تعلمت ان احب رجال اروما بعد ان زرت قهوة ابو سالم - تجليات النكبة في سوريالية الناصرة

اروما هي شبكة مطاعم-قهوة سريعة تشبه بطابعها شبكة Starbucks العالمية. تتميز بتحضير الأكل السريع، 50% من مبيعاتها او ربما اكثر Takeaway، وتعتمد على الخدمة الذاتية self-service

الناصرة لخصوصيتها السياسية والاجتماعية تحدث فيها مشاهد سوريالية يومية والمشهد في اروما نتسيريت عيليت هو احدها. لأنعدام القهاوي الشعبية في البلد مثل قهوة ابو سالم في سوق الناصرة القديم، ولانعدام التجارة والحركة الشعبية في السوق فالسوق "ميت" واغلب حوانيته مغلقة منذ العام 2000، انتقلت الحركة الى المراكز التجارية الحديثة، المجمعات التجارية او المولات. انشأت هذة المولات على الحد الفاصل بين مدينة الناصرة وبين المدينة الاسرائيلية نتسيرت عيليت التي انشأت عام 1956. بينما تتبع هذة المولات لنتسيرت عيليت يأمها الجمهور الجمهور النصراوي الذي نزح عن سوق الناصرة تحت وطأءة ظروف سياسية-اجتماعية لن اخوض فيها هنا.

خلافًا للأسواق الشعبية تتميز المولات بملكية خاصة لمساحة كبيرة يفرض خلالها مالك المول الطابع الثقافي والفيزي والمناخي للحيز. الموسيقى ودرجة الحرارة وتصميم الواجهات كلها تتم بتناسق مع توجيهات المالك العام. عادة ما تقام هذة المولات بابنية كبيرة مغلقة تماما الى الخارج، بدون شبابيك او مداخل غير المداخل الرئيسية، ومفتوحة تماما الى الداخل، ابواب حوانيتها زجاجية تؤمن رؤيا قصوى للناظر الى الداخل. بتصميمها الهندسي توجه هذة المولات روادها للتمحور بتجربة مركزية واحدة وهي تجربة الشراء. بالاضافة، تُحكِم المولات السيطرة على المكان وتصادر الحيز العام من رواده فيتحول "السوق" الى ملك خاص لصاحب المول وكل ما يحدث داخله منوط باشرافه وبشروطه. بعض هذة المولات مفتوحة تتوسطها مواقف سيارات والجالس في شرفة المقاهي فيها يجلس امام موقف سيارات شاسع يتأمل السيارات الوافدة الى الموقف والخارجة منه. 

اروما نتسيريت عيليت تقع في احد هذة المولات المفتوحة التي يتوسطها موقف للسيارات. بالاضافة الى الجمهور المتوقع في اروما عامة، اروما نتسيرت عيليت يأمها بأستمرار رجال نصراويون من جيل 45 واكثر، يجلسون فيها ويتسامرون كما لو كانوا يجلسون في قهوة شعبية. لكن اروما ليست قهوة شعبية وهنا تكمن سريالية الموقف. حتى اليوم لم يروق لي هذا المشهد المختلف عن المشهد المتوقع، تقبلته لكن لم افهمه واكتفيت بمقولة "الاشخاص الغلط في المكان الغلط" (the wrong people in the wrong place).


الناصرة مدينة منكوبة وتجليات النكبة فيها يومية. لا يمكن ان نفهم ما يحدث فيها دون الاقرار بهذة الحقيقة وقراءة الناصرة من خلالها. في الأمس قمت بزيارة السوق. [هيك من فترة لفترة بحن له وبروح ازوره مثل ما منزور امواتنا لعلهم يقومون من سباتهم، وفي كل مرة بتعرف على جانب جديد منه وبالتقي باشخاص جدد، وهذة المرة تعرفت على مقهى ابو سالم وعلى وسام ابو سالم، طلعنا قرابة J]، وفي حديث حول المقهى تاريخه وحاله اليوم فهمت ما يحدث اليوم في اروما نتسيرت عيليت. بعد زيارة قهوة ابو سالم في تعلمت ان احب الرجال الذين يأمون اروما، فهم مثلنا جميعًا منكوبين، وتتجلى نكبتهم المتراكمة بإنعدام القهاوي الشعبية في البلد ومصادرة مجازية لملكيتهم المجازية على الحيز والمكان. وفي لحظة واحدة فهمت ان كل ما يحتاجه الرجال العرب في اروما نتسيريت عيليت الى جانب الهافوخ (الكابوتشينو) والكوراسون سلمون مع  شمنت (القشطة) لاستعادة الملكية المجازية على المكان هو طاولة شيش بيش وشدة (ورق كوتشينة) وهو ما يميز القهاوي الشعبية التي يفتقدها رجال الناصرة لكي يكونوا "الرجال الصح في المكان الصح" خارج سوريالية المكان.

---

قهوة ابو سالم - 
قهوة شعبية في سوق الناصرة تجذب اعين السائحين والزوار. 

الناصرة المدينة الباقية - تغييرات ثقافية وعمرانية في الحيز المديني للناصرة

نشر في العددان السابع والعشرون والثامن والعشرون لمجلة مدى، يوليو 2016.

أطرح من خلاله تصويرًا واصفًا (portrait) تظهر من خلاله الناصرة مدينةً صغيرة، تلائم وصف زيمييل (1903) للمدن الصغيرة. خلافًا لوصف فيرت (1938) للمدن الكبيرة التي تتميز العلاقات بين سكانها بكونها عشوائية، قصيرة، متقطعة، ثانوية وغير شخصية، ترمي إلى هدف عيني قصير الامد وتنتهي عند انتهائه، العلاقات في المدن الصغيرة هي علاقات شخصية، يسودها الشعور بالألفة ومعرفة الآخرين وإن لم تجمعهم معرفة سابقة أو علاقة مباشرة. "الناصرة شبكة" هو الوصف الدقيق والشائع للسكان فيالمدينة لشكل العلاقات التي تجمعهم، وهو يتطابق مع وصف زيميل للمدن الصغيرة. بالإضافة، سأعرص الناصرة كمدينة منكوبة، لم تتلاءم روايتها مع الوراية الفلسطينية الجماعية، التي اقتصرت على نموذجي "الفلاح" و"اللجئ"، وقد يكون هذا ما يفسر خيار الباحثين بتجاهلها وعدم التعاطي معها على مدار عقود طِوال.
---
المقال الكامل تجدونه هنا.

العدد الكامل لمجلة جدل هنا.

مجموعة اختيار تنشر نصوص للكاتبة أودري لورد بالعربية

داخل كل منا هويات مختلفة؛ تتقاطع وتتعارض، وقد يسلط الضوء على إحداها بينما تخفى وتهمل هويات أخرى ويتم تجاهلها.

تقول أودري لورد "لا يوجد نضال أحادي، لإننا نعيش حيوات ذوات قضايا متعددة".

من أجل التفكير في الأوجه المختلفة لهوياتنا وفكرة الهوية، واختلافاتنا، وتقاطعية، وتراتبية الهويات والقهر، تنقل مجموعة اختيار عدة نصوص إلى اللغة العربية للكاتبة والشاعرة والناشطة النسوية أودري لورد، تجدونها على موقع المجموعة هنا.

بين الهويات الطائفية والاجندات الطائفية


مقدمة

أفتتح العام الدراسي 2015-2016 في الداخل بإضراب المدارس الاهلية\الخاصة احتجاجًا على تقليص الميزانيات الحكومية المخصصة لهذة المدارس على مدار ثلاث سنوات بنسبة ما تقارب ال70% من مستحقاتها مقارنة بالمدارس الاهلية\الخاصة الإسرائيلية. وقد اثار اضراب هذة المدارس حفيظة البعض من حيث الإسم الذي تداوله الاعلام الرسمي والاجتماعي في وصف هذة المدارس بالمدارس المسيحية.

للمدارس العربية الاهلية\الخاصة (المسيحية) في البلاد تاريخ طويل، بعضها يعود تاريخها الى الفترة العثمانية وبعضها اقل، وحتى النكبة شاركت هذة المدارس هذا التاريخ مع المدارس الاهلية\الخاصة (المسيحية) في الدول العربية المجاورة، فمدارس الفرنسيسكان على سبيل المثال وجدت في كل من لبنان والاردن وفلسطين ومصر وسورية والعراق.

على مدار سنوات اعتاد فلسطينيي الداخل على الاسم "مدارس اهلية" او "مدارس خاصة" للأشارة الى هذة المدارس، وبالرغم من الاسماء المسيحية البارزة لكل منها: "الكلية الارثودكسية" او "كلية مار الياس"  او "راهبات مار يوسف" او "المعمدانية" او "الاكليريكية" او "راهبات الناصرة" او "راهبات المخلص" او غيرها، وبالرغم من التبعية الكنسية الواضحة لهذة المدارس الا انها لم تكن مركزية في التعامل معها، وخدمت هذة المدارس ابناء المجتمع الفلسطيني من كافة الطوائف وعرفت على مدار السنين كمدارس اهلية وكمدارس خاصة وليس كمدارس مسيحية.

لن اتوسع هنا في المهمة التربوية وفي الدور الاجتماعي الذي لعبته هذة المدارس في حياة المجتمع الفلسطيني في الداخل بعد النكبة، كما ولن ادخل في الادوار والمواقف السياسية لكل من هذة المدارس فهي تختلف فيما بينها، وسأكتفي بالقول انه في حين تقاعست الحكومة عن الإستثمار في المدارس العربية، اخذت المدارس الاهلية على عاتقها مهمة انشاء اجيال مع تحصيل علمي عالي نسبيا يمكنهم من الالتحاق في الجامعات وباتت هذة المدارس تنافس افضل المدارس الإسرائيلية وبعضها ترأس لسنوات قائمة افضل المدارس في إسرائيل.

اضافة الى المدارس الأهلية\الخاصة "المسيحية"، قامت في العقدين الاخيرين مدارس عربية بديلة (مدرسة حوار في حيفا، ومدرسة مسار في الناصرة، ومدرسة اهلية اسلامية في الرملة واخرى في اللد)، وهي ايضًا مدارس اهلية\خاصة الا انها تتبع لجميات اهلية مستقلة ويختلف تاريخها كليًا من حيث حداثته ومن حيث خصوصيته عن السابقة، وتعاني هذة المدارس من قضايا مختلفة عن ما تعانيه الأولى.

من هنا فإن اضراب المدارس (في مرحلته الاولى) اقتصر على المدارس الاهلية "المسيحية\الكنسية"، حيث ان الأجندة الحكومية التي ضربت هذة المدارس هي اجندة عنصرية-طائفية، ضربت المدارس الاهلية "المسيحية" خاصة وليس الاهلية العربية عامة، وخلال هذة الأزمة والاضراب ظهر اسم "المدارس المسيحية" في الإعلام الرسمي التابع لاجندات سياسية  كما وفي الإعلام الإجتماعي المُسيس منه والعفوي، في حين تنوعت التسميات في الإعلام العربي المحلي.

تساؤلات يثيرها الجدل الداخلي حول الحاق الأسم "مسيحية" بما عُرف حتى اليوم بالمدارس الأهلية\الخاصة

الى جانب ارتباط الإسم بشكل مركب ومباشر مع اجندة طائفية تستهدف المجتمع الفلسطيني، إلا ان الجدل الداخلي حول الحاق الاسم "مسيحية" بالمدارس الاهلية  يثير السؤال حول قدرة النضال الوطني والهوية الفلسطينية الشاملة على استيعاب كافة الهويات التي تركب المجتمع الفلسطيني. فهل قضية الاوقاف الاسلامية مثلا (التي انتقلت من ادارة الدولة العثمانية الى ادارة سلطات الانتداب ومن ثم الى ادارة الدولة الصهيونية التي تُهملها ولا تستثمرها في الصالح العام) تتحول الى قضية طائفية لمجرد الحاق الاسم "اسلامية" بها، ام ان التسمية هي جزء من تعريف القضية ومن دلالاتها التاريخية والدينية ولا يفسد الإسم من وطنية القضية التي تعني كافة الفلسطينيين مسيحيين كانوا ام مسلمين؟

هل النضال الوطني باستطاعته احتواء وإستيعاب كافة الهويات الموجودة فيه، ام انه نضال ركيك تهدده هويات الأقليات الطائفية؟ وإن كانت الهوية الفلسطينية مهددة من هويات الأقليات التي تركبها، فربما من الاجدر بنا مسائلة الهوية الفلسطينية ومسائلة النضال الفلسطيني الجامع وعدم الهروب من هذة المسائلة الى الغاء الهويات الطائفية للأقليات، فإسقاط الطائفية السياسية على الهويات الطائفية المسيحية او الدرزية او غيرها (كأنها حتما اجندة سياسية نقيضة للوطنية القومية) ما هي الا بمثابة تخوين وتكفير سياسي وطني قومي.

من مظاهرة المدارس الاهلية امام المكاتب الحكومية في القدس
ومن الواضح ان الطائفية والهويات الطائفية تهدد الهوية الفلسطينية وتهدد النضال الفلسطيني القومي الجامع، والا فلم يكن هذا الجدل ليُثار، فإزاء ذلك هل نقوم بالغاء هذة الهويات وقمعها للحفاظ على الهوية الجامعة، ام نقوم بتعزيز الهوية الجامعة وتقويتها لتستطيع احتواء جميع الهويات دون ان تكون مهددة منها؟

هل يجب ان نصل الى وضع نقول فيه "انا فلسطيني مسيحي وافتخر" على غرار "انا عراقي مسيحي وافتخر" او "انا سوري مسيحي وافتخر"، ام انه من المفهوم ضمنا وجود مسيحيين عرب وهويتهم الطائفية ليست حتما اجندة سياسية طائفية وليست تهديد على شمولية القضية الوطنية؟

وللنهاية لا بد ان اقول انه منذ صغرنا ربينا على مقولة: الدين لله والوطن للجميع، واتسأل اليوم منذ متى صار الدين نقيض الوطن والوطنية؟! اليس هذا بذاته تذويت للطائفية؟! الهوية الجماعية العامة والشاملة مهمة جدا لكن من الأصح ان تتعايش هذة الهوية مع باقي هويات افرادها المختلفة وليس ان تمحيها وتضطهدها او تقمعها لتوحد صفوفها فتمحي معها التنوع الثقافي والحضاري للجماعة وللمنطقة. الإنتماء الطائفي ليس بالضرورة طائفية سياسية، وان  اساءت "الوطنية السياسية" التعامل معه سيكون مصيرنا السياسي طائفي حتمًا.

الهويات مركبة وليست احادية سطحية، وهي داخليه تنبع من داخل المجتمع ونعتز بكل الهويات والطوائف الموجودة فيه، ام الأجندات السياسية الطائفية فهي اجندات خارجية تسقط علينا من الخارج وتعمل بمبداء فرق تسد. فهل نواجه الموضوع من خلال الغاء التنوع الطائفي الموجود وكبته، ومن خلال قمع الأفراد تكفيرهم تخونيهم وترهيبهم (ان رفعوا علم اصفر ابيض)، ام من خلال التعامل مع كل طائفة كمركب عضوي في المجتمع يستطيع المجتمع باشمله استيعابها واحتوائها؟ هل ممكن بناء تضامن اجتماعي ولُحمة اجتماعية وطنية شاملة بين افراد من ديانات مختلفة ام ان ذلك مستحيل فنلجاء الى اخماد هذة الهويات والتغاضي عنها وكبتها لانها تهدد سلامة المجتمع وسلامة الوحدة الوطنية؟!

ولا يوجد لدي جواب واحد، فنعم التعامل مع هذة المدارس كمدارس مسيحية هو جزء من اجندة سياسية طائفية، وعلى الأغلب ان يكون هذا هو الجواب الصهيوني لمواقف الفاتيكان المتقدمة حيال القضية الفلسطينية، لكن الهوية المسيحية هي جزء من الهوية الوطنية ورفض هذة الهوية وكبتها والتعامل معها كأنها اساءة وطنية ما هو الا طعن في النضال الوطني لإضعافه وتحويله الى نضال طائفي فئوي، وإن كفلسطينيين هددتنا الهوية المسيحية العربية باعلامها البيضاء والصفراء فالأفصل بنا مراجعة الهوية الفلسطينية.