الناصرة المدينة الباقية - تغييرات ثقافية وعمرانية في الحيز المديني للناصرة

نشر في العددان السابع والعشرون والثامن والعشرون لمجلة مدى، يوليو 2016.

أطرح من خلاله تصويرًا واصفًا (portrait) تظهر من خلاله الناصرة مدينةً صغيرة، تلائم وصف زيمييل (1903) للمدن الصغيرة. خلافًا لوصف فيرت (1938) للمدن الكبيرة التي تتميز العلاقات بين سكانها بكونها عشوائية، قصيرة، متقطعة، ثانوية وغير شخصية، ترمي إلى هدف عيني قصير الامد وتنتهي عند انتهائه، العلاقات في المدن الصغيرة هي علاقات شخصية، يسودها الشعور بالألفة ومعرفة الآخرين وإن لم تجمعهم معرفة سابقة أو علاقة مباشرة. "الناصرة شبكة" هو الوصف الدقيق والشائع للسكان فيالمدينة لشكل العلاقات التي تجمعهم، وهو يتطابق مع وصف زيميل للمدن الصغيرة. بالإضافة، سأعرص الناصرة كمدينة منكوبة، لم تتلاءم روايتها مع الوراية الفلسطينية الجماعية، التي اقتصرت على نموذجي "الفلاح" و"اللجئ"، وقد يكون هذا ما يفسر خيار الباحثين بتجاهلها وعدم التعاطي معها على مدار عقود طِوال.
---
المقال الكامل تجدونه هنا.

العدد الكامل لمجلة جدل هنا.

مجموعة اختيار تنشر نصوص للكاتبة أودري لورد بالعربية

داخل كل منا هويات مختلفة؛ تتقاطع وتتعارض، وقد يسلط الضوء على إحداها بينما تخفى وتهمل هويات أخرى ويتم تجاهلها.

تقول أودري لورد "لا يوجد نضال أحادي، لإننا نعيش حيوات ذوات قضايا متعددة".

من أجل التفكير في الأوجه المختلفة لهوياتنا وفكرة الهوية، واختلافاتنا، وتقاطعية، وتراتبية الهويات والقهر، تنقل مجموعة اختيار عدة نصوص إلى اللغة العربية للكاتبة والشاعرة والناشطة النسوية أودري لورد، تجدونها على موقع المجموعة هنا.

بين الهويات الطائفية والاجندات الطائفية


مقدمة

أفتتح العام الدراسي 2015-2016 في الداخل بإضراب المدارس الاهلية\الخاصة احتجاجًا على تقليص الميزانيات الحكومية المخصصة لهذة المدارس على مدار ثلاث سنوات بنسبة ما تقارب ال70% من مستحقاتها مقارنة بالمدارس الاهلية\الخاصة الإسرائيلية. وقد اثار اضراب هذة المدارس حفيظة البعض من حيث الإسم الذي تداوله الاعلام الرسمي والاجتماعي في وصف هذة المدارس بالمدارس المسيحية.

للمدارس العربية الاهلية\الخاصة (المسيحية) في البلاد تاريخ طويل، بعضها يعود تاريخها الى الفترة العثمانية وبعضها اقل، وحتى النكبة شاركت هذة المدارس هذا التاريخ مع المدارس الاهلية\الخاصة (المسيحية) في الدول العربية المجاورة، فمدارس الفرنسيسكان على سبيل المثال وجدت في كل من لبنان والاردن وفلسطين ومصر وسورية والعراق.

على مدار سنوات اعتاد فلسطينيي الداخل على الاسم "مدارس اهلية" او "مدارس خاصة" للأشارة الى هذة المدارس، وبالرغم من الاسماء المسيحية البارزة لكل منها: "الكلية الارثودكسية" او "كلية مار الياس"  او "راهبات مار يوسف" او "المعمدانية" او "الاكليريكية" او "راهبات الناصرة" او "راهبات المخلص" او غيرها، وبالرغم من التبعية الكنسية الواضحة لهذة المدارس الا انها لم تكن مركزية في التعامل معها، وخدمت هذة المدارس ابناء المجتمع الفلسطيني من كافة الطوائف وعرفت على مدار السنين كمدارس اهلية وكمدارس خاصة وليس كمدارس مسيحية.

لن اتوسع هنا في المهمة التربوية وفي الدور الاجتماعي الذي لعبته هذة المدارس في حياة المجتمع الفلسطيني في الداخل بعد النكبة، كما ولن ادخل في الادوار والمواقف السياسية لكل من هذة المدارس فهي تختلف فيما بينها، وسأكتفي بالقول انه في حين تقاعست الحكومة عن الإستثمار في المدارس العربية، اخذت المدارس الاهلية على عاتقها مهمة انشاء اجيال مع تحصيل علمي عالي نسبيا يمكنهم من الالتحاق في الجامعات وباتت هذة المدارس تنافس افضل المدارس الإسرائيلية وبعضها ترأس لسنوات قائمة افضل المدارس في إسرائيل.

اضافة الى المدارس الأهلية\الخاصة "المسيحية"، قامت في العقدين الاخيرين مدارس عربية بديلة (مدرسة حوار في حيفا، ومدرسة مسار في الناصرة، ومدرسة اهلية اسلامية في الرملة واخرى في اللد)، وهي ايضًا مدارس اهلية\خاصة الا انها تتبع لجميات اهلية مستقلة ويختلف تاريخها كليًا من حيث حداثته ومن حيث خصوصيته عن السابقة، وتعاني هذة المدارس من قضايا مختلفة عن ما تعانيه الأولى.

من هنا فإن اضراب المدارس (في مرحلته الاولى) اقتصر على المدارس الاهلية "المسيحية\الكنسية"، حيث ان الأجندة الحكومية التي ضربت هذة المدارس هي اجندة عنصرية-طائفية، ضربت المدارس الاهلية "المسيحية" خاصة وليس الاهلية العربية عامة، وخلال هذة الأزمة والاضراب ظهر اسم "المدارس المسيحية" في الإعلام الرسمي التابع لاجندات سياسية  كما وفي الإعلام الإجتماعي المُسيس منه والعفوي، في حين تنوعت التسميات في الإعلام العربي المحلي.

تساؤلات يثيرها الجدل الداخلي حول الحاق الأسم "مسيحية" بما عُرف حتى اليوم بالمدارس الأهلية\الخاصة

الى جانب ارتباط الإسم بشكل مركب ومباشر مع اجندة طائفية تستهدف المجتمع الفلسطيني، إلا ان الجدل الداخلي حول الحاق الاسم "مسيحية" بالمدارس الاهلية  يثير السؤال حول قدرة النضال الوطني والهوية الفلسطينية الشاملة على استيعاب كافة الهويات التي تركب المجتمع الفلسطيني. فهل قضية الاوقاف الاسلامية مثلا (التي انتقلت من ادارة الدولة العثمانية الى ادارة سلطات الانتداب ومن ثم الى ادارة الدولة الصهيونية التي تُهملها ولا تستثمرها في الصالح العام) تتحول الى قضية طائفية لمجرد الحاق الاسم "اسلامية" بها، ام ان التسمية هي جزء من تعريف القضية ومن دلالاتها التاريخية والدينية ولا يفسد الإسم من وطنية القضية التي تعني كافة الفلسطينيين مسيحيين كانوا ام مسلمين؟

هل النضال الوطني باستطاعته احتواء وإستيعاب كافة الهويات الموجودة فيه، ام انه نضال ركيك تهدده هويات الأقليات الطائفية؟ وإن كانت الهوية الفلسطينية مهددة من هويات الأقليات التي تركبها، فربما من الاجدر بنا مسائلة الهوية الفلسطينية ومسائلة النضال الفلسطيني الجامع وعدم الهروب من هذة المسائلة الى الغاء الهويات الطائفية للأقليات، فإسقاط الطائفية السياسية على الهويات الطائفية المسيحية او الدرزية او غيرها (كأنها حتما اجندة سياسية نقيضة للوطنية القومية) ما هي الا بمثابة تخوين وتكفير سياسي وطني قومي.

من مظاهرة المدارس الاهلية امام المكاتب الحكومية في القدس
ومن الواضح ان الطائفية والهويات الطائفية تهدد الهوية الفلسطينية وتهدد النضال الفلسطيني القومي الجامع، والا فلم يكن هذا الجدل ليُثار، فإزاء ذلك هل نقوم بالغاء هذة الهويات وقمعها للحفاظ على الهوية الجامعة، ام نقوم بتعزيز الهوية الجامعة وتقويتها لتستطيع احتواء جميع الهويات دون ان تكون مهددة منها؟

هل يجب ان نصل الى وضع نقول فيه "انا فلسطيني مسيحي وافتخر" على غرار "انا عراقي مسيحي وافتخر" او "انا سوري مسيحي وافتخر"، ام انه من المفهوم ضمنا وجود مسيحيين عرب وهويتهم الطائفية ليست حتما اجندة سياسية طائفية وليست تهديد على شمولية القضية الوطنية؟

وللنهاية لا بد ان اقول انه منذ صغرنا ربينا على مقولة: الدين لله والوطن للجميع، واتسأل اليوم منذ متى صار الدين نقيض الوطن والوطنية؟! اليس هذا بذاته تذويت للطائفية؟! الهوية الجماعية العامة والشاملة مهمة جدا لكن من الأصح ان تتعايش هذة الهوية مع باقي هويات افرادها المختلفة وليس ان تمحيها وتضطهدها او تقمعها لتوحد صفوفها فتمحي معها التنوع الثقافي والحضاري للجماعة وللمنطقة. الإنتماء الطائفي ليس بالضرورة طائفية سياسية، وان  اساءت "الوطنية السياسية" التعامل معه سيكون مصيرنا السياسي طائفي حتمًا.

الهويات مركبة وليست احادية سطحية، وهي داخليه تنبع من داخل المجتمع ونعتز بكل الهويات والطوائف الموجودة فيه، ام الأجندات السياسية الطائفية فهي اجندات خارجية تسقط علينا من الخارج وتعمل بمبداء فرق تسد. فهل نواجه الموضوع من خلال الغاء التنوع الطائفي الموجود وكبته، ومن خلال قمع الأفراد تكفيرهم تخونيهم وترهيبهم (ان رفعوا علم اصفر ابيض)، ام من خلال التعامل مع كل طائفة كمركب عضوي في المجتمع يستطيع المجتمع باشمله استيعابها واحتوائها؟ هل ممكن بناء تضامن اجتماعي ولُحمة اجتماعية وطنية شاملة بين افراد من ديانات مختلفة ام ان ذلك مستحيل فنلجاء الى اخماد هذة الهويات والتغاضي عنها وكبتها لانها تهدد سلامة المجتمع وسلامة الوحدة الوطنية؟!

ولا يوجد لدي جواب واحد، فنعم التعامل مع هذة المدارس كمدارس مسيحية هو جزء من اجندة سياسية طائفية، وعلى الأغلب ان يكون هذا هو الجواب الصهيوني لمواقف الفاتيكان المتقدمة حيال القضية الفلسطينية، لكن الهوية المسيحية هي جزء من الهوية الوطنية ورفض هذة الهوية وكبتها والتعامل معها كأنها اساءة وطنية ما هو الا طعن في النضال الوطني لإضعافه وتحويله الى نضال طائفي فئوي، وإن كفلسطينيين هددتنا الهوية المسيحية العربية باعلامها البيضاء والصفراء فالأفصل بنا مراجعة الهوية الفلسطينية. 

المثلية وفن الشارع في فلسطين

منذ فترة لم يعصف بي عمل فني واحد بهذا القدر من الافكار. في النظرة الاولى تسآئلت حول الألوان وهل يقصد من رسمها الالوان الستة للعلم المثلي؟ لأنها إن كانت كذلك فهي تبدو كمحاولة غير ناجحة، ويبدو ان من رسمها اختلط عليه الترتيب بين الأصفر والأخضر في العامود الثالث، كما وليس واضح ما هو هذا اللون القاتم في العامود الرابع؟ هل هو اسود ام اخضر ام انها محاولة فاشلة لتصحيح خطاء ما؟ ولماذا الأن؟ حيث يتزامن هذا العمل مع احتفالات تقنين زواج المثليين في الولايات المتحدة فهل هو تضامن مع المثليين في الولايات المتحدة؟ ام انه تضامن مع المثليين عامة لا علاقة له بالولايات المتحدة؟ هل هو احتجاج على الاحتفالات فيأخذ منها الأضواء ليلقيها على الجدار؟ ام انه مجرد تعبير فني محلي عن وجود مثليين ومتضامنين مع المثليين في فلسطين خلف الجدار؟ 
من الحرية بقيت حر

وإن اعتقدتم ان هذة الأسئلة كافية لتغمركم بالأفكار فربما من الأفضل ان تتأنوا قليلا. فها هو هذا العمل الفني الغير واضح، يكسر اساسا "النظام المثلي" برموزه وألوانه فيخلط بين الأصفر والأخضر، ويخترق العلم بالأسود، ويُنتج منه شيئ أخر تمامًا يرمز الى المثلية لكنه ليس بمثلي حقًا، بالوانه يكسر المثلية النظامية ويفرض عليها "الشذوذ" عن ذاتها. بالأضافة فإنه يفرض ذاته على كلمة حرية في الجرافيتي الشهير للقائد الأسير مروان البرغوتي بالقرب من حاجز قلنديا كأنه يقول "الحرية ناقصة ان لم تكن كاملة"، فيقطعها ويبقي منها كلمة حر فقط، ذكورية بدون حرية، وبالإنجليزية ايضا تبقى كلمة فري بدون فريدوم. وهذا بذاته اثار حفيظة البعض دون اي علاقة برهاب المثلية، وربما واقع الأمر انه خليط من الاثنين معًا. فبشكل او بأخر اعتدنا على جرافيتي "البرغوتي والحرية" في حاجز قلنديا وباتت جزء من المشهد العام الذي يرافقنا ذهابًا وايابًا، وجاءت هذة الألوان صادمة كأنها تقول لنا: لا تتعودوا على هذا الجدار ولا على الجرافيتي الموجودة عليه، او انها تقول: انظروا انه جدار لقد اعتدنا عليه وربما نسينا ذلك.

العمل دائم حتى لو دهن بالابيض
ومن الاجدر لو يقوم هذا العمل بإستفزازنا، نعم ليذكرنا بأننا احياء. ليقوم بإستفزازنا فنقوم بهدم الجدار. إلا انه في الواقع استفز حقًا شبابنا "الحمشين"، الذين شعروا بتهديد على رجولتهم وجنسانيتهم، فاستشاطوا غضبًا وقاموا بذات الليلة بدهن العمل بالأبيض بدل من أن يهدموا الجدار. وبهذا بحسب رأيي اكتمل العمل، فطبيعة الجرافتي هي فن الشارع الذي يدعوا الجميع الى اخذ دور فعال والمشاركة به. فكما تفاعل جرار مع الحيز العام وعبر عن ما يجول بخاطره من امور من خلال "فن الشارع" تفاعل الشارع معه بحق، وقام الشباب "الحمشين" بالتعبير بدورهم عما يجول بخاطرهم كحوار فني ربما بينهم وبين جرار وهو افضل تعبير عن الواقع. وحتى لو قام هؤلاء الشباب بدهن الجدار بالأبيض في ذات الليلة فلا يروا الألوان ولا يراها الأخرون، الا ان العمل بكليته بات تعبيرا صادقا عن حال الحرية في فلسطين. وبالرغم من اللون الأبيض تبقى بصمة جرار واضحة كصدى يصدح في فضاء الحاجز يشق الجدار ويذكرنا ان الحرية غير موجودة وان الأبيض يبقى ليحجب عنا باقي الألوان.  

بعض الكلمات عن النضال المثلي بعيدا عن فن الشارع وعن عمل جرار  

لمن تابع الشبكات الأجتماعية في اليومين الأخيرين، قد لاحظ انه باعقاب تقنين زواج المثليين في الولايات المتحدة انتشرت على الشبكة شريحة بالوان العلم المثلي. وبشكل عفوي قام الكثير من المتضامنين مع المثليين عامة باضافة هذة الشريحة الى صورة البروفايل بعضهم احتفالًا بإنجاز المثليين القانوني في الولايات المتحدة وبعضهم تعبير عن تضامن عام.

بالرغم من كل شيء هذا مشهد لا يمكن الإستخفاف به
التضامن مع الاقليات المقموعة بحد ذاته هو خطوة مباركة ومهمة جدًا لكن في هذة الحالة يجب التعامل معها بحذر لعدة اسباب. اولًا، داخل الحركة المثلية ذاتها هناك تحفظ من زواج المثليين، فالبعض يرى فيه خضوع لإدارة الدولة للشؤون الشخصية، والبعض الأخر يرى فيه خضوع لمؤسسة محافظة قامعة بجوهرها ولا يروا به اي مسار تحرر. بالإضافة الى هذا، النضال المثلي كغيره من النضالات الحقوقية للأقليات المقموعة موجود في توتر دائم بين الحفاظ على الخصوصية وبين العولمة والهيمنة الثقافية لثقافة واحدة امريكية. فمن ناحية نضال المثليين من اجل التحرر من القمع هو نضال عالمي، لانه من الاساس تمت عولمة القمع (وعولمة رهاب المثلية)، لكن إن كان هذا التحرر "تحرر معولم" فيجب ان نتسائل ان كان هذا تحرر فعلا؟ فهل نتحرر من القمع بدخولنا الى قالب عالمي واحد؟!

من هنا فإن التعبير الجارف عن التضامن مع المثليين من خلال الاحتفاء بالإنجازات الليبرالية للمثليين في الولايات المتحدة هو امر اشكالي نوعا ما. الى جانب هذا يجب ان لا نستهين بالمشهد العام وباهمية الشرعية التي يضفيها هذا الاعتراف على المثليين عامة. ربما الرادكاليين منا لا يروا بهذا انجاز حقيقي يحتفى به، بل ويروا به خسارة فهو يشيع الوهم بين الناس، لكن هذا هو حال التغيير الإجتماعي فهو اشبه ببستان محاط بجدار من كافة الجهات، يأتي الراديكاليون فيهدموا الجدار يأكلو بعض من ثماره ويذهبوا ليتابعوا البحث عن جدارن اخرى ليهدموها فهم لا يستريحوا لأنهم يعلمون ان مشروع التحرر لا يكتمل الى ان تهدم كافة الجدران. ثم يأتي الليبراليون، يدخلوا الى البستان يأكلوا الثمار، يتمتعوا بها ويجلسوا ويطيلوا الجلوس فهم يحبوا ان ينعموا بالملذات الموجودة ويخرجوا منه فقط عندما تقارب الثمار على الانتهاء، ويبقى المحافظين داخل البستان يأكلوا ما تبقى من ثمار بعضها فسدت ويرفضوا الخروج منه ويدافعوا عنه حتى وإن ماتت الأشجار ولم تقوى بعد على حمل الثمار. وهكذا هو النضال المثلي على اعلامه ورموزه. فما كان منه راديكاليا في سنوات السبعين بات في لب المينستريم في سنوات التسعين وعم صفوف المحافظين في سنوات الألفين، فهل يعني هذا ان النضال لم يحرز انجازات؟! قطعا لا. لكن من الواضح انه لم يستوفى ذاته فالبوصلة الراديكالية تشدنا دائما نحو خطوات اضافية لنسير بإتجاهها الى ان تسقط كافة الجدران.

عودة الى عمل جرار لا يسعني إلا ان اقول هنيئا على هذا العمل المثير للجدل الذي يعكس الصورة المركبة للواقع الفلسطيني بتفاعل تام مع الشارع وبأصدق ما يكون، ليس هناك افضل من هذا العمل حتى الأن للتعبير عن هذا الواقع.

بكل بساطة رائع.




اولاد اليمن


"لا يُعقل انه هنا في دولة اليهود هذا ما يصنعه يهود ليهود"، بهذة الجملة افتتحت السيدة نعمة كاتي عن مؤسسة عمرام الأمسية التي عقدت في حيفا بالأمس لذكرى "اولاد اليمن". ولغة المضارع التي تتحدث بها السيدة كاتي ليست صدفة فالتعتيم على الموضوع، تسكير الأفواه واغلاق سجلات الدولة امام كل من يحاول تقصي الحقائق والبحث في الموضوع ما زال مستمر الى اليوم.

"اولاد اليمن"، هذا هو الاسم الذي يطلق في اسرائيل على قضية خطف الاطفال من العائلات اليهودية اليمنية، التي هاجرت الى البلاد في سنوات الخمسين، لتتم تنشئتهم في عائلات يهودية من اصول اوروبية. الأمر لا يقتصر على العائلات اليمنية فقط، لكن هناك من يدعي انه لا توجد هناك عائلة يمنية واحدة لم يخطف منها اطفال، بعضهم خطف منهم اكثر من طفل واحد، اما حالات خطف الاطفال من عائلات من اصول أخرى فقد كانت قليلة نسبيًا وحدثت باشكال وباماكن متفرقة. 


بيوت الاطفال التي جمع فيها الاطفال للرعاية وكانت احدى محطات اختفاء الاطفال

قضية "اولاد اليمن" في اسرائيل والتي فُضحت في سنوات التسعين، هي قضية مشابهة لعدة قضايا في العالم في دول قومية سعت الى التحسين العرقي. فهناك على سبيل المثال قضية خطف اطفال السكان الاصليون في كل من كندا والولايات المتحدة الامريكية واستراليا وارسالهم الى مؤسسات تربوية ودمجهم عن طريق التبني والزواج من عائلات اوروبية. في هذة القضايا لعبت الكنيسة الكاثوليكية كما ومؤسسات تبشيرية اخرى دور لا يستهان به حيث كانت هي المفوضة والمسؤولة عن المؤسسات التي استقبلت هؤلاء الأطفال وعملت على "تهذيبهم". كذلك الأمر مع اطفال الأرمن في الدولة العثمانية حيث تم نقلهم الى عائلات مسلمة، وفي اسبانيا الدكتاتورية في فترة حكم فرانكو حيث تم التنكيل بالنساء من المجموعات المعارضة وخطفت اطفالهم. بالاضافة الى قضية مشابهة في روسيا في فترة ستالين تعرف باسم "ابناء الجليد"، واخرى في رواندا، وكذلك في كوبا في السنوات 1960-1962 حيث خطفت الولايات المتحدة الامريكية الاطفال من العائلات الكوبية بشكل ممنهج بهدف كسر شوكة كاستروا وضرب المجتمع الكوبي.

ما يميز كافة هذة القضايا هو انها ظاهرة مرافقة لنشوء الدول القومية، وعملية خطف الاطفال تمت في مجموعات ثقافية بوجودها هددت الهوية الثقافية للدولة. واليوم تعتبر هذة القضايا كجزء من عملية ابادة ثقافية لمجموعات ثقافية "غير مرغوب بها".

الابادة الثقافية ليهود اليمن في الدولة الصهيونية، "دولة اليهود"، في سنوات الخمسين لم تقتصر على خطف الاطفال فقط انما رافقتها عمليات احتيال وسرقة للمتلكات الخاصة من كتب تاريخية ومخطوطات يدوية حفظتها الجالية اليهودية لأكثر من الفي عام، تم الاستيلاء عليها من قبل مؤسسات الدولة وتم ايداعها في مخازنها بينما اُشيع خبر احتراقها كحادث مأساوي في الباخرة التي نقلتها. بالإضافة الى هذا تم الاستيلاء على حلي ذهبية ومجوهرات كبيرة الحجم ومزخرفة اشتهر بها يهود اليمن ويعود تاريخها ايضًا الى مئات السنين او اكثر، وقد قيل لهم على متن الطائرة التي اقلتهم للبلاد انه لا يجدر بهم اصطحاب الذهب الى "ارض الميعاد"، فهو اشبه بعجل الذهب الذي عبده اليهود التأهون في صحراء سيناء ويجب التخلي عنه، والمرأة التي لم تتنازل عن حليها بإرادتها تم اخذها منها بالقوة.  

الجملة التي أفتتحت أمسية الامس "لا يمكن ان نصدق انه هنا في دولة اليهود، يهود يصنعوا هذا ليهود"، بصيغة المضارع لا تعبر الا عن حالة إنكار عميقة. إنكار للواقع، فإما ان اليهود ليسوا يهودا او ان الدولة ليست "دولة اليهود" كما تصورها الصهيونية، وكل الخياريين لا يستطيع غالبية من جلس في القاعة بالامس التعايش معه.  

وبينما اتماهى مع جملة "كل ما اريده هو ان تعود اختي للبيت" الذي يطلقها احدهم بعفوية من بين الجمهور، لا يمكنني تجاهل العلاقة المركبة بيني انا، ابنة عائلة فلسطينية ناجية من تطهير عرقي مستمر يتم من قبل نفس المؤسسة، الدولة الصهيونية، وكل ما اريده هو ان ارى اللاجئين الفلسطينيين عائدون الى بيوتهم بين ذويهم، وبين مجموعة ثقافية عرقية احضرتها هذة المؤسسة الى البلاد كجزء من عملية التطهير العرقي هذة بينما تقوم في ذات الوقت بالأنقضاض عليها بهدف إبادة ثقافتها ومحي هويتها لتتطابق مع النموذج الاوروبي للدولة ومع هويتها الاوروبية. والعلاقة التي تربط الفلسطينيين مع يهود اليمن هي علاقة معقدة لا بد لنا من التعامل معها بعمق كي نفهم مدى التحديات والإشكاليات التي تقف امامها. فبالرغم من ان الفلسطينيين كما يهود اليمن هم ضحايا لذات الفكر والنهج الصهيوني، الا ان امكانية التضامن ما بين الفئتين هو امر شبه مستحيل. فيهود اليمن بغالبيتهم اليوم هم من انصار اليمين الاسرائيلي، حيث ان عملية الابادة الثقافية تمت في حينه على يد المباي، اي اليسار الاسرائيلي الذي تحول فيما بعد الى حزب العمل. من هنا فإن التنافر القسري بين يهود اليمن وبين اليسار الاسرائيلي والذي ينبثق عنه بشكل تلقائي تنافر مع العرب الفلسطينيين هو امر حتمي لا مفر منه.

وليس هذا لاي سبب خاص بالفلسطينيين او بعلاقة ما مباشرة بين الفلسطينيين ويهود اليمن بل لمجرد انه: ان تكون يمينيا في اسرائيل معناه ان تعادي العرب وأن تعادي الثقافة العربية وكل ما يأتي منها وأن تزدريها وتحتقرها ليسهل عليك اقناع ذاتك باخلاقية احتلالهم فأنت الأنسان المتنور تحضر لهم "الحضارة" وتأخذهم من الظلمة الى النور. وللمفارقة هذا هو ذات السبب الذي ادى الى إبادة ثقافة يهود اليمن.  

لكن حديث السيدة كاتي في بداية الامسية بلغة المضارع يشير الى ان حكومات اليمين واليسار المتعاقبة في الدولة كلها تتابع التعتيم على الموضوع بدون اي اختلاف بينهم. اي ان اليسار واليمين متورطون معًا في هذة الجرائم وفي التستر عليها، وهم يسيرون في ذات الطريق بدون اختلافات جذرية بينهم. وهذا ما لا يستطيع يهود اليمن في البلاد استيعابه او تقبله او التعايش معه. فاليسار الصهيوني في اسرائيل في نظرهم هو هو يسار فاشي، لكن اليمين الصهيوني ايضا هو صورة طبق الاصل عنه بتعديلات خفيفة ليست جوهرية. وموقف اليمين الصهيوني ليست افضل حيال العرب ولن تكون افضل حيال يهود اليمن كمجموعة ثقافية. فالدولة الصهيونية وإن شائت ان توهمنا انها "دولة اليهود" الا انها ليست كذلك، والا كيف نفسر ان تقوم "دولة اليهود" بإبادة ثقافية ليهود اليمن وبدحر ثقافة يهودية حُفظت لأكثر من الفي عام واندثرت على يد الصهاينة؟!


---------------


وما اشبه الصهيونية بداعش، حركة ظلامية بحتة، تعمل على الابادة الثقافية للبلاد ولسكانها ولتاريخها بدون اي فرق بين يهودي، مسيحي، مسلم سني او شيعي، يزيدي، آشوري او اخر.

وقد يتسائل البعض لماذا اكتب عن يهود اليمن ضحايا الصهيونية وهم موالين لها؟
وعلى هذا اجيب: لانه مسار التحرر يجب ان يكون مسار كامل، والتهاون في حرية فئة معينة يجر تهاون في حريات الفئات الاخرى ويُسّهل على المؤسسة المراوغة والسيطرة. وهكذا ينتج وضع فيه يهود اليمن بغالبيتهم مواليين لاحزاب اليمين اللتي تكره الثقافة العربية وتزدريها بشكل معلن، بينما هم بذاتهم يهود عرب وثقافتهم اللتي اُبيدت هي ثقافة عربية.

والحرية لا تُنجز إلا بالتضامن بين كافة الفئات المقموعة، وإلا فإن فئة معينة ستستعمل كحربة لمحاربة فئة أخرى.