الخطاب الكويري الفلسطيني: ضد الاحتلال، بعيدا عن واقعه

الحدث

قامت الاسبوع الماضي مجموعة من الجنود الاسرائيلين في وحدة مخابرات اسرائيلية بالاعلان عن رفضهم مواصلة التجسس على الفلسطينيين وذلك بسبب استغلال الدولة للمعلومات الاستخبارية "لأبتزاز الابرياء"، وبضمنهم مرضى سرطان قد يحتاجوا الى علاج في اسرائيل وذويهم والمثليين في المجتمع الفلسطيني واخرين. من حيث الحدث فالجديد هنا هو توسع حلقة الجنود الاسرائيلين الرافضين للخدمة الى صفوف وحدات المخابرات.  اما من حيث نزاهة الموساد الاسرائيلي وقذارة عمله، فلا جديد تحت الشمس. فطالما ابتزت اسرائيل كل من يمكن ابتزازه، إن كان رجال تضغط عليهم بواسطة تهديدهم باعراض نسائهم او سايسيين توقع بهم في فخ الفضائح الجنسية لتستغلها فيما بعد ضدهم وغيرهم. فالموساد الاسرائيلي يبحث عن الحلقات الاضعف في المجتمع وان لم يجدها يعمل على ايجادها وقد كتب الكثير حول الموضوع ويمكن القراءة عنه باسهاب في كتاب: "عن طريق الخداع"، لضابط الموساد الاسرائيلي السابق فيكتور ستروفسكي.

ان الجانب الأهم بهذا الحدث ليس "فضح" طرق عمل المخابرات الإسرائيلية، بل تصدع ايمان الجنود الاسرائيليين في مصداقية عملهم اللذي يصب في مسار هدفه خلخلة المجتمع الفلسطيني من الداخل، ومواصلة السيطرة عليه من خلال القمع الفردي والجماعي. لكن تطورت تغطية الحدث في الاعلام الغربي ليتحول من مُسائلة القيم الاخلاقية للاحتلال عامة الى مُسائلة القيم الاخلاقية لاسرائيل في موضوع المثلية الجنسية. وهذا التحول الحاد في الخبر ابعد الضوء عن القضية الأساسية والجوهرية للحدث، والقى بها في مكان اخر ربما يُحرج اسرائيل قليلا لكنه امر قديم اعتادت عليه وباتت متمرسة في مواجهته اعلاميا ودبلوماسيا.

البيان

في اعقاب هذا هذا اصدرت القوس للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني بيان بعنوان: الرد الإعلامي على مراقبة أسرائيل وابتزازها للمثليين الفلسطينيين مفاده:
استنكار بشأن الاعلام الغربي الذي يصب جل جهده على القضية المثلية ويهمل القضايا الاخرى، فابتزاز المثليين هو قمع صارخ لا يزيد ولا يقل عن ابتزاز الاخرين. والردود الاعلامية التي تعبر عن "خيبة الأمل" من اسرائيل، ناتجة عن توقعات اخلاقية غير واقعية تتعامل مع التسامح الاسرائيلي ازاء المثلية الجنسية ومع رهاب المثلية الفلسطيني كفرضيات اساسية مطلقة وما كان غير ذلك فهو شاذ لا يمثل الواقع. كذلك يحذر البيان من خطر الانزلاق نحو الفكر الاستعماري الذي يلقي علينا كفلسطينيين وصمة رهاب المثلية، ومن الانجرار خلفه وتذويت مفاهيمه واسقاطته علينا. ويشير الى ان الاستغلال الاسرائيلي للمثليين الفلسطينيين ولابتزازهم من قبل المؤسسة الاسرائيلية والضغط عليهم للتعاون معها ناتج عن ادراك تام لمكانة المثليين في المجتمع الفلسطيني ولاسقاطاتها على افراده. كما ويستنكر البيان ويجرم ما تقوم به اسرائيل من مراقبة للجنسانية في المجتمع الفلسطيني عامة، ويشير الى ان نظرتنا إلى الامور يجب أن لا تكون جزئية او منفصلة عن الواقع.

ويكتفي البيان بالاستنكار والادانة ولا يتطرق الى الصورة العامة او الى الواقع حيال هذا الحدث، ويحقق بهذا ما حاول تجنبه وهو الانفصال عن الواقع الفلسطيني والنظرة الجزئية للأمور. ولكي نضع الامور في سياقها من المهم التوضيح ان بيان القوس جاء للرد على بعض المقالات التي نشرت بالصحف الغربية، من هنا فقد كتب ونشر باللغة الانجليزية اولا ومن ثم تمت ترجمته الى اللغة العربية، وبعض الصعوبات في قراءة البيان قد تنجم عن الترجمة فمن المهم مراجعة البيان بنصه باللغة الانجليزية. لكن التمعن في البيان بنصيه العربي والانجليزي يكشف عن اشكاليات اكبر من مجرد اشكاليات لغوية.

من حيث المضمون اوافق على النقاط الرئيسية التي جاءت في البيان كما لُخصت اعلاه واهمها نقد الخطاب الغربي المتملق ان كان اعلامي او سياسي، معارض او متضامن ومع النظرة الشمولية للتعامل مع المجتمع الفلسطيني وكون القضية المثلية هي واحدة من عدة قضايا في المجتمع وليست القضية بال التعريف. لكن البيان بمجمله هو رد على الاعلام الغربي، ومن هنا فهو جزء من خطاب حقوقي سياسي دولي بعيد عن الواقع الفلسطيني ولا يمت له بصلة. وما ينقصني فعلا في هذا البيان هو البعد المحلي والنظرة الواقعية للأمور. فالبعد المحلي في هذا البيان معدوم تمام. بالاضافة لم تتطرق القوس او اي جمعية حقوقية اخرى للجانب المثلي لهذا الحدث على المستوى الاجتماعي المحلي باي شكل اخر واقتصر الامر على الرد على الاعلام الغربي في سياق خطاب ال shaming وال pink-washing وهما وجهان لعملة واحدة محورها تبيض او تسويد وجه اسرائيل من خلال التزامها بالمعايير الدولية لمواثيق حقوق الانسان او الاخلال بها. ويتمحور حول اسرائيل وحول ما تقوم او لا تقوم به حيال القضايا الحقوقية للفلسطينيين. يوبخها حين تفشل ويصفق لها حين تنجح، ويبقي الفلسطينيين وتجاربهم الحياتية اليومية خارج السياق وفي افضل الحالات على هامش الحدث.

وطبعا ليس من العدل ان نتوقع من البيان خطاب محلي من على صفحات الاعلام الغربي، لكن غياب الخطاب المحلي في  الساحة المحلية وغياب اي طرح حيال قضية المثليين وتعرضهم للأبتزاز السياسي وغيره، اضافة الى تغييب البعد المحلي عن الخطاب الدولي يفرض على هذا البيان حالة انجرار، للأسف الشديد هو يحذر منها لكنه لا ينجح بتفاديها وبطرح خطاب مستقل عن الخطاب الثقافي الغربي السائد. وبالرغم من كونه معارض مستنكر ومدين لكن المعارضة بذاتها هي جزء من الخطاب وليست اكثر من مُلحق به.

جوهر القضية الفلسطينية

لقد اشار مكتوب الجنود في وحدة المخابرات الاسرائيلية الى المثليين الفلسطينيين كاحد الحلقات الاضعف في المجتمع الفلسطيني.  وبالرغم من ان التحول السياسي الاخلاقي في تغطية هذا الحدث هو امر لا يروق لي، لكن ان اردنا التطرق الى مكانة المثليين في المجتمع الفلسطيني والى نضال المجتمع الفلسطيني من اجل الحرية لا بد لنا من مواجهة الامر والتعامل مع هذة المعلومات القديمة بجدية اكثر. فالقضية محليا هي قضية حصانة المجتمع الفلسطيني في وجه الاحتلال وتمتين الحلقات الضعيفة فيه. القضية الفلسطينية هي قضية تحرر على مستوى الافراد وعلى مستوى المجتمع، ولن تتحقق جماعيا (سياسيا، ثقافيا، اقتصاديا، روحيا وغيره) أن لم تتحقق على مستوى الافراد. فالمجتمعات الصحية والحصينة هي مجتمعات تحفظ الضعفاء فيها، فلا يكونوا عرضة للحاجة او للأستغلال. فالتكافل والتسامح الاجتماعي هم من اسس المقاومة، ونضال التحرر لا ينجح في مجتمع افراده ضعفاء، فحصانة المجتمع هي من حصانة افراده.

ابتزاز المثليين وغيرهم واستغلال نقاط ضعفهن على اشكالها هي ظاهرة عامة تعم المجتمع الفلسطيني كما وكافة الدول العربية، وهي ليست حصريا على سلطات الاحتلال في فلسطين. فتجريم المثلية قانونيا واجتماعيا يجعل من المثليين فريسة سهلة يقوم اصحاب القوة على اشكالهم واشكالها باستغلالهم وابتزازهم لمصالحهم المختلفة. وفي الوضع الفلسطيني الراهن هناك حاجة ماسة لصقل المجتمع وترسيخ اللُحمة الاجتماعية بين افراده لتمكنهم من صد الاحتلال ومواجهته. الا ان هذة اللحمة هشة يمكن اختراقها بسهولة وهشاشة المجتمع هي من هشاشة افراده والعكس صحيح. والهشاشة ليست من نصيب المثليين فقط بل هم حلقة واحدة من عدة حلقات ضعيفة يجب على المجتمع الفلسطيني تدعيمها وتقوية عزيمتها وثباتها. ومن هنا يطرح السؤال كيف نزيد من حصانة المجتمع الفلسطيني ومن قدرته على المقاومة ومنع الاختراقات الاسرائيلية عامة. وكيف نزيد من الحصانة الاجتماعية للمثليين ومن قدرتهم على الوقوف بمتانة امام محاولات الابتزاز الرخيصة وغير الاخلاقية من قبل الاحتلال وغيره. وطبعا لا اتطرق الى الموضوع المثلي لانه اهم من غيره، لكنه واحد من عدة امور اخرى ولا يقل اهمية عن اي منها.
 
الحصانة الاجتماعية والمثليين في نظر المتشددين

اولا من المهم التذكير ان المثلية الجنسية ليست اختراع اسرائيلي لمحاربة الفلسطينيين، كما وهي ليست اختراع غربي لمحاربة العرب والمسلمون كما يحلو لجهلة التاريخ بالإعتقاد. بل هي حالة طبيعية موجودة منذ البدء في كافة ثقافات العالم بما فيها الثقافة العربية والثقافة الاسلامية. طبعا التعامل مع المثلية وممارسات جنسية اخرى تغيّر على مدار السنين وهذا امر طبيعي فالمجتمعات البشرية هي مجتمعات حية متفاعلة تتغير بفعل التجربة والزمن، وقد يحصل التغيير للافضل او للاسوء فليس كل حديث افضل مما سبقه، وليس كل قديم اعرق او اهم. والاسوء والافضل كقيم معيارهم هو شكل المجتمع  الذي نصبو اليه.

للأسف الشديد قلة من المحافظين والمتشددين يعتقدون بحتمية القضاء على الضعفاء، للحفاظ على حصانة المجتمع وعلى متانته. لكن هل يستطيع هؤلاء فعلا القضاء على كافة الضعفاء في المجتمع؟! هل سيقضون هؤلاء على المرضى الذين يلجؤن للعلاج في اسرائيل؟! هل سيقضون على النساء كي لا تنتهك اعراضها؟! هل سيقضون على كل عوز وحاجة اساسية في المجتمع؟! هل سيلغوا مفهوم "الفضيحة" من الوجود؟! وما هي مفاهيم "الفضيحة" اصلا في المجتمع الفلسطيني، اي منها يخدم مسار التحرر واي يخدم القمع والاحتلال؟؟ هل يسعون هؤلاء الى مجتمع افراده مثالييون مقدسون بدون عيوب او اخطاء، وفي قمة قداستهم هذة سيحققون التحرر من الاستعمار؟! هل يستطيع هؤلاء الغاء كافة نقاط الضعف في المجتمع التي لن تسأم اسرائيل في البحث عنها؟! وهل بالتشدد نقضي على نقاط الضعف في المجتمع اما اننا بهذا نقضي على حصانة المجتمع ونزيده ضعفا وهشاشة؟! هل سنعتلي على سلم القداسة يوما فنتحرر اما اننا سنكون عرضة دائمة للانتهاك والاستغلال؟! هل مصدر الحصانة الاجتماعية هي في تشدد المجتمع وقمع افراده ام انها من سعة تسامحه معهم؟!

عودة الى البيان وطبقية الخطاب "الكويري" في المجتمع الفلسطيني

اولا لا بد من التنويه بان رد الفعل الاولي في صفوف المثليين الفلسطينيين للحدث تميز ببلادة تامة، فلم ترى اي من المجموعات المثلية الفلسطينية فيه فرصة للتعبير عن رأيها بالموضوع او فرصة لحث الحوار الاجتماعي حيال موضوع قديم لا جديد فيه. مع العلم ان اي من هذة المجموعات ليس لها اي موقف معلن او اي طرح اجتماعي سياسي داخلي حيال هذة القضية. بالاضافة حتى بعد ان تحول الخبر في الاعلام الغربي من "اخلاقيات الاحتلال" الى "اخلاقيات اسرائيل تجاه المثليين"، لم تتحرك اي من هذة المجموعات، واقتصر تحركها عمليا بالرد على هذا التحول، الذي حصل في الخارج ولا شأن للمجتمع الفلسطيني به.

والمحزن في الامر هو ان التمعن في البيان الصادر عن القوس، وقرائة ما بين سطوره وما خارج اطاره ، يكشفان عن حالة انفصم اجتماعية وحالة انكار عميق للواقع الفلسطيني. فانكار "الخزانة الفلسطينية"، وان شئتم لجدلية المصطلح الثقافي فلنقل انكار "فضيحة المثلي الفلسطيني" بوصفها: رواية مغلوطة. كما وانكار العلاقة بين "الفضيحة" وبين قمع الاحتلال بوصفها: علاقة ملفقة تعتمد على ثنائة عنصرية زائفة تقوم بزج الفلسطينيين في بوتقة رهاب المثلية كما جاء في البيان؛ ما هما الا انكار لوجود تابوهات اجتماعية ولوجود امكانية لكسر هذة التابوهات الاجتماعية سرا، مما قد يعرض حامل السر (سر الفضيحة) لضغوطات مختلفة. فعلى غرار المتشددين ما يقوم به القوس هو محاولة تحصين اجتماعي للمثليين من خلال رسم صورة وهمية للمجتمع تتجلى من خلالها فلسطين كفردوس المثليين على الارض (اي فشرت تل ابيب احنا اشطر).

طبعا من الممكن ان وصف الحال الذي جاء بالبيان قد يعبر فعلا عن وضعية قلة قليلة من الفلسطينيين، المتسامحون جنسيا مع ذاتهم ومع الاخرين، لكنه بالتأكيد لا يعبر عن رفاهية شاملة لكافة افراد المجتمع الفلسطيني مما يعكس علاقات قوة على خلفية طبقية-سياسية-ثقافية-مثلية-اجتماعية داخلية اكثر تعقيدا. والمحزن في الامر، ان هذا البيان الذي من المفروض انه يمثل المثليين الفلسطينيين ويتحدث باسمهم وعنهم، هو غير مفهوم لغالبيتهم حتى بعد ان تمت ترجمته للعربية. فهو من الاساس جزء من خطاب حقوقي-سياسي-ثقافي-اجتماعي المثلي الفلسطيني العام ليس جزء منه وغير منكشف عليه مهنيا-اكاديميا-ثقافيا(انجليزيا)، مما يعبر عن حالة انفصام اجتماعي، وترجمة البيان للعربية ليست كفيلة بمعالجتها لكنها تعكس وجودها وتعبر عنها.

طبعا من المهم التنويه ان بيان القوس حول الموضوع هو بيان مهم جدا، ولو لم يكن هذا البيان لما استطعنا الخوض في النقاش حول القضية المثلية والكويرية في المجتمع الفلسطيني. وفي ظل البروباجندا الاسرائيلية والتحول الاعلامي في تغطية الحدث كان لا بد من اصدار هذا البيان وليس هناك غنى عنه. لكن يبقى السؤال المفتوح: كيف يصب هذا في العمل المحلي للقوس وفي تطوير الفكر والخطاب الفلسطيني المحلي حول الموضوع. والتحدي والمعضلة الأكبر هما:  كيف يعمل القوس محليا على قضية هو ينكر وجودها اساسا؟! فبحسب ما جاء في البيان لا توجد خزانة ولا يوجد سر ولا توجد فضيحة ولا توجد علاقة مركبة للضعفاء مع الاحتلال.  والمحزن (رقم 2) انه بدل الاشارة الى المشكلة ومواجهتها يروج القوس الى حالة انكار عامة للواقع الذي نعيش فيه، وكأنه عمليات السيطرة والاشراف والمراقبة هي حصة الاسرائيليين فقط وحصة المخابرات الاسرائيلية والاحتلال لا غير.

الاستثمار الدبلوماسي في القضية المثلية ودور الجمعيات الفلسطينية في الموضوع

في محاولة لفهم اعمق للامور تكتشف انه تنافسنا مع تل ابيب بالمرة ليس نكتة. وهو ليس تنافس سياحي تجاري انما تنافس دبلوماسي. فالخطاب الكويري الفلسطيني، للقوس في هذة الحالة، تحول خلال السنوات الأخيرة الى خطاب يتمركز حصريا حول محاججة اسرائيل ومقارعتها دوليا ولا علاقة له بالواقع الاجتماعي-السياسي-الثقافي للمثليين والشواذ في فلسطين. وخلافا لما اعتدنا عليه من استثمار دبلوماسي اسرائيلي للقضية المثلية في خطاب التسامح المثلي الذي بات يشار اليه بال "Pink Washing"، اود هنا التطرق الى الإستثمار الدبلوماسي الفلسطيني في الموضوع من خلال الخطاب الذي يشار اليه بخطاب المقاطعة لإسرائيل.

بشكل عام لا يمكن التغاضي عن دور الجمعيات غير الحكومية في الديبلوماسية غير الرسمية، وفي هذة الحالة لا يمكن التغاضي عن دور جمعية القوس في الموضوع. فكما تستخدم إسرائيل "التسامح المثلي" لتبييض وجهها امام العالم، باتت الدبلوماسية الفلسطينية غير الرسمية تستخدم المثلية الفلسطينية لمقارعة إسرائيل دولياً ولتسويد وجهها في ذات الحلبة. ومن الواضح جدا ان اي دبلوماسي فلسطيني، رسمي او غير رسمي، لن يستطيع ان يحرز اي انجاز في هذة الحلبة دون التعاون مع المثليين الفلسطينيين. وقد يكون هذا التعاون رسمي او غير رسمي، مباشر او غير مباشر، لكن نتيجة هذا التعاون بشكله الحاضر هي جني الانجازات الدولية دون اي تغيير فعلي او اي التزام حقيقي للقضية المثلية على ارض الواقع.

من هنا وللأسف الشديد، وإن تماهينا كفلسطينيين مع هذا الخطاب سياسيا، الا ان اهمال العمل على الساحة المحلية بقضاياها المحلية يشير الى ان القوس قد وقع في شرك تعاون غير مشروط وغير محدود مع هيئات سلطة. وهكذا تتحول عمليا القضية المثلية من قضية دفاع عن حقوق وعن حريات فردية امام السلطات على اشكالها، الى اداة بائسة في خطاب سياسي ديبلوماسي فلسطيني وهذا ما يفسر الخطاب المثلي السياسي المنبثق عنه الذي يصور فلسطين كفردوس المثليين على الارض. فاحراز الانجازات الدولية من جانب واهمال الساحة المحلية من جانب اخر ما هو الا انفصام اجتماعي-سياسي-ثقافي-طبقي عن الواقع وعن المجتمع الفلسطيني، يدفع ثمنه المثليين والشواذ غير الكويريين في فلسطين، ف"كوير" لا معنى لها في حياتهم، وهم الاغلبية التي تجد نفسها خارج فردوس المثليين المزعوم في فلسطين.

وللنهاية اود القول ان الخطاب السياسي الدبلوماسي الفلسطيني (خطاب المقاطعة)، قد نجح باحتواء القضية المثلية الفلسطينية وحولها الى قضية دولية حصريا. قضية تطرح بصوت عالٍ في المنابر الدولية وتكتم محليا. بينما، يعاني الفلسطينيين على ارض الواقع من قلة التسامح المثلي وقلة التسامح الجنسي العام، فهما من نصيب فئات نخبوية تتمتع بحيز من الرفاهية والحرية السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية يمكنها من تفادي آليات السيطرة والرقابة الاجتماعية. اما المشهد الاجتماعي العام فهو مشهد رهاب المثلية ورهاب الجنسية تعمه مفاهيم "الفضيحة" و"العار" التي تعتمد بالاساس على السلوكيات الجنسية للافراد.

-----
نشرت في السفير، تجدونها هنا.


"التنمية" بالتمويل الأجنبي وهم أم حقيقة؟

مقتطاف من دراسة: "التنمية" بالتمويل الاجنبي وهم أم حقيقة؟ للباحث جورج كرزم  
خاص بمجلة آفاق البيئة والتنمية

المساعدات وتطويع الحكومات
"المساعدات" الغربية عبارة عن "مساعدات" سياسية في جوهرها ولا علاقة لها ببناء البنية التحتية والتنمية اللتين طالما سمعنا أن "المانحين" سيركزون التمويل عليهما ليعم "الازدهار" في بلادنا.  من هنا، فإن شرط التمويل الأساسي هو أن ينطبق على الحكومة المتلقية "للمعونات" وصف "المانحين" المعروف بالحكومة "الجيدة"، أي امتثالها لشروط "المانحين" السياسية-الاقتصادية، كأن يكون شكل ومضمون الحكم السياسي في البلد المتلقي للأموال كما يرتئي "المانحون"، وهو ما يعني التدخل في السياسات الداخلية للدول وانتهاك سيادتها، وإلا فان "المساعدات" سوف تتقلص أو تعلق أو حتى قد تقطع نهائيا (إجراءات عقابية)، كما حدث أكثر من مرة مع السلطة الفلسطينية، فضلا عن العديد من الدول، في فترات متفاوتة، مثل الصومال، السودان، هاييتي وغيرها.

علاقة طردية بين "المساعدات" الخارجية والفقر
"المساعدات" الغربية لا علاقة لها بالتنمية الحقيقية على الأرض، وغالبا ما تساهم في تعميق ما يمكننا تسميته بالتنمية السالبة.

تسهيل عملية تسريب الفوائض
إن البنى التحتية التي يدعي "المانحون" وإسرائيل بأنهم معنيون بتطويرها، لا تهدف أصلا الى تطوير اقتصاد وطني منتج، لأن تأسيس هكذا اقتصاد يعني اقفال سوقنا المحلي أمام منتجاتهم الصناعية والزراعية.
فإن بعض التحسين الهامشي لطرق المواصلات و"البنى التحتية" الفلسطينية، بفضل التمويل الغربي، لا يقصد منه تنمية بلدنا، بل الهدف هو تهيئة الظروف لاستثمار أفضل لرؤوس الأموال الاسرائيلية والأجنبية وبالتالي تسهيل عملية نهب قوة عملنا وفوائضنا لصالح الاقتصاديات الخارجية.

أهداف غير بريئة
كما أن بعض المؤسسات الأجنبية الممولة يتصرف باعتباره المشغل الحقيقي لموظفي المؤسسات المحلية، خاصة وأنه لا يغطي فقط نفقات برامج محددة لهذه المؤسسات، بل يغطي أيضا النفقات الجارية لهذه المؤسسات، بما في ذلك رواتب الموظفين.
والظاهرة الخطيرة التي كثيرا ما نواجهها، أن التمويل الأجنبي لمشاريع معينة تنفذها المؤسسات المحلية التي تتعامل مع هذا التمويل من منطلق براغماتي مصلحي، يؤدي الى أن تتضخم المؤسسات المستفيدة من المشاريع الممولة، بشكل آني ومصطنع، حيث سرعان ما ينتهي هذا التضخم مع انتهاء المشاريع التي تم تمويلها، لتعود المؤسسات إلى حجم عملها وأدائها الأصليين قبل تمويل المشاريع.

المقالة كاملة تجدوناها هنا.

على قد مزبلتك مد ايديك - فن بيئة تدوير وثقافة استهلاك

تحول الزبالة الى تحف فنية هو اكبر دليل على التدني الثقافي والأخلاقي لهذا العصر.

في  الصورة، مجسم للحصان الأسطوري بيغاسوس، وقد صنع من 3.500 هاتف خلوي وعرض في المؤتمر العالمي للهواتف الخلوية عام 2012.

مع كل الأحترام للفنان، لكن هذا الفن من هذة الثقافة، وهذة الثقافة هي ثقافة استهلاك هابطة ولا بد ان نرفض هذا الفن\الوهم الذي يحشوا رؤسنا به لإيهامنا بأن التدوير ينهي مشكلة ما ننتج من نفايات، فهذا فن متواطئ مع هذة الثقافة.

على الاقل اخلاقيا، لا تنتج نفايات ليس لها مكان في هذا العالم. فتخيل لو انك لا تخلي بيتك من النفايات، فعلى الأكيد ستكون مجبر ان تعمل منها "تحفة فينة" والا كيف سوف تعيش معها؟! لكن حتى لو عملت منها "تحفة فنية"، فهذا قد يقول انك فنان مبدع لكن لا يقول انك لا تعيش داخل كوم من الزبالة لا يوجد لها مكان بهذا البيت\العالم.

ثقافة التدوير هي جزء لا يتجزأ من ثقافة الاستهلاك، وهي كارثة لا تقل خطورة عن الاستهلاك ذاته، وهي غير اخلاقية على كافة المستويات وتستغل الفنانين والمبدعين وتجيرهم لمصالحها بشكل رخيص وغير اخلاقي، وتنتج فن رخيص بتكلفة باهظة.

فعلى قد مزبلتك مد ايديك، واللي ما في عنده مزبلة من الأفضل لو ما يمد ايديه.

وقبل أن تستهلك اي منتج افحص اذا كنت تعرف من أين جاء وكيف وكم من العالم استُهلك في عملية انتاجه وايصاله لك، وقبل أن ترميه اسأل ايضًا اذا كنت تعرف الى أين ترميه وكيف سيصل الى هناك وكم تستهلك من العالم عملية رميه وايصاله لهناك؟!

كوير وعلاقات أخرى

في أعقاب ستاتوس فيسبوكيّ وصف محادثة بيني وبين شاب في العشرينات من عمره ذكرت فيه كلمة “كوير”، وقد استعملها الشاب لوصف هويته، توجّه إليّ عدد من الاشخاص ليسألني عن معنى الكلمة. بروفيل الاشخاص الذين توجّهوا إليّ بغالبيتهم نساء في منتصف الثلاثينات، أمهات لأطفال تتراوح أعمارهنّ بين  0-6 سنوات، جميعهن حاصلات على الماجستير في مجال التربية أو يدرسن للمجاستير، وشاب واحد مع بالكالوريوس اقتصاد وإدارة أعمال- وجميعهم لم يعرفوا معنى كلمة “كوير” ورغبوا بالاستفسار عنها بمحادثة شخصية.

بدايةً، لا بدّ من التوضيح أنّ كلمة “كوير” تستعمل اليوم لوصف هويات جنسية مختلفة عن الهوية الجنسية المهيمنة ثقافيًا واجتماعيًا، وهي الهوية السويّة (straight) أو المغايرة (heterosexual). فكلّ ما هو مختلف عن الهوية المهيمنة يمكن أن يقع في خانة كوير. والكوير في العربية تعني “الشاذ والمنحرف والخارج عن القاعدة”. وقد ظهرت كلمة “كوير” في الثقافة المحلية منذ ما يقارب السنوات السّبع ورافقها نقاش سياسيّ وثقافيّ بين الناشطين المهتمين في الموضوع آنذاك، حول أبعاد ومعاني استخدام هذه الكلمة بدلَ الكلمات الأخرى.

الأصوات المعارضة لاستخدام الكلمة “كوير” كما هي، شدّدت على البُعد الثقافي للكلمة وعلى أهمية استخدام مصطلحات عربية محلية، ممّا يُسهل التواصل مع المجتمع المحلي ويجعل من المضمون أكثر يُسرًا ووضوحًا. الأصوات المؤيدة لاستخدام الكلمة شدّدت على البعد السياسي العالمي للكلمة حيث تطوّرت في سياقها نظريات فلسفية واجتماعية وسياسية تعتمد على تفكيك الهويات وصهرها في مذهب كويريّ، وتعرف هذه النظريات والتوجّهات اليوم باسم “النظرية الكويرية”، وباتت إحدى أهمّ النظريات الحديثة التي تُدرس في العديد من المجالات الاكاديمية.

إذًا فالنقاش دار بين شقيْن؛ الشق الأوّل رجّح كفة استخدام المصطلحات العربية، ومنها المثليّ والمزدوج والمتحوّل والمتغيّر، واقترح استخدام كلمة “شاذ” كمصطلح مقابل لكلمة “كوير”، حيث يتمتعان بسياقات اجتماعية وسياسية مشابهة. فكلمة كوير باللغة الانجليزية استخدِمت كشتيمة لذمّ المثليين والمزدوجين والمتحوّلين قبل أن يستردوها لتتحوّل إلى هوية يُفتخر بها ومصدر قوة ونظرية فلسفية وتوجّه سياسيّ فيما بعد، فما بالنا لا نستردّ الكلمات المحلية ونحوّلها إلى مصدر قوة؟! أمّا الشق المعارض فقد تحفظ من كلمة شاذ وشواذ لشدة الإهانة المرافقة لهما (برغم أنّها لا تختلف عن كوير أبدًا بكونها شتيمة)، بالإضافة رجّح هذا الشق كفة الثقافة العالمية وأهميّة كون المثليين المحليين جزءًا من هذه الثقافة العالمية ومن تياراتها السياسية. أمّا بالنسبة للتواصل وللبُعد الثقافي المحلي فقد رأى هذا الشقّ أنّ للنشاط المحلي دورًا كوكيل وكمُيسّر ثقافيّ بين الشرق والغرب، وبأنه لا بدّ من إدخال كلمة “كوير” إلى الثقافة المحلية كما دخلت مصطلحات غربية أخرى، كالجندر مثلاً، وبات استخدامها شائعًا.

طبعًا لم يُحسم النقاش، وقد مرّت عليه سبع سنوات أو أكثر، راج خلالها استخدام كلمة “كوير” سياسيًا وثقافيًا. وسياسيًا تفكّك الكوير كافة الهويات وتصهرها في هوية واحدة غير معرّفة وغير محدّدة، وبهذا فهي تشبه هوية “الانسان” الذي يتوقع الإسرائيلي اليساري المتنور من الفلسطيني أن يتبنّاها عوضًا عن هويته القومية، لتصهر الاثنين معًا في هوية متناسقة متناغمة وكأنّ هذا كفيل بحلّ الصراع السياسيّ بين الفئتين. وعلى المستوى الثقافي فهي تحمل في طيها تواصلا ثقافيا عالميا وتنصلا ثقافيا محليا وانكارا لدنيوية المثلية في الثقافة العربية. فها هي مجموعة من النساء، وهُنّ عادة أكثر انفتاحًا من الرجال على هذه المواضيع التي تهدد الهوية الذكورية، شابات في ربيع العمر وأكاديميات، وقد يدلّ هذا على إلمام باللغة الانجليزية وانفتاح نوعًا ما على الثقافة العالمية؛ متزوجات وأمّهات غضّات لا بدّ وأن يكُنّ من أوائل المُلمّين بهذه المواضيع من المجتمع غير المثلي العام، يجهلن الكلمة برغم شيوعها في صفوف المثليين والناشطين اجتماعيًا وسياسيًا.

قد يرى البعض بهذا الأمر حدثًا يدل باتجاه وجوب الجدّ في ترويج الكلمة الحديثة. لكنّ التمعّن في الأمر يكشف أنّ كلمة “كوير” تحوّلت إلى خزانة ثقافية محلية يدخلها المثقفون كويريًا ويبقى خارجها العامة “غير المثقفة”! فها هي كلمة “كوير”، أداة تحرّر المثليين الغربيين من القمع والدنيوية في الثقافة الغربية، تتحوّل إلى خزانة ثقافية تعيد إنتاج طبقية ثقافية وتبني وتنسج علاقات قوة معكوسة قائمة للأسف حصريًا في خيال الكويريين العرب وحدهم، المتحررين داخل خزانتهم الثقافية والمقموعين خارجها. فبما أنها كلمة إنجليزية وغير مفهومة فهذا قد يبثّ شعورًا بالاستعلاء لمن هو جزء من هذه “الثقافة” وشعورًا بالدونيّة والاحراج لمن هو خارجها، وهذا ما يفسر باعتقادي اختيار كافة من تسأل حول الكلمة من المجموعة أعلاه بالاستفسار عنها بهدوء وانفراد وبحديث شخصي جانبيّ لا يهدّد الأمان الاجتماعيّ الثقافيّ الطبقيّ لكلّ من المتسائلين.

من هنا، فإنّ من يروّج من العرب لاستخدام كلمة “كوير” وينفر من كلمة “شاذ”، فإنه يجهل تاريخ الكلمة ويجهل ثقافتها، ويجهل ليس بمعنى المعلومة او المعرفة انما بمعنى التجربة العاطفية للكلمة. فلا يمكن أن تتحرّر من خلال التجارب العاطفية للآخرين. وهوية “الكوير” أو “اللا-هوية الكويرية” هي كهوية “الإنسان” الفضفاضة في العلاقات اليهوديّة العربية. وقد يقول القوميون إنه لا بدّ من أن نعي كوننا فلسطينيين أولا لنتعالى ونتحرّر من أسر الهوية القومية في مرحلة لاحقة، فهل لا بد أن نقرّ بالوجود الشرعي للمثليين أولا لنتحرّر من أسر الهوية المثلية لاحقا؟ وإذا كانوا شواذًا ومتحرّرين فهل تحرّرهم كلمة “كوير” من دونيّة الشذوذ في الثقافة العربية، أم أنها تُلمع الخزانة الثقافية وتحوّلها إلى ثقافة نخبوية وإلى أسرٍ يطيب العيشُ فيه؟

----
 نشرت في موقع قديتا، تجدونها هنا.

حركة الكشاف وفلسفات وطنية

شو عدا ما بدا 


يأتي هذا المقال على خلفية الانتقادات التي توجه للفرق الكشفية العربية في الداخل اي في اسرائيل، وتقتصر هذة الانتقادات على قضية رفع العلم الأسرائيلي في المسيرات الاحتفالية لكنها تتطور الى سخرية من هذة الفرق من ملابسها ومبادئها والى رغبة وطنية "بنسف" هذة الحركة اي اغلاقها والغاء وجودها وهذا لسببين الاول كونها تلبس الملابس الكاكية مما يذكر "شبابنا الوطني الناقض" بالجيش وثانيًا والاهم لكونها ترفع العلم الاسرائيلي في مسيراتها الرسمية وهذة هي "القشة التي كسرت ظهر الجمل".


الدفعة النوعية وربما كانت نقطة البداية لهذا الخطاب المتحامل كانت عام (2011)، حيث تزامنت مسيرة سيدة الكرمل، اي طلعة العذراء الحيفاوية وهي مراسيم دينية احتفالية شعبية تقام خلال فترة وجيزة بعد الفصح، مع يوم الذكرى للجيش الاسرائيلي فمنعت الشرطة الاسرائيلية المسيرة وتم تأجيلها بأسبوع واحد تزامن مع يوم النكبة (15\5\2011) مما أثار حفيظة "الشباب الوطني" فانهال على الحدث من كل جنب وصوب.

ومما يثير الأنتباه أن الفرق الكشفية في الناصرة وحيفا وقرى الجليل وهي من يقف خلف الروح الشعبية للأحتفالات الدينية وهي من يخرج هذة الاحتفالات من داخل الكنائس الى الشوارع وتقوم بذلك عدة مرات بالسنة وابرزها الاحتفالات الميلادية واحتفالات الشعانين في حيفا والناصرة وكافة قرى الجليل، بالإضافة الى طلعة العذراء في حيفا ومسيرة العذراء في الناصرة في شهر أب. إلا ان الأبواق الوطنية المتحاملة على الحركة الكشفية لا تُسمع الا تزامنا مع احتفالية مسيرة العذراء في حيفا ومن هنا لا بد وأن نفترض أن لذلك علاقة وثيقة بما حدث في العام 2011 و"بالهبة الوطنية" للزميل فراس خوري ومن حذا حذوه.

واتفق مع الزميل فراس خوري بأن الحركة الكشفية هي حركة جداً محافظة، تلتزم بقوانين ومبادئ قد تبدو لنا خارج "موضة" الحياة اليوم. وأتفق معه بأن هذة المسيرات وغيرها ايضا من برامج جماهيرية قد تجمع فيما قد تجمع بين شباب وصبايا بهدف اللقاء وليس بدافع الأيمان، وكعلمانية لا أرى علة في ذلك، اما ما تلبس هذة الفتيات وكيف تتصرف وكيف يتصرف الشباب فليس لي شأن بهذا. لكن شتان بين هذا وبين "نسف" الحركة الكشفية (بالكلمات التي تستعمل اليوم) او وجوب اغلاقها او الغاء وجودها.


حركة الكشاف العربي


اولاً لا بد من التوضيح ان الحركة الكشفية هي حركة عالمية تأسست في بداية القرن العشرين وجذورها بريطانية. وبحسب المعلومات المدونة في الموسوعة الشعبية فيكيبيديا، بدأت الحركة الكشفية في العالم العربي في كل من لبنان وسوريا عام 1912 ثم في فلسطين ومصر والعراق. وفي العام 1938 دعت كشافة سوريا قيادات الحركة الكشفيــة العربيـــة إلى الاشتراك فـى مخيم أقيــم فــــى بلودان بسوريـــا بغرض لم شمل الشباب العرب وجمع كلمته وتوثيق الصلـــة بيــــن أكبر عدد ممكن من الكشافين إيماناً بأن العرب أمة واحدة، وقد حضر إلــى هذا المخيـم قيادات من لبنان وسوريا وفلسطين ومصر والعراق. وفي سنوات الخمسين تأزمت العلاقات بين الحركة الكشفية العربية وبين الحركة الكشفية العالمية على خلفية العلاقات مع اسرائيل.

من هنا فإن الفرق الكشفية العربية في الناصرة وحيفا والجليل هي امتداد لهذة الحركة العربية وليست نتاج لمشروع اسرائيلي او صهيوني كما يُخيل لشباب اليوم. والتمعن الثقافي في التعاليم والأناشيد الكشفية لهذة الفرق، لا يدع مجال للشك في عروبة ووطنية هذا التراث الذي زُج به بعد النكبة، كما زُج بنا جميعًا، الى حيز المفاوضة والمساومة على وجوده وعلى علاقته القسرية والمفروضة عليه مع منظمة الكشاف الاسرائيلي ومع الدولة.

نكبة وأبعاد طائفية


اولاً لا بد من التنويه انه بغياب المؤسسات الشبابية العربية في سنوات ما بعد النكبة، كان للكشاف العربي في الداخل دور هام في تعبئة هذا الفراغ التربوي والأجتماعي والسياسي. ورغم ان مبداء اساسي من مبادئ الكشاف هي الترفع عن الامور السياسية وعدم تداولها، الا اننا في ظل نقاش تعريف ما هو السياسي يمكننا القول ان السياسة العامة والوحيدة للكشاف أقتصرت على حب الطبيعة والناس والاخلاص لله والوطن. هل هذا يعني ان "الوطن" اللذي كان في سنوات الثلاثين والاربعين "فلسطين" و"الوطن العربي" أصبح في سنوات الخمسين والستين "إسرائيل"؟! لا بد أن نكون فائقي السذاجة لنعتقد ذلك.

طبعاً لا أدعي ان الكشاف اليوم يجلس على قمة الوطنية، فهو كغيره من المؤسسات العربية يخضع لضغوطات سياسية خارجية من كافة الجهات ويناضل ليجد طريقه وليحفظ استمرارية وجوده حتى وان اضطر لدفع فاتورة ذلك. والسؤال: هل يمكن للكشاف العربي الفلسطيني في اسرائيل أن ينفصل عن منظمة الكشاف الأسرائيلية وان يصيغ وجوده كحركة كشفية مستقلة؟ هو موازي للسؤال: هل ممكن للفلسطينيين في الداخل على كافة مؤسساتهم التربوية والدينية وغيرها الأنفصال عن الدولة وصياغة وجودهم بشكل مستقل عنها؟ 

الابعاد الطائفية 


لأسباب أجهلها، وربما لها علاقة بتطور الحركة الكشفية في الداخل بعد النكبة، ولا أدري أن كان الأمر كذلك في الدول العربية، ترتبط الفرق الكشفية في الداخل بشكل وثيق مع الطوائف الدينية. فلكل كنيسة فرقتها الكشفية وللطائفة الاسلامية فرقتها الكشفية أيضًا. وتحصل هذة الفرق على الدعم من الكنائس التي تزودها بمقرات تشمل غرف لقاء وساحات وملاعب رياضية بينما تقوم هذة الفرق بفعل وجودها بتوطيد العلاقة بين الكنائس ورجال الدين وبين رعاياها[1]. وربما من بقايا التراث العربي الكشفي الغير طائفي هي فرقة كشاف الصداقة (المختلطة) في الناصرة، وهي لا تتبع اي من الطوائف لكنها حصلت على الدعم (اي مقر للكشاف) من قبل طائفة الروم الكاثوليك. وبشكل مشابه أعتمدت على سبيل المثال فرقة الكشاف الاسلامي في الناصرة على مقر في وقف الجامع الأبيض وقد توقف عمل هذة الفرقة منذ سنوات لأسباب ادارية لن أتطرق لها هنا.

من هنا فإن المشهد الحالي والنشاط العام للفرق الكشفية في الداخل هو مشهد ونشاط شبابي شعبي مسيحي مرتبط بعلاقة وثيقة مع الكنائس التي توطد من خلاله علاقتها بين الشعبوية العلماني وبين الشعائر الدينية الروحية لرجال الدين وللكنيسة.

إضافة لذلك في ظل غياب إطار لحراك ونشاط شبابي عربي بحت، مستقل نوعاً ما عن مؤسسات الدولة، فلا يمكن تجاهل أن 25,000 من سكان الناصرة المسيحيين على سبيل المثال وهم 30% من مجمل السكان في البلد لهم 6-7 فرق كشفية تستقطب اسبوعيًا أطفال وشباب بنشاطات كشفية لا منهجية، بينما 50,000 من السكان المسلمين وهم 70% من سكان البلد يفتقدون هذة الأطر الشبابية وفي أفضل الأوقات كانت هناك فرقة كشفية اسلامية واحدة محدودة نسبيًا من حيث عدد الافراد التي تمكنت من استيعابهم. وهنا لا يمكن تجاهل أن املاك الطائفة الاسلامية اي "الوقف الاسلامي" الذي تواجد في الفترة العثمانية في عهدة الدولة العثمانية المسلمة انتقل مع قيام دولة اسرائيل الى سيطرة الدولة الصهيونية وهذا ادى الى تجريد الطائفة الاسلامية في الداخل من مواردها ومن املاكها وحد من قدرتها على النهوض الاجتماعي برعاياها من خلال رجال الدين والمساجد وباتت رهينة الدولة ورهينة أهوائها السياسية.

وفي ظل الاجواء الطائفية التي يعيشها العالم العربي عامة والمجتمع  العربي في الداخل، لا بد من الوقوف على ان هذة الحالة وهذا الإرتباط الوثيق بين الكشاف والطوائف الدينية له ابعاد اجتماعية واسقاطات على الفجوة الشاسعة والمتنامية بين الفئتين، المسيحية والمسلمة في اسرائيل. اضافة لذلك حتى ولو أني حاولت جاهدة لكن لم يمكنني تجاهل الهوية الطائفية للمتحاملين والمزاودين "الوطنيين" على الفرق الكشفية، وبغالبيتهم مسيحيين بينما يلتزم المسلمون بخط متروي ومتزن أكثر. وهذا يثير لدي التساؤلات واهمها ايشعر هؤلاء "المسيحيين الوطنيين" بحاجة معينة لأثبات وطنيتهم وأثبات نزاهتهم ونظافة اياديهم في الحراك السياسي الوطني؟ أيعتمد هذا التحامل والجلد الذاتي على شعور بالدنيوية السياسية والوطنية؟ وان كان الأمر كذلك فمن أين ينبع هذا الشعور وما الذي يدفع المسيحي العربي[2] الوطني الى الشعور بالنقص وطنياً؟ (شو في حدا قاعد يخون فيك ليل نهار تنك بحاجة انك تثبت حالك وتجلد حالك سياسيًا ووطنيًا؟) وطبعاً هذة التساؤلات لا بد ايضًا أن تشغل بال الوطنيين كافة مسلمون ومسيحيون ومن الأفضل أن تقلقهم وأن يقلقهم ما آلت اليه الحركة الوطنية.

ملاحظات اضافية


بالأضافة للفرق الكشفية التي تتبع الطوائف الدينية، هناك "كشاف المدارس"، لكن باعتقادي انه هذا التيار الكشفي اقيم في إطار وزارة التربية الاسرائيلية ومن خلال اذرعها وهو يختلف نوعياً من حيث الملابس والأناشيد والنظم والتعاليم عن الفرق الكشفية الاسلامية والمسيحية. وربما كانت هذة ايضًا محاولة صهيونية لإستبدال فرق الكشاف العربي وثقافته العربية بفرق وثقافة كشفية إسرائيلية. لكنني حقيقة أجهل هذة الفِرق واجهل تاريخها فلتؤخذ هذة الملاحظة بتروي وبتحفظ. 

من الأناشيد الكشفية التي يتعلمها اعضاء الكشاف الكاثوليكي في اسرائيل: "نحن الشباب"، و"كشاف هيا" وهي أناشيد تنشدها الفرق الكشفية العربية في سائر الدول العربية إضافة الى نشيد "موطني موطني". وإن دل هذا على شيئ فهو على انه: وإن امتنعت هذة الفرق عن التداول المباشر في الأمور السياسية الى أن تراثها الكشفي العربي له دور كبير في خلق شعور الإنتماء والتواصل مع جماعة عربية مُتخيلة تمتد اواصرها خارج إطار الزمن (السنوات العشر لجيل الطفولة والشباب) وخارج المكان (اسرائيل وحدودها القسرية) وخارج المرحلة الحالية (مرحلة الصهيونية والنكبة). 

وطبعاً لا تخلو حياة الفرق الكشفية العربية في اسرائيل من التناقضات والصراعات الداخلية كما لا تخلو حياتنا جميعًا منها فجميعنا يحمل العلم الأزرق والأبيض على كافة اوراقه الرسمية، وبهذا فهي حركة كشفية منكوبة كما هو المجتمع الفلسطيني في الداخل كله مجتمع منكوب، وفي ظل التناقضات هذة نعتاد ببلادة على شيزوفرينيا الموقف. وليس هذا دفاعًا عن رفع العلم الأزرق والأبيض، لكنني لا أعتقد بأن هذا مبررًا كافيًا للتحامل على الكشاف بهذا الشكل، بل العكس هو الصحيح فإن هذة المؤسسة هي جزء من مؤسسات عربية محلية يجب أن نفتخر بوجودها وبصمودها بالرغم من كل الظروف.

----

فرقة كشاف اللاتين حيفا في طلعة العذراء (2012)



قائد في فرقة كشفية حيفاوية في طلعة العذراء في حيفا (2012)


 طلعة العذراء في حيفا، تقليد عمره أكثر من 80 عام 


واذا لم يكن هذا مشهدًا وطنيًا من الدرجة الاولى فماذا هو؟!!!



وكل ما تبقى لنا الأن هو أن نقوم بنسف فرق الكشاف والحركة الكشفية،
فما عجزت عن "نسفه" أسرائيل نقوم نحن بنسفه عوضًا عنها.




كلمة توفيق زياد في اختام مسيرة عيد الاضحى في الناصرة (1991)



بس للأسف من قلة الفلسفة بتيجي الفلسفات الوطنية!!




[1]  حتى نهاية سنوات التسعين أقتصرت الميزانية الفعلية لهذة الفرق على رسوم الاشتراك. كافة الاعضاء والمرشدين الكشفيين عملوا بشكل تطوعي بدون مقابل. في سنوات الالفين بدات الدولة بتخصيص ميزانية معينة لمرشدين يحصلوا على اجر او راتب رمزي مقابل عملهن في الحركة الكشفية وبأعتقادي ان بهذة الخطوة محاولة من قبل الدولة لأحتواء الحركة الكشفية العربية وضمها الى "حضن الدولة" وبأعتقادي يجب التصدي لهذة الخطوة وضحدها.
[2] "المسيحي العربي" كهوية ثقافية وليس دينية وتشمل ايضا العلمانيين والملحدين الذين ينتمون ثقافيا الى اقلية مسيحية عربية لها تاريخها الثقافي والاجتماعي والسياسي الخاص في الدول العربية.