‏إظهار الرسائل ذات التسميات حيفا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حيفا. إظهار كافة الرسائل

اصدار كتاب: المدينة الفلسطينية قضايا في التحولات الحضرية

 يشرفني ويسعدني أن ينشر لي فصلاً في كتاب المدينة الفلسطينية: قضايا في التحولات الحضرية الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية. الكتاب من تحرير د. مجدي المالكي ود. سليم تماري، وساهم فيه 21 من الباحثيين الاكادميين.

الفصل بعنوان "تحولات ثقافية في الحيز الإيكولوجي الحضري في الناصرة" ص 353-380.
يمكن الحصول على الكتاب من موقع المؤسسة.



الاعلان عن الكتاب كما جاء في صفحة مؤسسة الدراسات الفلسطينية:
 
"المدينة الفلسطينية قضايا في التحولات الحضرية"

كتاب صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

صدر حديثًا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب "المدينة الفلسطينية: قضايا في التحولات الحضرية" من تحرير الباحثين مجدي المالكي وسليم تماري ومساهمة 21 باحثا/ة وأكاديميا/ة، وهم/ن: مجدي المالكي؛ سليم تماري؛ خالد زيادة؛ راسم خمايسي؛ عادل مناع؛ أحمد أمارة؛ همت الزعبي؛ ليزا تراكي؛ جاد ثابت؛ عبد الحافظ أبو سرية؛ جاك برسكيان؛ خلدون بشارة؛ سليم أبو ظاهر؛ فرانشيسكو أموروسو؛ جاودة منصور؛ أتشاتشو دومينغيز دي أولازابال؛ نسرين مزاوي؛ باسل ريان؛ أحمد حنيطي؛ شيراز نصر؛ وئام حمودة.

وعملت نرمين عباس على تدقيق الكتاب وتحريره لغويًا، فيما عملت مصممة الغرافيك مايا شامي على تصميم الغلاف، وجاء الكتاب في 440 صفحة من القطع المتوسط، وطُبع في بيروت/لبنان، وفي رام الله/فلسطين.

تعالج الدراسات في هذا الكتاب مجموعة من القضايا ذات العلاقة بالتحولات التي شهدتها المدن الفلسطينية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الآن. وتشترك جميعها في إبراز أهمية العوامل التاريخية والسياسية، وتحديداً دور الاستعمار الإسرائيلي الكولونيالي، في تشويه المدن الفلسطينية وحجز تطورها تاريخياً، وتهويدها في مناطق 48، وفي مدينة القدس، من خلال سياسات ممنهجة ومساعٍ لإنتاج المدينة الفلسطينية كغيتو في الداخل المحتل منذ سنة 1948، كما في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ سنة 1967. وتتناول كل هذه الدراسات عدة محاور مهمة تتعلق بتطور المدن الفلسطينية تاريخياً، وإعادة تشكيل تنظيمها المكاني، والتحولات التي أصابت تركيبها المورفولوجي والديموغرافي، وتأثير العولمة والسياسات النيوليبرالية في التشكل الطبقي الجديد فيها، والأثر الاجتماعي للتحضُّر المتسارع والتوسع العمراني الذي شهدته مدن ما بعد اتفاق أوسلو على وحدات التركيب الاجتماعي داخلها، وعلاقتها بمحيطها الريفي، وآليات تبلور حركات مدينية مقاومة فيها، ودورها في تعزيز الهُوية الوطنية والثقافية بصورة عامة، وتنقُّل وتشابك النشاطات الثقافية والسياسية من مدينة إلى أُخرى (من حيفا ويافا إلى الناصرة ورام الله).


وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسات المحكّمة هي نتاج أوراق قدمت في مؤتمر عقدته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في جامعة بيرزيت في الفترة الواقعة ما بين 1 و3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 تحت عنوان الكتاب نفسه، حيث شارك فيه فضلاً عن المختصين/ات والأكاديميين/ات معدي/ات الدراسات، مجموعة من الفنانين/ات والمثقفين/ات والباحثين/ات والطلاب/ات المهتمين/ات الذين قدموا مداخلات شفهية بشأن المشهد العمراني والثقافي في المدينة الفلسطينية. وخضعت جميع الأوراق في هذا الكتاب للتحكيم مرتين، الأولى من اللجنة الأكاديمية التي اختارت تلك المقالات لتُقدم في المؤتمر، ثم تم تحكيمها مرة أخرى من جانب محرري الكتاب.

وانبثقت فكرة المؤتمر، ولاحقاً الكتاب، من اهتمام المؤسسة بالتحولات الحضرية المعاصرة التي أصابت بنية المدينة الفلسطينية بعد إلحاق القدس العربية، وحصار بلدات الضفة الغربية ومدنها، وقطاع غزة، ونمو ظواهر مدينية جديدة، حيث برز الاهتمام على وجه الخصوص في المؤسسة بدراسة مصير المدينة الفلسطينية على خلفية التحولات الجذرية التي أصابت مدن المشرق العربي في القرن العشرين وخصوصاً أن قضايا المدينة الفلسطينية وتغيرها كانت قد احتلت اهتمامات المؤسسة النشرية، وعلى رأسها سلسلة "مدن فلسطين" التي نشر منها أكثر من عشرة كتب عن التطور الحضري في أرجاء فلسطين التاريخية، بالإضافة إلى كتيبات استراتيجية عديدة (مونوغرافات) بشأن قضايا حضرية معاصرة.


وأخيراً، بالرغم من نزوع العديد من هذه الدراسات في هذا الكتاب إلى رصد تطور المدينة الفلسطينية تاريخيًا دفاعًا عن وجود الشعب الفلسطيني وعن هويته، ولدحض الادعاء الصهيوني "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" من خلال تبيان مدى ازدهار المجتمع الفلسطيني وتطوره الحداثي، نجد أن هناك أيضًا بعض الدراسات التي تطرقت إلى الجوانب السلبية في المدينة، أو ما أصبح يعرف بـ "أمراض التمدن"، مثل سوء التخطيط والاستقطاب الاجتماعي الحاد بين أحياء الفقر والأحياء المرفهة. حيث تشير هذه الدراسات إلى أن المشكلات اليومية والمصيرية التي أضحت سمة بارزة للمدينة العربية، هي محصلة فوضى عارمة، ومدينة معتقلة داخل الاسمنت، ومواطنون يعانون "المدينة"، إذ أصبح المواطن في بناها فاعلاً وضحية في آن.


للحصول على نسخة من الكتاب:
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1651672

بين الهويات الطائفية والاجندات الطائفية


مقدمة

أفتتح العام الدراسي 2015-2016 في الداخل بإضراب المدارس الاهلية\الخاصة احتجاجًا على تقليص الميزانيات الحكومية المخصصة لهذة المدارس على مدار ثلاث سنوات بنسبة ما تقارب ال70% من مستحقاتها مقارنة بالمدارس الاهلية\الخاصة الإسرائيلية. وقد اثار اضراب هذة المدارس حفيظة البعض من حيث الإسم الذي تداوله الاعلام الرسمي والاجتماعي في وصف هذة المدارس بالمدارس المسيحية.

للمدارس العربية الاهلية\الخاصة (المسيحية) في البلاد تاريخ طويل، بعضها يعود تاريخها الى الفترة العثمانية وبعضها اقل، وحتى النكبة شاركت هذة المدارس هذا التاريخ مع المدارس الاهلية\الخاصة (المسيحية) في الدول العربية المجاورة، فمدارس الفرنسيسكان على سبيل المثال وجدت في كل من لبنان والاردن وفلسطين ومصر وسورية والعراق.

على مدار سنوات اعتاد فلسطينيي الداخل على الاسم "مدارس اهلية" او "مدارس خاصة" للأشارة الى هذة المدارس، وبالرغم من الاسماء المسيحية البارزة لكل منها: "الكلية الارثودكسية" او "كلية مار الياس"  او "راهبات مار يوسف" او "المعمدانية" او "الاكليريكية" او "راهبات الناصرة" او "راهبات المخلص" او غيرها، وبالرغم من التبعية الكنسية الواضحة لهذة المدارس الا انها لم تكن مركزية في التعامل معها، وخدمت هذة المدارس ابناء المجتمع الفلسطيني من كافة الطوائف وعرفت على مدار السنين كمدارس اهلية وكمدارس خاصة وليس كمدارس مسيحية.

لن اتوسع هنا في المهمة التربوية وفي الدور الاجتماعي الذي لعبته هذة المدارس في حياة المجتمع الفلسطيني في الداخل بعد النكبة، كما ولن ادخل في الادوار والمواقف السياسية لكل من هذة المدارس فهي تختلف فيما بينها، وسأكتفي بالقول انه في حين تقاعست الحكومة عن الإستثمار في المدارس العربية، اخذت المدارس الاهلية على عاتقها مهمة انشاء اجيال مع تحصيل علمي عالي نسبيا يمكنهم من الالتحاق في الجامعات وباتت هذة المدارس تنافس افضل المدارس الإسرائيلية وبعضها ترأس لسنوات قائمة افضل المدارس في إسرائيل.

اضافة الى المدارس الأهلية\الخاصة "المسيحية"، قامت في العقدين الاخيرين مدارس عربية بديلة (مدرسة حوار في حيفا، ومدرسة مسار في الناصرة، ومدرسة اهلية اسلامية في الرملة واخرى في اللد)، وهي ايضًا مدارس اهلية\خاصة الا انها تتبع لجميات اهلية مستقلة ويختلف تاريخها كليًا من حيث حداثته ومن حيث خصوصيته عن السابقة، وتعاني هذة المدارس من قضايا مختلفة عن ما تعانيه الأولى.

من هنا فإن اضراب المدارس (في مرحلته الاولى) اقتصر على المدارس الاهلية "المسيحية\الكنسية"، حيث ان الأجندة الحكومية التي ضربت هذة المدارس هي اجندة عنصرية-طائفية، ضربت المدارس الاهلية "المسيحية" خاصة وليس الاهلية العربية عامة، وخلال هذة الأزمة والاضراب ظهر اسم "المدارس المسيحية" في الإعلام الرسمي التابع لاجندات سياسية  كما وفي الإعلام الإجتماعي المُسيس منه والعفوي، في حين تنوعت التسميات في الإعلام العربي المحلي.

تساؤلات يثيرها الجدل الداخلي حول الحاق الأسم "مسيحية" بما عُرف حتى اليوم بالمدارس الأهلية\الخاصة

الى جانب ارتباط الإسم بشكل مركب ومباشر مع اجندة طائفية تستهدف المجتمع الفلسطيني، إلا ان الجدل الداخلي حول الحاق الاسم "مسيحية" بالمدارس الاهلية  يثير السؤال حول قدرة النضال الوطني والهوية الفلسطينية الشاملة على استيعاب كافة الهويات التي تركب المجتمع الفلسطيني. فهل قضية الاوقاف الاسلامية مثلا (التي انتقلت من ادارة الدولة العثمانية الى ادارة سلطات الانتداب ومن ثم الى ادارة الدولة الصهيونية التي تُهملها ولا تستثمرها في الصالح العام) تتحول الى قضية طائفية لمجرد الحاق الاسم "اسلامية" بها، ام ان التسمية هي جزء من تعريف القضية ومن دلالاتها التاريخية والدينية ولا يفسد الإسم من وطنية القضية التي تعني كافة الفلسطينيين مسيحيين كانوا ام مسلمين؟

هل النضال الوطني باستطاعته احتواء وإستيعاب كافة الهويات الموجودة فيه، ام انه نضال ركيك تهدده هويات الأقليات الطائفية؟ وإن كانت الهوية الفلسطينية مهددة من هويات الأقليات التي تركبها، فربما من الاجدر بنا مسائلة الهوية الفلسطينية ومسائلة النضال الفلسطيني الجامع وعدم الهروب من هذة المسائلة الى الغاء الهويات الطائفية للأقليات، فإسقاط الطائفية السياسية على الهويات الطائفية المسيحية او الدرزية او غيرها (كأنها حتما اجندة سياسية نقيضة للوطنية القومية) ما هي الا بمثابة تخوين وتكفير سياسي وطني قومي.

من مظاهرة المدارس الاهلية امام المكاتب الحكومية في القدس
ومن الواضح ان الطائفية والهويات الطائفية تهدد الهوية الفلسطينية وتهدد النضال الفلسطيني القومي الجامع، والا فلم يكن هذا الجدل ليُثار، فإزاء ذلك هل نقوم بالغاء هذة الهويات وقمعها للحفاظ على الهوية الجامعة، ام نقوم بتعزيز الهوية الجامعة وتقويتها لتستطيع احتواء جميع الهويات دون ان تكون مهددة منها؟

هل يجب ان نصل الى وضع نقول فيه "انا فلسطيني مسيحي وافتخر" على غرار "انا عراقي مسيحي وافتخر" او "انا سوري مسيحي وافتخر"، ام انه من المفهوم ضمنا وجود مسيحيين عرب وهويتهم الطائفية ليست حتما اجندة سياسية طائفية وليست تهديد على شمولية القضية الوطنية؟

وللنهاية لا بد ان اقول انه منذ صغرنا ربينا على مقولة: الدين لله والوطن للجميع، واتسأل اليوم منذ متى صار الدين نقيض الوطن والوطنية؟! اليس هذا بذاته تذويت للطائفية؟! الهوية الجماعية العامة والشاملة مهمة جدا لكن من الأصح ان تتعايش هذة الهوية مع باقي هويات افرادها المختلفة وليس ان تمحيها وتضطهدها او تقمعها لتوحد صفوفها فتمحي معها التنوع الثقافي والحضاري للجماعة وللمنطقة. الإنتماء الطائفي ليس بالضرورة طائفية سياسية، وان  اساءت "الوطنية السياسية" التعامل معه سيكون مصيرنا السياسي طائفي حتمًا.

الهويات مركبة وليست احادية سطحية، وهي داخليه تنبع من داخل المجتمع ونعتز بكل الهويات والطوائف الموجودة فيه، ام الأجندات السياسية الطائفية فهي اجندات خارجية تسقط علينا من الخارج وتعمل بمبداء فرق تسد. فهل نواجه الموضوع من خلال الغاء التنوع الطائفي الموجود وكبته، ومن خلال قمع الأفراد تكفيرهم تخونيهم وترهيبهم (ان رفعوا علم اصفر ابيض)، ام من خلال التعامل مع كل طائفة كمركب عضوي في المجتمع يستطيع المجتمع باشمله استيعابها واحتوائها؟ هل ممكن بناء تضامن اجتماعي ولُحمة اجتماعية وطنية شاملة بين افراد من ديانات مختلفة ام ان ذلك مستحيل فنلجاء الى اخماد هذة الهويات والتغاضي عنها وكبتها لانها تهدد سلامة المجتمع وسلامة الوحدة الوطنية؟!

ولا يوجد لدي جواب واحد، فنعم التعامل مع هذة المدارس كمدارس مسيحية هو جزء من اجندة سياسية طائفية، وعلى الأغلب ان يكون هذا هو الجواب الصهيوني لمواقف الفاتيكان المتقدمة حيال القضية الفلسطينية، لكن الهوية المسيحية هي جزء من الهوية الوطنية ورفض هذة الهوية وكبتها والتعامل معها كأنها اساءة وطنية ما هو الا طعن في النضال الوطني لإضعافه وتحويله الى نضال طائفي فئوي، وإن كفلسطينيين هددتنا الهوية المسيحية العربية باعلامها البيضاء والصفراء فالأفصل بنا مراجعة الهوية الفلسطينية. 

اولاد اليمن


"لا يُعقل انه هنا في دولة اليهود هذا ما يصنعه يهود ليهود"، بهذة الجملة افتتحت السيدة نعمة كاتي عن مؤسسة عمرام الأمسية التي عقدت في حيفا بالأمس لذكرى "اولاد اليمن". ولغة المضارع التي تتحدث بها السيدة كاتي ليست صدفة فالتعتيم على الموضوع، تسكير الأفواه واغلاق سجلات الدولة امام كل من يحاول تقصي الحقائق والبحث في الموضوع ما زال مستمر الى اليوم.

"اولاد اليمن"، هذا هو الاسم الذي يطلق في اسرائيل على قضية خطف الاطفال من العائلات اليهودية اليمنية، التي هاجرت الى البلاد في سنوات الخمسين، لتتم تنشئتهم في عائلات يهودية من اصول اوروبية. الأمر لا يقتصر على العائلات اليمنية فقط، لكن هناك من يدعي انه لا توجد هناك عائلة يمنية واحدة لم يخطف منها اطفال، بعضهم خطف منهم اكثر من طفل واحد، اما حالات خطف الاطفال من عائلات من اصول أخرى فقد كانت قليلة نسبيًا وحدثت باشكال وباماكن متفرقة. 


بيوت الاطفال التي جمع فيها الاطفال للرعاية وكانت احدى محطات اختفاء الاطفال

قضية "اولاد اليمن" في اسرائيل والتي فُضحت في سنوات التسعين، هي قضية مشابهة لعدة قضايا في العالم في دول قومية سعت الى التحسين العرقي. فهناك على سبيل المثال قضية خطف اطفال السكان الاصليون في كل من كندا والولايات المتحدة الامريكية واستراليا وارسالهم الى مؤسسات تربوية ودمجهم عن طريق التبني والزواج من عائلات اوروبية. في هذة القضايا لعبت الكنيسة الكاثوليكية كما ومؤسسات تبشيرية اخرى دور لا يستهان به حيث كانت هي المفوضة والمسؤولة عن المؤسسات التي استقبلت هؤلاء الأطفال وعملت على "تهذيبهم". كذلك الأمر مع اطفال الأرمن في الدولة العثمانية حيث تم نقلهم الى عائلات مسلمة، وفي اسبانيا الدكتاتورية في فترة حكم فرانكو حيث تم التنكيل بالنساء من المجموعات المعارضة وخطفت اطفالهم. بالاضافة الى قضية مشابهة في روسيا في فترة ستالين تعرف باسم "ابناء الجليد"، واخرى في رواندا، وكذلك في كوبا في السنوات 1960-1962 حيث خطفت الولايات المتحدة الامريكية الاطفال من العائلات الكوبية بشكل ممنهج بهدف كسر شوكة كاستروا وضرب المجتمع الكوبي.

ما يميز كافة هذة القضايا هو انها ظاهرة مرافقة لنشوء الدول القومية، وعملية خطف الاطفال تمت في مجموعات ثقافية بوجودها هددت الهوية الثقافية للدولة. واليوم تعتبر هذة القضايا كجزء من عملية ابادة ثقافية لمجموعات ثقافية "غير مرغوب بها".

الابادة الثقافية ليهود اليمن في الدولة الصهيونية، "دولة اليهود"، في سنوات الخمسين لم تقتصر على خطف الاطفال فقط انما رافقتها عمليات احتيال وسرقة للمتلكات الخاصة من كتب تاريخية ومخطوطات يدوية حفظتها الجالية اليهودية لأكثر من الفي عام، تم الاستيلاء عليها من قبل مؤسسات الدولة وتم ايداعها في مخازنها بينما اُشيع خبر احتراقها كحادث مأساوي في الباخرة التي نقلتها. بالإضافة الى هذا تم الاستيلاء على حلي ذهبية ومجوهرات كبيرة الحجم ومزخرفة اشتهر بها يهود اليمن ويعود تاريخها ايضًا الى مئات السنين او اكثر، وقد قيل لهم على متن الطائرة التي اقلتهم للبلاد انه لا يجدر بهم اصطحاب الذهب الى "ارض الميعاد"، فهو اشبه بعجل الذهب الذي عبده اليهود التأهون في صحراء سيناء ويجب التخلي عنه، والمرأة التي لم تتنازل عن حليها بإرادتها تم اخذها منها بالقوة.  

الجملة التي أفتتحت أمسية الامس "لا يمكن ان نصدق انه هنا في دولة اليهود، يهود يصنعوا هذا ليهود"، بصيغة المضارع لا تعبر الا عن حالة إنكار عميقة. إنكار للواقع، فإما ان اليهود ليسوا يهودا او ان الدولة ليست "دولة اليهود" كما تصورها الصهيونية، وكل الخياريين لا يستطيع غالبية من جلس في القاعة بالامس التعايش معه.  

وبينما اتماهى مع جملة "كل ما اريده هو ان تعود اختي للبيت" الذي يطلقها احدهم بعفوية من بين الجمهور، لا يمكنني تجاهل العلاقة المركبة بيني انا، ابنة عائلة فلسطينية ناجية من تطهير عرقي مستمر يتم من قبل نفس المؤسسة، الدولة الصهيونية، وكل ما اريده هو ان ارى اللاجئين الفلسطينيين عائدون الى بيوتهم بين ذويهم، وبين مجموعة ثقافية عرقية احضرتها هذة المؤسسة الى البلاد كجزء من عملية التطهير العرقي هذة بينما تقوم في ذات الوقت بالأنقضاض عليها بهدف إبادة ثقافتها ومحي هويتها لتتطابق مع النموذج الاوروبي للدولة ومع هويتها الاوروبية. والعلاقة التي تربط الفلسطينيين مع يهود اليمن هي علاقة معقدة لا بد لنا من التعامل معها بعمق كي نفهم مدى التحديات والإشكاليات التي تقف امامها. فبالرغم من ان الفلسطينيين كما يهود اليمن هم ضحايا لذات الفكر والنهج الصهيوني، الا ان امكانية التضامن ما بين الفئتين هو امر شبه مستحيل. فيهود اليمن بغالبيتهم اليوم هم من انصار اليمين الاسرائيلي، حيث ان عملية الابادة الثقافية تمت في حينه على يد المباي، اي اليسار الاسرائيلي الذي تحول فيما بعد الى حزب العمل. من هنا فإن التنافر القسري بين يهود اليمن وبين اليسار الاسرائيلي والذي ينبثق عنه بشكل تلقائي تنافر مع العرب الفلسطينيين هو امر حتمي لا مفر منه.

وليس هذا لاي سبب خاص بالفلسطينيين او بعلاقة ما مباشرة بين الفلسطينيين ويهود اليمن بل لمجرد انه: ان تكون يمينيا في اسرائيل معناه ان تعادي العرب وأن تعادي الثقافة العربية وكل ما يأتي منها وأن تزدريها وتحتقرها ليسهل عليك اقناع ذاتك باخلاقية احتلالهم فأنت الأنسان المتنور تحضر لهم "الحضارة" وتأخذهم من الظلمة الى النور. وللمفارقة هذا هو ذات السبب الذي ادى الى إبادة ثقافة يهود اليمن.  

لكن حديث السيدة كاتي في بداية الامسية بلغة المضارع يشير الى ان حكومات اليمين واليسار المتعاقبة في الدولة كلها تتابع التعتيم على الموضوع بدون اي اختلاف بينهم. اي ان اليسار واليمين متورطون معًا في هذة الجرائم وفي التستر عليها، وهم يسيرون في ذات الطريق بدون اختلافات جذرية بينهم. وهذا ما لا يستطيع يهود اليمن في البلاد استيعابه او تقبله او التعايش معه. فاليسار الصهيوني في اسرائيل في نظرهم هو هو يسار فاشي، لكن اليمين الصهيوني ايضا هو صورة طبق الاصل عنه بتعديلات خفيفة ليست جوهرية. وموقف اليمين الصهيوني ليست افضل حيال العرب ولن تكون افضل حيال يهود اليمن كمجموعة ثقافية. فالدولة الصهيونية وإن شائت ان توهمنا انها "دولة اليهود" الا انها ليست كذلك، والا كيف نفسر ان تقوم "دولة اليهود" بإبادة ثقافية ليهود اليمن وبدحر ثقافة يهودية حُفظت لأكثر من الفي عام واندثرت على يد الصهاينة؟!


---------------


وما اشبه الصهيونية بداعش، حركة ظلامية بحتة، تعمل على الابادة الثقافية للبلاد ولسكانها ولتاريخها بدون اي فرق بين يهودي، مسيحي، مسلم سني او شيعي، يزيدي، آشوري او اخر.

وقد يتسائل البعض لماذا اكتب عن يهود اليمن ضحايا الصهيونية وهم موالين لها؟
وعلى هذا اجيب: لانه مسار التحرر يجب ان يكون مسار كامل، والتهاون في حرية فئة معينة يجر تهاون في حريات الفئات الاخرى ويُسّهل على المؤسسة المراوغة والسيطرة. وهكذا ينتج وضع فيه يهود اليمن بغالبيتهم مواليين لاحزاب اليمين اللتي تكره الثقافة العربية وتزدريها بشكل معلن، بينما هم بذاتهم يهود عرب وثقافتهم اللتي اُبيدت هي ثقافة عربية.

والحرية لا تُنجز إلا بالتضامن بين كافة الفئات المقموعة، وإلا فإن فئة معينة ستستعمل كحربة لمحاربة فئة أخرى.