينيّ من رهابهم الفطريّ والأوّليّ للمثليّين، من أجل مجتمع أفضل؟

الواقع 2

إلى جانب هذا التحليل الاجتماعيّ والثقافيّ، لا يمكن تجاهل الواقع السياسيّ والاقتصاديّ المدنيّ، وخيارات المساهمة الاجتماعيّة المحدودة المفتوحة أمام القطاع الفلسطينيّ الخاصّ، فهذا واقع لا يُسْتَهان به، يفرض على السيّدة جوليا زهر وغيرها من سيّدات ورجال الأعمال، وعلى قيادات مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّة أيضًا، تحدّيات مركّبة يجب عليهم هم أيضًا مواجهتها بحكمة وفطنة، كما واجه المثليّون الفلسطينيّون واقعهم المركّب؛ ففي إسرائيل كما في الولايات المتّحدة ودول أخرى حول العالم، يحصل القطاع الخاصّ على تخفيض ضريبيّ، مقابل التبرّعات الّتي يقدّمها لمؤسّسات المجتمع المدنيّ. وفي إسرائيل يقتصر هذا الإجراء على مؤسّسات مُصادَق عليها بتأشيرة رسميّة من قِبَل سلطة الضرائب، حسب البند 46 من قانون ضريبة الدخل. ومن الصعب جدًّا لمؤسّسة عربيّة الحصول على هذه التأشيرة، والّذي يحصل عليها عادة مؤسّسات كبيرة جدًّا، مع ميزانيّات ضخمة تستوفي شروطًا عديدة تُعَدّ تعجيزيّة للمؤسّسات العربيّة، وتمنعها من الحصول على هذه المكانة، وعلى التبرّعات من القطاع الفلسطينيّ الخاصّ المعنيّ فيها. ولا بدّ من أنّ "الأجودا"، الّتي نالت دعم شركة "طحينة الأرز"، مُصادَق عليها من قِبَل سلطة الضرائب، ومن ثَمّ لا بدّ من أنّ الشركة نالت حصّتها من التخفيض الضريبيّ، ممّا هو ليس بالإمكان تحقيقه في حالة "القوس"، أو في حالة 99% من المؤسّسات الأهليّة العربيّة الأخرى.

الواقع 3

على فرض أنّ هذه الخطوة خطوة تسويقيّة مدروسة، وإن لم تكن مخطّطًا لها، لكنّها بالتأكيد ليست عفويّة، فإنّ ردود الفعل الّتي أثارتها محلّيًّا وعالميًّا، ما هي إلّا صفعة مدوّية للحراك المثليّ الفلسطينيّ بعامّة، ولكلّ مثليّ فلسطينيّ بخاصّة؛ فما المثليّة والمثليّون الفلسطينيّون والعرب في هذه الخطوة إلّا سلعة، تخضع لحسابات الربح والخسارة الماليّة البحتة، وسوف تُتَرْجَم لاحقًا في سجلّ المبيعات للشركة على الأغلب، في السوق الإسرائيليّة وفي الأسواق الخارجيّة. وللأسف، فالضرر قد حصل ولا عودة عنه حتّى لو سحبت الشركة دعمها عن "الأجودا"، لكنّ الضرر لن يُمْحى؛ فاستفزاز المجتمع المحلّيّ بالسجّادة المثليّة الحمراء "ليثور" بعضٌ منه كما هو متوقّع، فتتجلّى "طحينة الأرز" على أبواب الأسواق العالميّة، الّتي تطمح إليها كملاك طاهر ضحيّة في ذاته، وفادٍ للمثليّ الفلسطينيّ. وبينما تلمع علامتها التجاريّة على خلفيّة الرجعيّة "الشرقيّة" و"الإسلاميّة" المستفزَّة، بحماية "قوّات الأجودا" الإسرائيليّة، فما هذا إلّا ترويج تجاريّ بواسطة أرخص أشكال الاستشراق وأدناها. وبينما سوف تسجّل الشركة أرباحًا، وسترتفع أسهمها في الأسواق فعليًّا ومجازيًّا، يبقى المثليّ الفلسطينيّ وحده في مواجهة الهوموفوبيا المستفزَّة والمتأجّجة. وعلى الرغم من أنّ الضرر من ورائنا، ولا يمكن إعادة إصلاح ما حدث، إلّا أنّ تراجع شركة "طحينة الأرز" عن دعمها "للأجودا" ما زال مطلوبًا على الأقلّ؛ كي يحفظ المثليّ الفلسطينيّ ماء وجهه أمام العالم، ويحافظ على فخره بمجتمعه وبما أنجزه خلال عقدين من الزمن. أمّا عدم التراجع فما هو إلّا كسرة خاطر ومذلّة وازدراء للمثليّ الفلسطينيّ، ولصوته الواضح والأصيل المسموع بدون أيّ التباس، أو تأتئه في رسالة "القوس". 

(من هون وبشكل شخصي، بقول لـ "طحينة الأرز": برافو، بسّ وجّعتينا)!   

الواقع 4

الصفعة الّتي تلقيناها من شركة "طحينة الأرز" مدوّية، ليس فقط لأنّها تدعم "الأجودا"، الندّ اللدود للمثليّين الفلسطينيّين، بل لأنّها أيقظتنا على واقع من فراغ كبير، خلّفته وراءها المؤسّسات المثليّة الفلسطينيّة، فـ "طحينة الأرز" ليست الوحيدة الّتي توجّهت إلى "الأجودا"، إنّما العديد من المثليّين والمثليّات والمتحوّلين والمتحوّلات الفلسطينيّين، يتوجّهون إلى "الأجودا" وإلى مؤسّسات مثليّة إسرائيليّة أخرى، وتحديدًا إلى مؤسّسات الشبيبة، حيث إنّ المؤسّسات الفلسطينيّة ليست عنوانًا بالنسبة إليهم، وليس لها ما تقدّمه لهم. وللحقيقة والواقع، فإنّ المثليّ الفلسطينيّ الموجود في ضائقة حقيقيّة ليس له إلّا الشارع أو المؤسّسات الإسرائيليّة.

أمّا المؤسّسات المثليّة الفلسطينيّة بنمط عملها الحاليّ، فهي إمّا غائبة وإمّا عاجزة؛ فـ "أصوات"، على سبيل المثال، تفتقر إلى أبسط المقوّمات الإنسانيّة للتعامل مع المتوجّهين الموجودين في ضائقة، ورغم تحاملها الحاليّ على "الأجودا" وعلى الغسيل الورديّ، إلّا أنّها توجّه بذاتها مَنْ يتوجّهون إليها "للأجودا"، وأقول هذا بناء على تجربة شخصيّة من السنة الماضية، حاولت من خلالها مساعدة متحوّلة فلسطينيّة وجّهتها إليّ نسويّات إسرائيليّات، وادّعت هذه الفتاة أنّها توجّهت إلى "أصوات"، لكنّهم "رفضوها وسكّروا التلفون بوجهها"، فتوجّهت بذاتي إلى "أصوات" كي أستفسر عن الموضوع، فكان الجواب بأنّها "إنسانة صعبة، وكان يصعب التعامل معها"، وبالفعل لقد وجّهوها بأنفسهم إلى "الأجودا"، و"حتّى ‘الأجودا‘  ما قدرت تساعدها"، حسب أقوالهم ولتبرير عجزهم.

أمّا "القوس"، فهي أيضًا عاجزة عن دعم الأشخاص المثليّين الموجودين في ضائقة، وقدرتها على التدخّل والمساندة محدودة جدًّا. وخلافًا "لأصوات" الفجّة، فإنّ "القوس" تبرّر عجزها هذا بخيار وبقرار إستراتيجيّ للمؤسّسة، وأقول هذا أيضًا بناء على تجربة شخصيّة، وعلى محاولات تدخّل سابقة مشابهة للحالة أعلاه.

لكن في الوقت الّذي تعجز فيه "القوس" عن التدخّل ومساندة المثليّ الفلسطينيّ الموجود في ضائقة، إلّا أنّها لا تتوانى عن التحامل على المثليّين الفلسطينيّين المتوجّهين إلى المؤسّسات الإسرائيليّة أو العاملين فيها، بادّعاءات الغسيل الورديّ والأسرلة، وهي وصمة لا يريد "المثليّ الفلسطينيّ الحرّ" التلطّخ بها!

وقد تكون فترة عقدين من الزمن فترة تأسيسيّة، ولهذا الحراك إنجازات عديدة أيضًا لا أتجاهلها ولا أستهين بها. لكن لا يمكن لهذه المؤسّسات أن تعفي نفسها بهذه السهولة من المسؤوليّة، عن الواقع الّذي أخذت على عاتقها تغييره، وعن الفراغ الفعليّ الّذي خلّفته في حياة المثليّ الفلسطينيّ الّذي لا يتقن مناظراتها.

نقاط التفاؤل

صراحةً، أفضل ما حصل في هذا الموضوع هو الكمّ الكبير من الدعم الهائل للمثليّين، الّذي صدر عن العديد من الناس، ومنهم الشخصيّات القياديّة والاعتباريّة. وبشكل شخصيّ، أنا أعتزّ بكلّ مَنْ عبّر عن دعمه، وعن مناهضته لرهاب المثليّة بشكل علنيّ وواضح. أنتم فعلًا مَنْ يثبت أنّ مجتمعنا يستحقّ وبجدارة. أنتم المصدر الوحيد للفخر والعزّة في هذه القصّة، على اختلاف مواقفكم وآرائكم.   

بالنسبة إلى المتابعين لخطابات الكراهية الصادرة عن أشخاص عديدين (مثل معاذ الخطيب واخرون)، فصراحةً كلّي رأفة تجاه المثليّين في صفوف هذا الجمهور، بعضهم لم يسمع قطّ عن وجود للمثليّين أو لمؤسّسات داعمة لهم، وقد تكون خطابات الكراهية هذه بمنزلة صدع في جدار العزلة الّذي يعيشه المثليّ، إلى أن يكتشف أنّه ليس "الشاذّ" الوحيد في هذا العالم، وأنّ العالم مليء "بالشواذّ" من أمثاله.

على الرغم من نقدي الحادّ لِما جرى، لكن أعتقد أنّ جوهر السيّدة جوليا زهر، وجوهر الأشخاص القيّمين على شركة "طحينة الأرز" جوهر طيّب، وكلّي أمل في أن يتراجعوا عن هذه الخطوة.

دروس مستفادة وأمور يجب المباشرة في العمل عليها

أوّلًا: على قيادات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، ورجال الأعمال في القطاع الخاصّ، التعاون والمبادرة إلى إقامة صندوق عربيّ يعمل على استيفاء شروط سلطة الضرائب ومعاييرها؛ للحصول على تأشيرة الخصم الضريبيّ، حسب البند 46 من قانون ضريبة الدخل، ليجمع هذا الصندوق رأس المال المحلّيّ من القطاع الخاصّ، وتوزيعه على مؤسّسات المجتمع المدنيّ الصغيرة، الّتي لن تستوفي بقواها الذاتيّة المعايير للحصول على هذه التأشيرة.

ثانيًا: على المؤسّسات المثليّة الفلسطينيّة تدارُك الفراغ المتروك في الحقل. وهنا، يأتي دور الجمهور الواسع الداعم والمساند لهذه المؤسّسات؛ فالدعم والمساندة والتصفيق عن بُعْد لا تكفي، والتصفيق لكلّ شيء لمجرّد أنّه صادر عن مثليّ أيضًا لا يكفي. ثمّة حاجة ماسّة إلى النقد والمساءلة حول الإنجازات الفعليّة لهذه المؤسّسات، وما أنتجته خلال 20 عامًا. إضافة إلى أنّ ثمّة حاجة إلى التفاف جماهيريّ واسع حول هذه المؤسّسات؛ لتعزيز قدرتها على تطوير آليّات تدخّل ومساندة، للإجابة على احتياجات الأفراد المثليّين الموجودين في ضائقة، ولمساعدتها على تخطّي الفجوة، والتغلّب على التحدّيات السياسيّة الفعليّة الموجودة على أرض الواقع، الّتي تفرض على "القوس" - على سبيل المثال - خياراتها الإستراتيجيّة. وفي المقابل، على هذه المؤسّسات أن تقرّ بالضرورة والحاجة الإستراتيجيّة إلى تنوّع أنماط العمل؛ وهو ما يتطلّب منها أن تخفّف من هيمنتها، وأن تكفّ قبضتها ولسانها عن كلّ ما هو مختلف عنها.

منذ 20 عامًا مضت، شاركتُ في إقامة إحدى هذه المؤسّسات؛ لتأخذ بشكل جماعيّ ومؤسّساتيّ زمام الأمور، والعمل على إيجاد حلول واقعيّة ملائمة يمكن تحقيقها، لكن للأسف مضى 20 عامًا، وانشغلت فيها هذه المؤسّسات بأمور مهمّة عديدة، وكانت جميعها بعيدة كلّ البعد عن واقع المثليّين الفلسطينيّين الموجودين في ضائقة. وفي الواقع لم يبقَ لهؤلاء إلّا "الأجودا" ومؤسّسات أخرى شبيهة، وفي الواقع حتّى "الأجودا" وما شابهها، لا تضمن للمثليّ الفلسطينيّ الأمان وعدم الانزلاق إلى الشارع.  

وبدلًا عن هذه الصفعة المدوّية الّتي تلقيناها من "طحينة الأرز"، وهي كما قلت في البداية خطوة كان من المفروض أن نفرح ونعتزّ بها، لكنّها في الواقع كانت مؤلمة للغاية، بدلًا عنها، كنت أودّ لو أرى التفافًا من القطاع الفلسطينيّ الخاصّ، وعلى رأسهم شركة "طحينة الأرز"، ولفيف من قيادات المجتمع المدنيّ؛ لإيجاد حلول قابلة للتنفيذ، ولدعم متناسق ومتكامل يتلاءم مع احتياجات الشبيبة الفلسطينيّة الموجودة في ضائقة، على خلفيّة توجّهاتها الجنسيّة. فإلى جانب الضائقة النفسيّة، غالبًا تكون هذه الضائقة مادّيّة أيضًا؛ إذ قد يُطْرَد الفتى من البيت، أو قد يهرب منه، للابتعاد عن التنمّر والتعنيف، وقد يُحْرَم من مصروفه، أو من هاتفه، أو القسط الجامعيّ لمتابعة تعليمه، وغيرها من ضغوطات وعقوبات نفسيّة ومادّيّة تواجه المثليّين اليافعين في بداية طريقهم؛ وهو ما قد يكون له الأثر البالغ في حياتهم وفي مستقبلهم. وإلى جانب هذا، وعلى الرغم من كلّ ما قيل، فإنّ "الأجودا"، بالتأكيد ليست المكان الحريص على نشأة أبنائنا وشبابنا.