قمة كوبنهاجن – القصة وما فيها

تنعقد قمة كوبنهاجن للمناخ في أطار معاهدة الأمم المتحدة للمناخ الموقعة عام 1994. وتعتبر سنوات التسعين من اهم السنوات في الخطاب البيئي الدولي وأهم الامور الموضوعة على طاولة المفاوضات في كوبناهجن اليوم هي بروتوكول كيوتو وصندوق التكييف المخصص لدول الجنوب. سأحاول هنا أستعراض هذين الموضوعين والمعضلات الأساسية حولهم بشكل مقتضب لمحاولة توضيح الشرخ البيئي بين دول الجنوب ودول الشمال.

اولاً بالنسبة للخلاف "العلمي" حول تغيرات المناخ والأحتباس الحراري أود التنويه بأن الخلاف الموجد ليس حول ماهية الموضوع أنما حول تفاصيله، ففي الواقع يوجد أجماع عام بين كافة العلماء على التغيرات المناخية الناتجة عن النشاط الصناعي البشري وعلى الأحتباس الحراري والخلاف هو حول فتحة الزمن الموجودة أمامنا للتدارك الأمور. طبعاً في كثير من الأحيان الأعلام يصور الموضوع وكان الخلاف هو بين وجود المشكلة أو عدم وجودها وذلك وفقاً للمصالح السياسية والأقتصادية للجهات التي قد يخدمها ذلك التمويه وعلاقة هذة الجهات مع الأعلام وسيطرتها عليه. والمعضلة المطروحة هي هل نقوم بتقليص الأنتاج الصناعي اليوم أو بعد عشرين سنة مثلاً وهل نقوم بتقليص كميات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 5% أو 30% أو ربما 80%؟!

عامة نستطيع أن نميز بين سيناريوهات أثنين: المتفائل والمتشائم، يمكننا اتباع السيناريو المتفائل ونتابع أعملنا كعادتها وبعد عشرين سنة نكتشف ربما أصبنا أو ربما أخطئنا وهكذا يكون أحتمال نجاحنا 50%، أو قد نتبع السيناريو المتشائم الذي سيفرض علينا تغيير أنماط حياتنا اليوم وايجاد طرق بديله ودوده للكرة الارضية وباعقاب هذا التغيير لن نعلم ابداً اي من السيناريوهات صدق لكننا سنبعد الخطر المنبثق عن تغيرات المناخ وتكون أحتمالات نجاحنا 100%. وهنا تكمن المعضلة أي من السيناريوهات نختار وما هو مقدار "التشاؤم" أو "التفائل" في السيناريو الذي سيتم الأتفاق عليه والعمل بموجبه. طبعاً القضية هي ليست قضية نفسيات أو مزاجيات انما قضية ربح وخسارة، مصالح أقتصادية دولية وعلاقات قوة سياسية.

اولاً للدول العربية دور هام في الموضوع، فبعضها مصدر للنفط وابرزهم السعودية ومن مصلحة هذة الدول اتباع السيناريوه المتفائل بأقصى حد حيث يحافظ هذا السيناريوه على قيمة ذهبها الأسود، النفط، بينما يقوم السيناريو المتشائم بالحد من أستهلاك النفط والتوجه الى مصادر طاقة بديلة وسيفقد النفط قيمته. خلافاً لذلك جزء أخر من الدول العربية عضوة في ائتلافات مختلفة لدول الجنوب وعلى رأسها كتلة الدول الأفريقية حيث بادرت بتحفيز جزائري الى مقاطعة المفاوضات أمس احتجاجاً على نهج التمويه وممارسات المراوغة لدول الشمال في المفاوضات.

عودة الى بروتوكول كيوتو حيث تم التوقيع عليه سنة 1994 وأنسحبت منه الولايات المتحدة مع تولي جورج بوش الأبن للرئاسة عام 2000. بروتوكول كيوتو هو اتفاق قانوني دولي يفرض على الدول الصناعية (دول الشمال) بتخفيض شامل لأنبعاثات ثاني اكسيد الكربون فيها بنسبة 5.2% نسبة لأنبعاثات سنة 1990. هذة النسب تختلف من دولة لدولة حيث تكون في أوروبا على سبيل المثال 8% في الولايات المتحدة 7%، اليابان 6% وفي روسيا 0%. ام بالنسبة لدول الجنوب وهي بطبيعتها الغالبة دول زراعية غير صناعية فلم يفرض عليها البروتوكل أي تحديد على العكس تم تخصيص حصص ايجابية من الهواء لهذة الدول وفيما بعد في عام 2007 تم الأتفاق على تبادل هذة الحصص مع الدول الصناعية مقابل مبالغ مالية تخصص للتكيُف للأضرار الناجمة عن تغييرات المناخ وتطوير تقنيات ودودة للكرة الارضية للنهوض بالأقتصاد المحلي.

تحصى الصين على دول الجنوب واعتبرت في ذلك الحين دولة نامية فلم يتم تحديد حصتها من الانبعاثات الغازية، طبعاً هذا الأمر أثار حفيظة الولايات المتحدة حيث أن الصين والولايات المتحدة مجتمعات معاً لهم حصة الأسد 40% من هذة الانبعاثات. عملية تقييد الولايات المتحدة مقابل فك رسن الصين في أنتاجها الصناعي له ابعاد أقتصادية كبيرة على كل من الدولتين، ولا ننس أنه خلال الأزمة الأقتصادية الأخيرة الصين كانت أحدى المرشحتين بالأضافة الى أوروبا لوراثة الولايات المتحدة بهيمنتها الأقتصادية العالمية.

طبعاً ليس الأمر بهذة البساطة أن الأنتاج الصناعي للصين وبالتالي الأنبعاثات الغازية التي تنتج عنها لا تشتق أبداً من عدد سكانها، فأن ما تنتجه الصين للأخرين يعود بالمردود الأقتصادي على الصين الا انه خارج أثر القدم البيئي لمواطينيها. وأثر القدم البيئي هو سلم لقياس مساحة الأرض الهواء والماء الذي يحتاجهم شخص معين لحياة بنمط معين، فعلى سبيل المثال أثر القدم البيئي في الهند 8 دونم للفرد بينما هي في هولندا 47 دونم للفرد و مساحة الارض المتوفرة للفرد في الهند هي 4 دونم للنسمة بينما في هولندا 8 دونم للفرد ومن هنا نجد ان الهند ينقصها 4 دونم للفرد لتحافظ على نمط حياته الموجود اليوم بينما ينقص هولندا 39 دونم للمحافظة على نمط حياه سكانها.

المعدل العالمي لأثر القدم البيئي هو 22 دونم للفرد بينما المساحة المتوفرة على الكرة الأرضية هي 18 دونم للفرد من هنا فنحن نحتاج الى ما يقارب 4 كريات أرضية أضافية لكي يستطيع كلٌ منا الحفاظ على نمط حياته الموجود اليوم. في هذا السلم تقع الصين تحت المعدل العام حيث أن أثر القدم البيئية في الصين هي 15 دونم للفرد بينما تتصدر الولايات المتحدة هذا السلم وتكون أثر القدم البيئية فيها 95 دونم للفرد تليها كندا 64 دونم للفرد وفي المرتبة الثالثة هنيئاً وهنيئاً اسرائيل 53 دونم للفرد. وبينما ينقص الولايات المتحدة 46 دونم للفرد ينقص أسرائيل 49 دونم للفرد ووبهذا تكون هذة أكبر فجوة عالمية بين المطلوب والموجود بينما تكون الصين في أدنى هذا السلم مع نقص 7 دونم للفرد.

غالبا ما نسمع الأدعاء بأن التضخم السكاني هو أعوص القضايا البيئية الا أنه يمكننا القول بأن هذا الادعاء فقد مصداقيته بالرغم من أنه ما زال يستعمل بسطحية من قبل بعض المغرضين فقد يكون التضخم السكاني مشكلة بيئية الا ان المشكلة الأعوص هي نمط الحياة فأن أرد كافة سكان العالم الحياة بنمط حياة أمريكي لأحتجنا الى 16 كوكباً موازيين للكرة الارضية لكن في تحولنا الى أنماط حياة مختلفة ودودة للكرة الأرضية قد تستطيع الكرة الأرضية تحمل عدد السكان الموجود اليوم وربما أكثر بدون أي مشكلة.

والسؤال الذي يطرح هو: لماذا اذاً لا نغير انماط حياتنا؟! طبعاً أحد الأسباب ذكرت سابقاُ فأن تغيير انماط الحياة سيغير قواعد اللعبة وموازين القوة وكل من الدول "العظمى" تريد المحافظة على مكانتها في هذة اللعبة فأن الأمر أشبه بطفلين كل منهم يمسك بخناق الأخر وكل ما تسمعه هو "فلت بفلت" "أنت أول، لا أنت أول"!!! وهكذا هي للأسف الشديد صورة الوضع المنبثقة عن المفاوضات في قمة كوبنهاجن.

ومن مراوغات دول الشمال انها تحاول أستبدال البروتوكول بأتفاقية أخرى تحدد فيها نسب أنبعاثات أخرى وفقاً للسيناريو المتفائل أو نسبة لسنوات اخرى لاحقة لسنة 1990 وهي سنوات قامت بها هذة الدول بزيادة وتكثيف انتاجها الصناعي علماً انها ستحد منه مستقبلا بشكل نسبي، بينما تود دول الجنوب تمديد أتفاقية كيوتو كما هي الى عام 2020 وهي اليوم سارية المفعول حتى 2012 الا اذا تم ابطالها الأن. أضافة الى ذلك فيوجد التباس في موضوع صندوق التكييف لدول الجنوب حيث قامت دول الشمال بأعطاء وعود لدفع مبالغ معينة مقابل حصص التلويث الا أنها تعتمد التمويه حول هذة المبالغ وحول كونها بديلة أو جزءا من التزامات أخرى بين هذة الدول. ومن الجانب الأخر تقوم بعض دول الجنوب بسبب الفساد المتفشي بها بالتصرف بهذة الميزانيات بشكل مخالف بتاتاً للأتفاقيات ناهيك عن ان بعض منها قد لا تجد له أثر بتاتاً.

وان تكلمت سابقاً عن أسرائيل فأن أحدى المفارقات الساخرة أن أسرائيل بتقنياتها المتقدمة وبصناعتها المتطورة وبنمط حياتها المبذر للكرة الأرضية تُعد دولة نامية وبهذا لا تحد الأتفاقية من كمية الغاز التي تقوم أسرائيل بأنتاجها، ومما يميز مفاوضات المناخ عامة وهذة القمة بالذات هو وجود عدة مجموعات وائتلافات تقوم كل منها بأجتماعاتها الخاصة بالاضافة الى الأجتماعات العامة الا أن أسرائيل لم تجد لها مكان بين هذة الأئتلافت حتى اليوم فدول الجنوب ترفض وجودها بأي من ائتلافاتها بينما أنضمامها الى دول الشمال سيفرض عليها ألتزامات هي في غنى عنها. وبينما تنخفض نسبة الأشجار في كافة دول العالم، وهي احد العوامل الهامة في ارتفاع نسبة الكربون في الجو، تتباهى أسرائيل بالأضافة الى تقنيتها المتقدمة، بكونها الدولة الوحيدة التي تزيد فيها نسبة الأشجار سنوياً متجاهلة وغافلاً عن عيون الاخرين أستعمال أسرائيل للأشجار والتشجير كأدة للسيطرة على الأرض ولتشديد القيد على الأقلية الفلسطينية وعلى البلدات العربية فيها. في ذات الوقت لا يمكنني تجاهل العمل البيئي النشط للجمعيات البيئية الأسرائيلية ومشاركتهم الفعالة في المؤتمر وجهودهم اليومية الكبيرة لتطوير أجندة بيئية محلية والدفع بها قدماً.

وأخيراً تقع على عاتق الفلسطينين في الداخل كغيرهم من سكان العالم مسؤولية بيئية اخلاقية، فنحن مشابهون لدولة أسرائيل في مكانتنا الحدية (liminal) التي لا تخلو من الأزدواجية والثنائية ننغم بنمط الحياة الأستهلاكي المبذر للكرة الأرضية وفي الوقت ذاته نشكل أقلية قومية مقموعة سياسياً أقتصادياً ومضطهدة بيئياً. وبالرغم من النقاش السياسي الطويل حول ديمقراطية الدولة وعلاقة المواطن الفلسطيني بها ومعنى المواطنة أو شرعيتها ألا ان هذا ليس بذريعة للتنصل من المسؤولية الأخلاقية ومن دورنا في عملية قمع الأخرين ومن هنا تقع على عاتقنا مسؤولية المواطن في "الدولة الديمقراطية"، وهي التوعية والمشاركة السياسية بتوافق مع الرؤيا الأصلانية والتأثير على متخذي القرار بكل الطرق الممكنة للحد من الأحتباس الحراري ومن عمليات تغير المناخ وللدفع قدماً بأجندات بيئية محلية وعالمية تعتمد خطاب العدل البيئي ومبادئ التطوير المستدام.

Change the politics and save the environment


© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي - محاضرة ومستشارة في مجالي التنمية المستدامة والجندر، حاصلة على اللقب الأول في علم الأحياء واللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية.

جفاف أرتفاع أسعار وخصخصة مياه - تسلسل أحداث معروف مسبقاً

قصة قديمة تكتمل حثيثياتها أمام أعيننا ولم يبقى لنا غير ان نقص حكايتها وأن نتسأل هل ستصمد قياداتنا السياسية أم سترضخ أمام الاغراءات؟
حتى العشر سنوات الأخيرة زوِدت المياه لكافة السكان في البلاد عن طريق شركة مكوروت الحكومية وبواسطة مشروع المياه القطري. كم لا يستهان به من هذة المياه مسلوبة من المناطق الفلسطينية المحتلة ومن الجولان المحتل لكن لن أتطرق الى هذا الموضوع هنا، كما لن اتطرق الى أيديولجية مشروع المياه القطري بكونه مشروع صهيوني من أهم الأركان في الدولة.

المياه هي مورد بيئي قومي وملك عام لكافة السكان أخذت الدولة على عاتقها مسؤولية أستخراجه وتوزيعه على السكان بشكل منظم ومن هنا سُنت في سنوات الستين قوانين تمنع أستعمال الأبار الخاصة وتمنع جمع مياه الأمطار وهكذا تجري كافة المياه التي تتبارك بها البلاد الى مجمعات المياه الجوفية أو غيرها من بحيرات ووديان وتكون الدولة الوصية الوحيدة على استخراج المياه وتوزيعها بشكل عادل يتجاوب مع احتياجات السكان والقطاعات المختلفة.

تتوزع المياه بين القطاعات المنزلي الصناعي والزراعي، حيث أن نسبة أستهلاك القطاع المنزلي تعادل 30%، والقطاع الزراعي 60% وقد أرتفعت هذة النسبة بشكل حاد وملحوظ عشية مفاوضات أوسلو، و10% حصة القطاع الصناعي.

حتى نهاية التسعينات لم يقم السكان بكونهم ملاكي المياه بدفع ثمنها، انما بدفع تكلفة أستخراجها وتزويدها للمنازل بواسطة شبكة المياه العامة التي تصل بين البلدات وشبكات مياه محلية في داخل المدن القرى والمستوطنات. اما الرسوم التي تدفع فهي تكلفة بناء وصيانة هذة البنى التحتية.

لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للقطاع الزراعي فبكونه من أعمدة الأقتصاد الأسرائيلي وبتمركز اللوبي الزراعي وتضاعف قوته في البرلمان فقد زودت وما زالت تزود المياه للقطاع الزراعي بثمن رمزي جداً وذلك للمحافظة على الزراعة المحلية وعلى الأستقلالية في الأنتاج والأعتماد على الذات. طبعاً الأمر تغير مع ثورة الهايتك حيث تحولت اسرائيل الى دولة رائدة في مجال التقنيات الألكترونة وبشكل موازي تتحول أسرائيل من مسارها القومي الأشتراكي الذي الهم قيادتها في تأسيس وبناء الدولة الى مسار رأس مالي. وهكذا لم تعد الزراعة من أعمدة الأقتصاد الا انها ما زالت المستهلك الأكبر للماء وما زال الأستهلاك الزراعي للماء يُعتمد كورقة مساومة في المفاوضات المنطقية لتقسيم المياه.

أذاً فان القطاع المنزلي لا يستهلك الكم الأكبر من المياه أنما حصة الأسد من المياه تستهلك من قبل القطاع الزراعي، وبينما يدفع القطاع المنزلي ثمن توفير المياه يحصل القطاع الزراعي عليها مجاناً. أضافة الى هذا لا يمكن التغاضي عن تدني نسبة المنتوج الزراعي من الأنتاج العام وقد نشهد ذلك ايضاً بسمسرة الأراضي الزراعية وتحويلها الى عقارات وبالرغم من هذا كله ما زالت نسبة الأستهلاك الزراعي للمياه مرتفعة بالرغم من الجفاف!!!

جفاف؟!!!!!
نعم نعم منسوب المياه وتوزيع الأمطار في حالة غير أعتيادية لكن هل يكمُن الحل في التقنين المنزلي للمياه؟

لا

اذاً لماذا كل هذا الحديث عن ترشيد الأستهلاك المنزلي للماء؟ لرفع الأسعار

لماذا ترفع الأسعار؟ هل أزدادت تكلفة صيانة شبكة المياه؟

لا، لكن للحد من الأستهلاك!

لكن الأستهلاك الفردي المنزلي للمياه هو أستهلاك ثابت (קשיח) بمعنى أن كمية المياه التي يحتاجها الفرد للأجابة على حاجاته الأساسية لا تتغير مع أرتفاع او أنخفاض الأسعار. أرتفاع الأسعار قد يحد من أستهلاك الماء المنزلي للحدائق أو لحمامات السباحة المنزلية وأن كان هذا هو الهدف فيمكن رفع أسعار الأستهلاك التي تتعدى كمية معينة مخصصة بحسب عدد الافراد بالمنزل وحيث أن أصحاب الحدائق المنزلية وحمامات السباحة هم عادة من ميسوري الحال فأن ارتفاع الأسعار لا يشكل رادع لأستهلاك الرفاه ولن يحد من أستهلاك المياه.

بالأضافة الى تدريج كميات الأستهلاك وتحديد كمية الأستهلاك للفرد سوف ترتفع أسعار المياه عامة ابتدءاً من كانون الثاني 2010 بنسبة 40% وما زلنا في بداية المشوار فعملية الخصخصة في أوجها حيث أبتدأت في نهاية التسعينات في القدس وهرتسليا وفتحت لها الأبواب على مصراعيها في سنة 2001 حيث سنت الكنيست قانون شركات المياه والصرف (תאגידי מים וביוב)، وبحسب هذا القانون تقوم البلديات والمجالس المحلية والأقليمية بنقل أدارة شؤون المياه الى سلطات مياه محلية لفترة ثلاث سنوات بعدها يمكنها بيع هذة السلطات الى شركات خاصة ومستقلة وبهذا تكتمل عملية الخصخصة.

أسرائيل ليست بالدولة الأولى التي تقوم بخصخصة شبكة مياهها، فقد سبقتها في هذة التجربة أنجلترا وفرنسا وبعض الولايات الأمريكية بالأضافة الى العاصمة الأرجنتينية ومانيلا في الفليبين وبوليبيا واندونيزيا وجنوب أفريقيا وغيرها. وفي جميع هذة الحالات كانت النتيجة أرتفاع مستمر في الأسعار وأنخفاض في جودة المياه وفي وتيرة الرقابة وأهمال وعدم صيانه لشبكة المياه عامة.

في انجلترا على سبيل المثال أضطرت الحكومة للتدخل ولسن قوانين للحد من أرتفاع الاسعار الأ ان ذلك لم يحد من الأرتفاع بعدد السكان الذين قطعت عنهم المياه لعدم تمكنهم من دفع الرسوم بالأضافة الى أرتفاع بنسبة تفشي الديزنطيريا (Dysentery) وامراض أخرى الناتجة عن تلوث المياه وعن عدم المحافظة على النظافة الشخصية.

في مدينة أطلنطا في جورجيا في الولايات المتحدة أرتفعت الأسعار مباشرة بعد الخصخصة بالأضافة الى فصل 400 عامل من أصل 700 مما أدى الى هبوط حاد في خدمة المياه وقد ظهرت المياه في الأنابيب المنزلية بلون قاتم وأنقطعت المياه عن البيوت لساعات طويلة دون سبب وأرتفعت عدد حالات التلوث من البكتيريا ووجب غلي المياه قبل الأستعمال بشكل مستمر. نتيجة الى وابل من الشكاوي أضطرت بلدية أطلنطا في نهاية المطاف الى الأستعانة بخدمات مراقبين خارجيين لمتابعة عمل شركة المياه مما كلفها كم طائل من الدولارات وأضطرها الى الغاء التعاقد مع الشركة والى أعادة خدمات المياه والصرف الى أدارة البلدية.

يمكن معاينة تفاصيل هذة الحالات وأخرى في تقرير "أصدقاء الأرض" هنا.

في بداية الأمر قد يشعر القارئ الفلسطيني بأنفراج نوعاً ما فالسكان الفلسطينين يعانون الأمرّين من العقوبات الجماعية بقطع المياه عن القرى والبلدات العربية وهي حالة مستمرة منذ بدء الدولة ومشروعها القطري للمياه حتى يومنا هذا، لكن من الجانب الأخر عملية الخصخصة المدمرة لأركان الدولة بكيانها الصهيوني تقذف بالفئات المستضعفة وعلى رأسها المجتمع الفلسطيني الى فكي رأس المال كما هي الحال في أنجلترا واطلنطا وغيرها.

بالأضافة الى ذلك فأن عملية صرف تطهير وتكرار المياه العادمة لأستعمال القطاع الزراعي ستتم بواسطة مفاعل تطهير بملكية يهودية دأبت الدولة على تطويرها خلال العشرين سنة الأخيرة وهكذا سيستمر أقصاء القطاع الزراعي الفلسطيني كم تم أقصاءه سابقاً ولن تضمن له الخصخصة أي ملكية أو حرية تصرف بمياه الصرف في البلدات العربية.
سريعاً سيجد المواطنون الفلسطينيون أنفسهم بين المؤيد والمعارض أو قد يصح القول بين المنتفع والمعارض وبين المعارض والساذج الواهم بوجود السوق الحر وبنجاعته، وسيشمل هذا الأنشقاق القيادات السياسية وسيتحول النضال من نضال قد يجتذب الأنظار بكونه نضال أقلية قومية أصلانية في دولة أستعمارية الى نضال عابر لفئات مسحوقة ومهمشة في دولة عصرية تسيطر بها الرأسمالية العالمية.

لا أدري أي من السلطات المحلية موجودة في أي مرحلة من هذة العملية لكن أذا كان مشروع الأقلية الفلسطينية في أسرائيل هو مشروع صمود فأي من رؤساء البلديات سيصمد وأي منهم سيكون من المنتفعين وقد يحتفي سياسيا بأهتزاز الكيان الصهيوني واجتماعياً لعله يراقص رأس المال؟!!!


© حقوق النشر محفوظة

نسرين مزاوي - محاضرة ومستشارة في مجالي التنمية المستدامة والجندر، حاصلة على اللقب الأول في علم الأحياء واللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية.

وأن تعددت الزوجات يبقى القمع واحد – تعدد الزوجات أطار ثقافي أحتجاجي أم أطار قمع أقتصادي سياسي؟

سأحاول في مقالتي هذة نص رؤية تحليلية سياسية لظاهرة تعدد الزوجات الأخذة بالأنتشار في المجتمع الفلسطيني في اسرائيل فأن نسبة انتشارها في النقب تتراوح بين 30-40% ونجدها منتشرة في الشمال أيضاً وكذلك بين غير المسلمين بأشكال مختلفة.

في البداية سأحاول الوقوف على الظاهرة واشكاليتها في عصرنا هذا ومن ثم سأنتقل الى طرح المعضلات والتخبطات الثقافية الفكرية السياسية والاجتماعية التي يجب الوقوف عليها بتأني قبل التسرع بأصدار الأحكام النمطية.

طبعا مما لا شك فيه هو معاناة النساء التي يتم هجرها لصالح الزوجة الجديدة فهي تعاني الامريين. فثمن الألتزام المزدوج الغير متكافئ لصالح المرأة الجديدة هو أهمال وأخفاق بالمسؤوليات العائلية الزوجية الأقتصادية الأجتماعية والتربوية التي التزم بها الزوج لزوجته الاولى وأبنائها وبناتها. بالأضافة ومما لا شك فيه تلاشي اخفاقات الرجل الزوجية العائلية الأجتماعية والتربوية امام الشرعية البطريركية اللامتناهية، وبهذا يقع العبئ الأجتماعي والأقتصادي بأكماله على الزوجة واولادها حيث فقدت اولاً الألتزام الأقتصادي في أطار الزواج وبما انها غير مطلقة فهي غير مستحقة للنفقة أو مخصصات الضمان الأجتماعي للأمهات الأحادية (عائلات احادية الوالد، مطلقات أو ارامل)، وهكذا تتحول الأخفاقات الأخرى التي تلاشت أصلاً الى هامشية في ظل المعاناة الأقتصادية اليومية للنساء واولادهم في هذة الحالات.

من جانب اخر تقوم الزوجة الجديدة الغير مأطرة رسمياً بأطار زواج قانوني حيث يمنع القانون الأسرائيلي تعدد الزوجات، بالحصول على أستحققات الضمان الأجتماعي بكونها أم أحادية. وهنا أفتراض بايمان قاطع بأن من يحصل على هذة المخصصات وينفقها هو الزوج وليست الزوجة الجديدة.

ولا يمكنني تجاهل خصوصية النساء المُقحمات رغماً عنهن الى هذة الوضعية – وضعية ما بين بين، لا معلقة ولامطلقة – فنجدهن اساساً نساء مستضعفات أجتماعياً أقتصادياً وسياسياً، اما النساء الممكنات فنجد ان لديهن القدرات على تخطي العقبات والخروج من هذة الوضعيات والوصول الى حلول جذرية قاطعة. ومما لا شك به ان أطار تعدد الزوجات تحول من أطار شرعي للأجابة على حاجيات أجتماعية معينة الى اطار قمع اقتصادي جندريالي بحت حيث تحول به القمع الاقتصادي الأولي الى قمع أقتصادي مضاعفاً ومحتم.

سأقتصر الحديث عن سلسلة المعاناه التي تواجهها النساء في السعي وراء حلول من خلال المؤسسات والمحاكم المدنية الأسرائيلية أو من خلال المحاكم الدينية الشرعية والنظم الأجتماعية المتعارف عليها فهي من جميعها تخرج بكفي حُنين. وبما ان القهر والاضطهاد الممارس ضد النساء في هذا الاطار هو ذو خصوصية أقتصادية بحتة، فأن عملية البحث عن حلول لا بد ان تشمل هي أيضاً جوانب أقتصادية بحتة.

عملياً أن كل عقد زواج اي كان هو نوعا ما عقد أقتصادي، يلزم من يشارك به بضمان متبادل وبشراكة تامة وشاملة. فعملياً المردود المادي الناتج عن عمل احد الزوجين خارج المنزل في حين يقوم الاخر بالمواظبة على الأعمال المنزلية صيانة المنزل ورعاية الاطفال هو مردود مادي مشترك من نصيب الأثنين بالتساوي، ولا يحق لأي من الزوجين حجبه أو منعه عن الأخر. ومن هذا المنطلق تقر المحاكم المدنية بتوزيع الاملاك بين الزوجين بشكل أو باخر في حالات الطلاق ومن ذات المبدئ يستحق الأرمل او الأرملة مخصصات التقاعد في حالة وفاة احد الزوجين، وكذلك مخصصات الشيخوخة والضمان الأجتماعي في حالة فقدان اي منهم القدرة على العمل.

النساء في حالات تعدد الزوجات تعاني اولاً القمع السياسي حيث تتجاهل المؤسسة الشرطوية والحقوقية الاسرائيلية توجهاتهن بعذر التعددية الثقافية وتتواطئ المحاكم الشرعية مع هذة السياسات لتشد أزر البطريركية الذكورية الرأسمالية (المتملكة للنساء) التي بدورها تغذي برد فعل رجعي سلطوية المؤسسة الحاكمة. ثانياً القمع الأجتماعي فأن كان الطلاق هو السبيل للحصول على الحقوق الأقتصادية الا ان حالة المطلقات الاجتماعية ليست بأفضل من حالة النساء المهجورات، وبالمحصلة يثلث القمع ليكون سياسي أجتماعي أقتصادي.

فان لم ينصفهن القضاء ولم ينصفهن الطلاق، أي لم تنصفهن اي من المؤسسات المدنية أو الدينية أو الأجتماعية فلا بد للنساء بالتوجه الى رفع دعوى جزائية حيث لا يحق للزوج بالتصرف بدخله على اهوائه، فقد يبذره على المرأة الثانية أو الثالثة او الرابعة أو قد يبذره على تفاهات اخرى خالاً ب ومتنصلاً من التزاماته في عقد الزواج الاول لزوجته الاولى ولأبنائها منه.


قد يكون اقتراح رفع الدعاوي الجزائية أقتراح ساذج وحالم فالتوجه للقضاء وان بدعوى جزائية يتطلب أيضاً قدرات وموارد دعم اجتماعية وأقتصادية ولكني من هنا اريد الأنتقال الى المعضلات السياسية الأيديولوجية حول الموضوع لتكن نقطة أنطلاق لبناء أستارتيجيات مجتمعية.

وهنا تستوقفني حالات تعدد الزوجات التي تتعامل بها النساء مع الوضعية القائمة كوضعية عادية ليس فيها اي من أشكال القمع والأضطهاد وتأخذني الى مواقف لم أتوقعها، فقد تكون نقطة الأنطلاق النسوية الأولى المناهضة لظاهرة تعدد الزوجات لما فيها من قمع واضطهاد جارف للنساء تنطلق من فرضيات خاطئة وتسعى عفوياً وراء نموذج ونمط كولنيالي رأسمالي كنسي، وهو أطار الزواج الثنائي المونوجيمي، غافلة ان نماذج الزواج والاطر العائلية أختلفت بين الحضارات المختلفة.

أن المجتمعات البطريركية على أطرها المختلفة ترتبط بشكل مباشر مع الرأسمالية التملكية حيث تفقد فيها النساء والأطفال مكانتهم المستقلة فتكون ملك للرجال. أما في حضارات أخرى ومنها المطريركية التي انتشر العديد منها بآسيا وبأفريقيا وبأمريكيا ما قبل الأستعمار الأوروبي على أشكاله، فقد نسبت الأطفال الى أمهاتهم ولم يكن للأب دور مركزي في تنشأة الطفل أو في حياته العائلية أو الأجتماعية، وفي بعض الحضارات الاخرى أختلف مفهوم العائلة أن وجد أصلاً وأختلفت انماط العلاقات الاجتماعية عن الانماط المتعارف عليها اليوم في عالم ما بعد الأستعمار.

كذلك الأمر بالنسبة للحضارات الأسلامية فقد تواجد بها انماط حياة عائلية وزوجية مختلفة بالأضافة الى النمط الثنائي المونوجيمي، وأفترض أفتراض عبثي بأن الأشكاليات النابعه من ظاهرة تعدد الزوجات التي يعاني منها المجتمع اليوم هي أشكاليات عصرية نابعة عن تراكمات قمعية على مستويات مختلفة، وأفترض أيضاً ان ظاهرة تعدد الزوجات لم تكن منتشرة بشكل جارف كما هي اليوم أو ربما لم تكن ذلك الاطار القامع كما هي اليوم او ربما نعم ويجب ان نأخذ بعين الاعتبار الفترة الانتقالية ما بين الجاهلية والأسلام حيث لا يوجد لدي أي فكرة عن الأنماط العائلية والزوجية التي اتبعت حينها وأفترض انها لم تتلاشى جميعها بين ليلة وضحاها.

وبأعتقادي أننا كنسويات قد نخطأ الهدف بأستهداف تعدد الزوجات كأطار أشكالي بحد ذاته، وأن كان الاطار غير منصف ليبراليا ولكن وبما انني من مناهضات الليبرالية فلا ارى بنقص الأنصاف الجندريالي الليبرالي الكمي اشكالية اساسية أو جوهرية، أنما بعمليات القمع، الأضطهاد والأستضعاف اللولبية المغذية واحدة للأخرى والقابضة باحكام على أنفاسنا وتطلعاتنا فمن من النساء الممكنات أقتصاديا أجتماعيا وسياسيا أقحمت الى أطر أو مسارات رغماً عنها؟! وان تم ذلك بشكل او بأخر فقدرتها على الخروج من لولبيات القمع تعتمد مواردها الاجتماعية السياسية النفسية والاقتصادية. فلنعمل على توسيع هذة الموارد وعلى تقليص دوائر الأضطهاد وليس بعمل تدعيم فرداني موضعي أشبه باخماد الحرائق، انما بعمل جماعي من خلال مشروع أجتماعي سياسي شامل لكافة الهيئات والأطر الحزبية والسياسية والأجتماعية التي تزعم العمل على أجندات تحرر وهي غالباً ما تكون أجندات انتقائية غير شمولية فتبني وهماً فرضيا مؤقت نتيه فيه الى أجل غير مسمى.


© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي – ناشطة اجتماعية نسوية حاصلة على اللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية وعلى اللقب الاول في علم الأحياء.

قليل من التخلف لن يضر لكن الكثير من الغباء سوف يضر

منذ أسبوعين وصلت الى بريدي الالكتروني مقالة للكاتبة بسمة النسور تحت عنوان "قليل من التخلف لن يضر" ولا يسعني التطرق لهذة المقالة الا من منظور سياسي اجتماعي فهي في فحوها تطمح الى السياسية الا ان مضامينها متضاربة فيما بينها واشك ان الكاتبة بذاتها تدرك ما تكتب أولاً كي تستطيع ثانياُ ان تدرك التناقض الموجود بين مضامينها.

لنبدأ اولاً بكلمة "التخلف" كما جاءت في المقالة وبمعانيها السياسية وبفحواها، تخلف عن من وعن ماذا؟! ما هو مقياس التخلف والتقدم؟! هل هو تخلف عن الغرب كما يتضح من المقالة؟ فهل الغرب هو التقدم؟!!! وهل الغرب هو ما نصبو اليه وقليل من التخلف قد لا يضر؟!!!

لماذا تنطلق الكاتبة من منطلق أجتماعي حضاري دنيوي وكأن على مجتمعاتنا العربية ان تسعى وراء الغرب لاهثة وكأن الغرب هو نموذج النجاح والتقدم بينما ما قد نتمسك به من حضارة أو تراث أو ثقافة فهو "تخلف"!! واذا كانت ارادة "تخلفها" نابعة من الفخر بالتراث والثقافة والتاريخ الذي ننتمي اليه فكيف لها ان تعطي للأستعمار الثقافي والأستعمار الوجداني ان يستحوذ على مفاهيمها وتعابيرها فباتت لا تدرك ما تفتخر به وتعتبره "تخلفاً" الا انها فطرياً تتمسك به!!

اضافة الى ذلك أذا تحدثنا عن القليل من "التخلف" للتعبير عن تشبثنا بحضارتنا وثقافتنا فلماذا لا يكون الكثير من "التخلف"؟! فأذا عدنا الى الحضارة والثقافة العربية نجد ان المثلية الجنسية تتواجد في هذة الحضارة وفي سائر حضارات العالم منذ الأزل ولكل حضارة نمطها الخاص في التعامل مع الموضوع الا ان الكاتبة تختار تجاهل وأزدراء ثقافات العالم وحضاراته ولا تعتمد الا الغربية منها حيث تعتبرها نموذج "التقدم" وتختار التخلف عنه قليلاً!!!

قضية المثلية الجنسية في المجتمعات العربية تضع قادة هذة المجتمعات ان وجدت، امام تحديات سياسية واجتماعية من الدرجة الأولى. فتقول الكاتبة ان حقيقة وجود المثليين في المجتمع هو "واقع حاصل لن يغلبه الأنكار وادعاء الطهرانية والعفاف" فكيف تقوم الكاتبة واترابها من المنفعلين فطرياً بمواجة التحديات السياسية التي يفرضها هذا الواقع هل تحتوي مقالتها على طرح سياسي اجتماعي أم انها لعجزها عن طرح اجندة سياسية اجتماعية تقوم بالتفوه بالتراهات؟!!!

قليل من "التخلف" لن يضر لكن القليل من الغباء سوف يضر، والغباء هو ان تجهل انك جاهل فكيف يكون حالنا مع الكثير من الجهل؟!!!!

وتختار الكاتبة التطرق ال "علم النفس الحديث" وكأن علم النفس الحديث هو وليد الخمس سنوات الاخيرة، ومن لا يفهم قد يعتقد انها تفهم، فمن ناحية تزدري علم النفس الحديث ب"بدعة رهاب المثلية" الا انها تعتمد نظريات علم نفس كلاسيكية من ذات المدرسة وقد أكل الدهر عليها وشرب متجاهلة بأن هذة النظريات تم ضحدها من قبل ذات المؤسسة التي انتجتها واعتمدتها سنيين طوال. وهكذا تختار الكاتبة التشبث بأشلاء وشوائب الثقافة الغربية فهي الثقافة الوحيدة التي تعاملت مع المثلية الجنسية كحالة مرضية وبهيمنتها الثقافية العالمية فرضت ثقافتها على العالم وعادت وتراجعت عنها الأ ان الاخت نسور وبعض الأطباء النفسيين العرب يختارون "التخلف" الأرادي في هذة الحالة وكأن كل ما انتجه علم النفس بعد تخرجهم من الجامعات لم يكتب بكتب وليس له وجود.

اما التناقض في المقال ففي ببعض اجزائه ينم عن شعور بالدنيوية الثقافية وبأجزائه الاخرى يطرح وجود المثلية الجنسية في المجتمع كأمر واقع وشامل لكافة المجتمعات.

فبالنسبة لرهاب المثلية فتدعي الكاتبة انه أثم المجتمعات الغربية ايضاً وليس قصراً على مجتمعاتنا العربية، واوافق مع الكاتبة الرأي فليس هناك اي أم (أو أب أو أخ أو أخت) في العالم ستفرح بأن ابنها أو ابنتها مثلي أو مثلية، فلا أحد يتمنى لأبنه أو ابنته حياة مليئة بالأضطهاد الاجتماعي حيث يوصمهم امثالك ب: "ضحايا تحرشات جنسية....(أو) أضطرابات عاطفية مع احد الوالدين" أو "كمغتصبي أطفال" أو ناقلي أمراض"........ كل هذة الوصمات الاجتماعية لا تتمناها اي ام لأبنها وان دققنا القول فأن الامهات لا تتمنى لأبنائها هذا المجتمع المضطهد وامثالك يدفع بالأمهات الى لفظ اطفالهم بعيداً عنهم خارج مجتمعاتهم لكي لا تلحق بهم وصمة العار!!!!

فيا عزيزتي نسور يا حبذا لو وضعتي نظريات فرويد المفروغ منها جانباً ونظرتي الى المجتمع بعين واقعية وحاولتي أعطائه حلول واقعية فالمثليين ولدو ويولدون في كل البلدان في كل الثقافات والحضارات على المدار التاريخ، وجودهم هو أمر واقع لا محال (كما تفضلتي) اختيارك "التخلف" هو غباء سياسي ولا يمكن اخذ اشلاء حضارة معينة وتركيبها على ما تهوين من حضارة اخرى لأنتاج مخلوق حضاري ثقافي مشوه لا له أصل ولا فصل ولا أول من أخر.

المثليين العرب في الغرب يعانون الامرين فمن ناحية المجتمعات الغربية مازالت هوموفوبية ومن ناحية اخرى فهي مجتمعات عنصرية ومضطهدة أيضاً!! و"الغربي المتعب المثقل بهموم معيشيه" الغربي الذي تصادفيه بالشارع يحتقر المثليين كما يحتقر العرب والمسلمين وهذا ما بات يدعى بالاسلاموفوبيا – وصرامة القوانين تحاول الحد من الهوموفوبيا والأسلاموفوبيا على حد سواء فما بالك اين تشأين لأبنك المثلي ان يعيش في مجتمع مضطهد ويواجه "المتخلفين" امثالك ام ان يعيش في مجتمع مضطهد ويواجه "متخلفين" وعنصريين على حد سواء؟!!! أو ربما تقترحين مجتمع أخر..........


© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي – ناشطة اجتماعية حاصلة على اللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية واللقب الأول في علم الاحياء.

هل يمكن أعادة أعمارغزة دون الاستثمار في دولة الغزاة؟!!!


بعد انتهاء المجازر الإسرائيلية في غزة ومع حلول "بشائر" المصالحة العربية ، يدور الحديث حول إعادة اعمار غزة، وكل ما يشغل بالنا بما فينا الجزيرة وغيرها من منابر إعلامية رائدة وملتزمة بالإضافة إلى المنابر الإعلامية الصهيونية هو: كم من المال سوف يستثمر في الإغاثة وإعادة الأعمار؟ من أين سيأتي هذا المال؟ من إيران أم من السعودية أم من أمريكا أو غيرها من دول رفاه الشمال؟ واهم ما في الموضوع كيف ستدخل هذه الأموال إلى غزة عن طريق أبو مازن أم عن طريق هنية؟

وفي الواقع إن دخلت هذه الأموال إلى غزة عن طريق أبو مازن أو عن طريق هنية في نهاية المطاف ستعود جميعها إلى جيوب الاحتلال.

خلال الأيام السوداء الغابرة حلت علي صديقة من الخارج تعمل في مؤسسة أوروبية للتعاون الدولي تهتم بالتنمية في أفريقيا وفي مناطق الصراعات، ومن الطبيعي أن تقوم في أيام مثل هذه الأيام بمحاولات ومساعي لتجنيد الدعم للأهل في غزة عن طريق عملها في هذه المؤسسة أو غيرها، ومن ضمن الحديث حول الموضوع، قامت بشرح طرق العمل المتبعة في هذه الحالات في مؤسستها وغالبا في المؤسسات الأخرى أيضا....

"لكي يتم توفير اكبر كمية من المستلزمات يجب على الجمعية المحلية الشريكة أن تفحص الأسعار بالسوق وتنتقي السعر الأرخص بحيث تستطيع شراء أكبر كمية ممكنة بواسطة المبلغ المعطى. فإذا تحدثنا عل سبيل المثال عن الأدوية قد يكون من الأفضل شرائها من وكيل محلي وعدم تكبد مصاريف الشحن من مكان إلى أخر وبهذا يمكن استثمار اكبر كمية ممكنة من المبلغ لشراء اكبر عدد ممكن من المستلزمات......"

خلال الحديث وجدت نفسي أقول لها....... "لا لا لا لا ....... ربما من الأفضل أن لا نأخذ هذه الأموال..... لا ترسلوا أموال نحن لا نريد أموال...... لا نريد دعم مادي.... لا نريد أموال....."!!!!!!!

طبعا المشروع سيتم والأموال سترسل وكلي ثقة بأن الجمعية الشريكة ستقوم بواجبها الإنساني على أفضل حال ممكن وأبقى وحدي مع صور الجنود المتراقصون على الدبابات وعلى جثث الأطفال.....

هل ستتم مداواة أطفال غزة وشهدائها بأدوية من صناعة إسرائيلية بكونها على الأرجح الأرخص في السوق المحلي؟!!!! هل ستتم إعادة أعمار غزة بأسمنت إسرائيلي؟؟!!!! أم سنقوم باستيراد الأسمنت من مصر أو ربما من الأردن أو السعودية؟؟؟!!!!! أو قد ترسل لنا إيران سفن محملة بالأسمنت والأدوية؟!!!!

وماذا بالنسبة للطاقة النفط والكهرباء التي قطعت عن غزة لفترات طويلة هل هي ذات الطاقة والكهرباء التي ستستعمل لإعادة الأعمار أم ستأتي الكهرباء الإيرانية عبر جسر هوائي ربما الكتروني عابر للقارات؟؟؟!!!!

هل تعي أيران والسعودية وقطر أن استثمارهم في إعادة الأعمار ما هو إلا استثمار في اقتصاد الاحتلال ؟؟!!!!!

وهل سنستورد الغذاء والملبوسات والمستلزمات الأساسية عبر ميناء غزة وعبر مطارها أو ربما عبر الحدود الحرة!!! أم ستقوم الدولة الغازية بالتجارة بجثث وجثامين الأطفال؟؟؟!!!!!

والرز والقمح ومسحوق الحليب والفوط الصحية التي قمت بالأمس بشرائها من أجل غزة..... الأهل غزة منفعتها أم لغزاتها؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!



© حقوق النشر محفوظة

نسرين مزاوي – ناشطة اجتماعية حاصلة على اللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية وعلى اللقب الأول في علم الأحياء.