أسطورة التزايد السكاني وأبعاده البيئية





الموضوع البيئي كأي موضوع علمي أخر قد تُدحرج فيه النظريات العلمية لتتحول الى أساطير يتبادلها الهاوايين ويستغلها السياسيين لترسيخ أجندات سياسية – أقتصادية – أجتماعية محلية وعالمية تبعد كل البعد عن الحاجات البيئة الحقيقية.

يتطرق زميلي الصحفي عمر المنصور في مقالته النمو السكاني المتزايد واثره على البيئة، الى الأبعاد البيئية للزيادة المستمرة في عدد سكان العالم من حيث تزايد الطلب على الموارد البيئية بغرض تلبية الحاجات البشرية من مسكن وملبس غذاء وأماكن عمل وترفيه.

أوافق زميلي بتحليله للحالة البيئية الا أنني لا أتفق معه بالخلاصة الى "الحاجة لضرورة... وقف عشوائية زيادة السكان داخل المدن العربية التي تعاني انفجارا سكانيا هائلا..." وأود التنويه الى ما غفل عنه المنصور وهو تحليل القضية البيئية من منظور "أثر القدم الأيكولوجي" (Ecological footprint) حيث تختلف الرؤيا تماماً من هذا المنظور وتختلف معها التحديات وأستراتيجيات العمل والأجندات.

اولاً فلنبدأ بالأعتراف بحقيقة كون الكرة الأرضية مكان محدود لا يمكنه أستيعاب وحمل عبئ عدد لا متناهي من الأفراد. كل من يعيش على الكرة الأرضية يستهلك جزء منها، جزء من أرضها وجزء من مياهها وجزء من هوائها وجزء من نفطها... بالأضافة الى اجزاء أخرى من مواردها المتجددة والغير متجددة. حتى أن لم نمتلك هذة الأجزاء مباشرة الا أننا نتملكها ونستهلكها بأشكال عدة. في الشريط "قصة الأشياء" وفي والموقع الألكتروني The story of stuff يمكن تتبع عملية ولادة وموت ما نستهلكه من منتوجات.

على سبيل المثال أذا تتبعنا كرتونة الحليب في البراد والمسار التي سلكته من مصدرها الأول حتى وصلت الى فنجان "النسكافيه" فنجد أننا قد ربينا بقرة معينه على مساحة أرض معينة (ربما نصف متر مربع يكفي لها لتصطف في زريبة تكنولوجية مع أترابها من بقرات أخرى)، هذة البقرة تحتاج أن تأكل البرسيم الذي زرعناه على قطعة أرض معينة (فلنقل دونماً من الأرض) وحصدناه من أجلها على مدار سنوات، بالأضافة الى ذلك تحتاج البقرة الى حيز معين لأبعاد الروث عنها والى بئر من الماء لتشرب منها. عملية نقل البرسيم من الحقل الى الزريبة تحتاج الى عربة هذة العربة تحتاج الى مساحة من الأرض لتخصص كشارع او درب تسير به العربة بسلاسة، ناهيك عن العربات الحديثة وما تحتاجه من نفط الذي يحتاج أستخارجه وتكريره ونقله مساحات أضافية من الأرض بالأضافة الى كون هذة العمليات عمليات منوطة بما لا يقل عن ما سبقها من مساحات هواء وماء لعمليات التكرير والتبريد والنقل البحري.

ولنقل كبرت البقرة وماشاءالله عليها وأدرت الحليب. عملية تعليب الحليب، نقله، تخزينه، وتوزيعه كلها متعلقة اولاً بوجود مساحة من الأرض والهواء والماء تدعم هذة العمليات وتمكننا من القيام بها، جزء من هذة المساحات نستهلكها بشكل مستدام فمثلاً لا نحتاج الى بناء شارع جديد لكل علبة حليب لكننا نحتاج الى كمية أضافية من الهواء والماء لأنتاج كل علبة ونقلها من مكان الى مكان. وهكذا فأن جزء من هذة المساحات تستهلك بشكل دائم ومتجدد حيث أن بعضها تزودها لنا الطبيعة بدون أي حد مثل الطاقة الشمسية، وبعضها يتجدد بفعل دورات طبيعية للمواد مثل دورات الهواء والماء، وبعضها الأخر محدود وغير متجدد مثل النفط ومعادن مختلفة.

عمليا ما نقوم به من نشاطات حياتية بشرية يتم بفضل أخضاع هذة المساحات والموارد وأستهلاكها لدعم وتمكين عمليات الأنتاج والأستهلاك على جميع مراحلها واشكالها. "أثر القدم الايكولوجي" هو مقياس لتقييم حيز (مساحة وحجم) من الموارد الطبيعية التي نستهلكها في عملية أنتاج وأستهلاك وكب منتوج معين. وهكذا تختلف "أثر القدم الأيكولوجية" بحسب مسار عملية الأنتاج.

فعلى سبيل المثال أثر القدم الأيكولوجية لكأس حليب من بقرة الجيران، يختلف عن أثر القدم الأيكولوجية لكأس حليب مستورد ومعلب ومبرد بديمومة بأنتظار قدوم من ينقله من براد المصنع الى براد المستودع التجاري ومن ثم الى براد البيت ومن ثم ينقل ما بقي من رزم تعليب وتغليف الى مكب النفايات. ولا أهدف هنا الى حث كل منكم على تربية بقرة عند الجيران أنما المثال للتوضيح لا غير.

تختلف "أثر القدم الايكولوجية" من منتوج الى منتوج وكذلك تختلف من فرد الى فرد ومن دولة الى دولة ومن مجتمع الى مجتمع بحسب أنماط الحياة المختلفة. وأن نظرنا للعالم نظرة شمولية فنجد أن "أثر القدم الأيكولوجي" لسكان العالم هو 22 دونم للفرد، بينما ما تستطيع الكرة الأرضية تزويده للفرد الواحد في الوضع القائم هو 18 دونم فقط!!! ومن هنا تنبع الأزمة البيئية فنحن في حالة من الأفراط البيئي أي "مينوس البيئي" أو "environmental overdraft".

طبعا الى هنا أتفق وزميلي عمر المنصور ولفهم حثيثيات الحالة يمكن قرائة مقالته بتمعن. لكن الاكتفاء بالأسهاب بتفاصيل هذا الأفراط قد يؤدي بالبعض بالأستعجال الى الخلاصة الخاطئة وهي بأن المشكلة تكمن بعدد سكان الكرة الأرضية وأن ضبط عدد السكان هو الحل الكفيل بالحد من الازمة البيئية. بالأضافة الى ذلك قد تؤدي هذة الخلاصة الى تسارع المنتفعين سياسياً واقتصادياً لتوجيه أصابع الأتهام للدول "المتكاثرة" وللعائلات الكبيرة، والقليل من التروي ونظرة معمقة في التفاصيل الدقيقة تقودنا الى أستنتاجات مختلفة.

أولاً – بحسب الموديل المتبع لقياس "الأثر الأكولوجي" وبحسب المعطيات الموجودة، نحتاج اليوم الى ما يزيد عن كرتين أرضيتين ونصف لكي تستمر الحياة على الكرة الأرضية بشكلها المتعارف عليه اليوم وبالرغم من هذا ما زالت الحياة مستمرة!!! من هنا يمكننا الأستنتاج بأن بعض أفراد العالم لا تستهلك 22 دونم للفرد أو حتى 18 دونم للفرد، بل ان حاجاتنا الحياتية الفردية والجماعية هي مرنة والحيز الأكولوجي المطلوب لها هو مرن ايضاً.

ثانياً – لا بد من التساؤل كيف وصلنا الى هذا الأفراط البيئي (المينوس\overdraft)، من أفرط بأستخدام الموارد ومن حافظ عليها؟ اذا تعمقنا في القائمة المدرجة أعلاه نجد أن الأفراط البيئي يختلف من دولة الى دولة، فالأفراط البيئي الأمريكي هو 46- دونم للنسمة والهولندي هو 39- دونم للنسمة، بينما الصيني هو 7- دونم للنسمة والهندي 4- دونم للنسمة. لا يوجد اي شك بأن جميع دول العالم موجودة بحالة من الافراط البيئي وجميعها بحاجة الى ترشيد الأستهلاك، لكن يوجد فجوة كبيرة جداً بين الدول المختلفة بقدر الأفراط البيئي وهذا ينبع من نمط الحياة الأستهلاكي المتبع بكل دولة ودولة.

كذلك يختلف الأمر في المجتمع ذاته من عائلة الى عائلة. فعلى سبيل المثال العائلات عديدة الأولاد عادة ما يحتم عليها عدد أفرادها أعتبارات أقتصادية وأنماط أستهلاكية تؤثر على أثر القدم الأكولوجي لها ولأفرادها. فنجد أن العائلات الفقيرة تعتمد الغذاء الغير مصنع والغير معلب، أما العائلات الكبيرة ميسورة الحال وهي قليلة نسبياً وان توجهت الى الغذاء المصنع فقد تعتمد الكميات العائلية في الرزمة الواحدة وتكون أثر قدمها الأكولوجي اقل بكثير من العائلات الصغيرة ميسورة الحال التي تعتمد الوجبات الفردية المصنعة والمعلبة والمخزنة كوجبات صغيرة. وهكذا فغالباً ما نجد أن أثر القدم الأيكولوجي العائلي الشامل لعائلة العشر أفراد قد يكون أقل منه بكثير لعائلة الثلاث أفراد.

وبالرغم من هذا التفاوت الأ أن الكارثة البيئية الحاصلة والمنتظرة في آن واحد تنبع من التخوف من طموح وارادة كافة أفراد العالم على شتى أشكالهم بنمط حياه مشابه معادل وموازي لنمط الحياة الأمريكي والغربي. في هذة الحالة سنحتاج الى سبع كريات أرضية وربما أكثر، وبما اننا لا نملك غير كرة ارضية واحدة ووحيدة فأن كانت حاجتنا الى كرة أرضية أضافية واحدة أو الى خمس أو سبع فأن الحال واحد.

عودة الى مقالة عمر المنصور وتشحيذاً لرسالتها يمكننا القول ليس لنا من سبيل للحياه على الكرة الأرضية أذا اراد جميع سكان العالم وذريتهم الحياة بنمط حياة أستهلاكي موازي ومعادل لنمط الحياة الغربي ولمعاييره الحياتية. لكن هل يمكننا من هنا أن نستنتج أن قلة من البشر "مستغربة" بنمط حياتها الأستهلاكي (على وزن مستشرقة) سيكون لها من سبيل لحياة أفضل؟! ربما لفترة وجيزة من الزمن لكن سرعان ما ستعود جشاعة الأستهلاك الأعمى بظمأه الذي لا يروى وأتخامه الغير محدود لتقود البشرية الى المعضلات ذاتها.

وفي سياق معايير العدل الأجتماعي البيئي، ماذا تقول للهندي الذي يريد أن يعيش حياته برفاهية كما يعيشها الهولندي والأمريكي أو ربما الأسرائيلي حيث أن افراطه البيئي هو الأكبر، وهل من العدل أن يستهلك الأمريكي والهولندي وغيرهم مواردهم وموارد الأخرين بينما ينظرون ويروجون أدعاءاتهم المموهة والخاطئة ويلقون الأتهامات بدمار حاصل مقبل على من لم يأثم وعلى من لم يولد بعد؟! فهل نغفل عن ثقافة الأستهلاك ثقافة تستهلك الأنسان كما تستهلك الاشياء ونؤمن بخدع الأساطير والأوهام؟ّ وعلى أي من الأسس نبني ونخطط التنمية البشرية في البلاد؟ وهل الحل هو عملية الحد من السكان أم أن عملية الحد من السكان ستقود حتما الى تفاقم الأزمة البيئية حيث لا يكمن الحل في الحد من عدد السكان بل بالحد من ثقافة الاستهلاك!!!


c حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي - ناشطة أجتماعية حاصلة على اللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية وعلى اللقب الأول في علم الأحياء.

هل الحرية هي التي تقتل النساء أم الحرية هي التي تخلصهن؟

"الحرية الزائدة تقتل النساء" – هذا ما تدعيه أحدى قريباتي، لتعليل مسلسل قتل النساء الغير متناهي. "خروجهن للجامعات وتعاملهن مع الحرية بشكل خاطئ هو الذي يفقد الرجال عقولهم ويؤدي بهم الى قتلهن". الرسالة المبطنة لهذا الادعاء لا تربط القتل بالشرف بفهومه التقليدي، انما تربطه بالمفهوم السطحي لكل تصرف غير لائق للنساء. فأن "الخروج للجامعة والحرية الزائدة والعمل " هي اللتي تفقد الرجال عقولهم وتؤدي بهم الى قتل النساء. لكن ما تغفل عنه قريبتي هو ان النساء تقتل نتيجة العنف داخل العائلة ولا علاقة لتعليمها الجامعي أو عدمه بذلك وكذلك لا علاقة لعملها خارج المنزل أو عدمه بذلك. وتتفق معي قريبتي ان حالات العنف العائلي التي نعلم بتفاصيلها عن قرب، حيث للأسف الشديد تقع ضحيتها أكثر من واحدة من قريباتنا او صديقاتنا أو معارفنا، تؤدي في كثير من الأحيان بالنساء الى دفع حياتهن ثمن هذا العنف، ربما عمداً وربما بضربة خاطئة لم يقصد لها ان تكون قاضية.

وتتفق معي قريبتي بأنه في حالة لاسمح الله قتلت أي من قريباتنا أوصديقاتنا أومعارفنا فأن لا علاقة لذلك بأي شرف او حرية زائدة، والملوم الوحيد هو الزوج الذي من سؤ حظها أقترنت به والأفضل لها ان تبتعد عنه بأسرع وقت وأن تخرج من البيت اليوم قبل الغد. ولا تتفق معي قريبتي على أن الخمسين حالة قتل للنساء في السنة الأخيرة حدثت على خلفية مشابه، عنف داخل المنزل، وتصر على ان حالة قريباتنا وصديقاتنا ومعارفنا هم حالة الأقلية، وتصر ايضاً على أن الأغلبية لا بد وتصرفن بشكل مخالف للعرف والأخلاق أفقد الرجال عقولهم فقتلوهم. فمن نعرف تفاصيل وحثيثيات حياتهن فلا شبهة بشرفهن اما النساء عامة فمنتهكات وموصومات بقلة الشرف.

وبينما تصر قريبتي بأن الحرية الزائدة هي التي تقتل النساء فبأعتقادي أن الحرية الناقصة هي التي تقتلهن. فقريباتنا وصديقاتنا ومعارفنا نجون من موت عشوائي محتم بفضل قدرتهن على الخروج من قفص العنف القاتل. خروجهن ذلك تم بفضل قدر من الحرية توفرت لهن معنوياً ومادياً، ربما من عائلاتهم المقتدرة نوعاً ما أو من قدرات ذاتية لكن لولا القدرة على الخروج من قفص العنف الأسري التي تتوفر غالباً بفضل التعليم والعمل والأستقلال الأقتصادي ، لربما وجدن مصيرهن كالخمسين الأخريات التي لم يحالفهن الحظ بذلك!

كيف تدخل النساء الى هذا القفص وكيف تخرج منه، وهل الحرية الزائدة تدخلهم اليه والحرية الناقصة تخرجهم منه أم العكس تماماً؟!!!
تتخذ غالبية النساء قرار الزواج تحت ظروف قاهرة. فأولاً عليهن حسم الموضوع خلال السنوات الأولى لربيعهن العشرين، "فمع العمر تقل أحتمالاتهن وما لم تحظين به مبكراً لن تحظين به لاحقاً". ثانياُ تتخذ النساء قرارهن تحت ظروف اقتصادية قاهرة فأن 50% من المجتمع العربي يعيش تحت خط الفقر وال50% الأخرون بمقربة منه، وما بين 70-80% من النساء العربيات غير عاملات بكلمات أخرى ليست لديهن أي أمكانية لحياة أقتصادية مستقلة فأما تكون عبئ على العائلة المنهكة أقتصادياً أو تكون أسيرة الزواج الذي قد يتحول بكابوسٍ الى قفص ودوامة عنف لامتناهية.
ظروف أقتصادية بأمكانها أن تأخذ من المرأة حريتها وظروف أقتصادية بأمكانها ان تعيدها اليها. عدم أستقلال المرأة أقتصادياً يقلل من حريتها ومن أمكانيات اختيارها ويزيد من أحتمالات أسرها في قفص العنف الأسري. أما النساء اللتي "عندهن ظهر" أي عائلة تدعمهن معنوياً وأقتصادياً أو النساء التي "تصب أياديهن على رؤوسهن" أي يوجد لديهن أستقلال أقتصادي يمكنهن من حياة مستقلة نوعاً ما فأحتمالاتهن للنجاة بحياتهن تزيد عن أولائك المعدومات.
وتكتب د. منار حسن في أحدى مقالاتها عن دور "القيل والقال" في التمهيد للقتل، فتقتل النساء وتدعين أخريات بأنها الحرية – فتحولن الحرية الى عار والجريمة والأسر الى شرف - فهل هي الحرية التي تقتل النساء أم الحرية هي التي تخلصهن؟!

© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي - محاضرة ومستشارة في مجالي التنمية المستدامة والجندر، حاصلة على اللقب الأول في علم الأحياء واللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية.