ندوة بيئية بمناسبة صدور الكتاب "بين التسخير والأنقاذ"

"بين التسخير والأنقاذ" هو الكتاب الأول الذي يبحث روايات التنمية والتطوير وروايات حماية الطبيعة في أسرائيل وذلك من خلال أستخدام نظرية الأيكولوجيا النسوية التي تجمع بين الفكر البيئي وطرح النوع الأجتماعي. الأيكولوجيا النسوية تأتي بتحليل مركب لقصص مركبة وواقع مركب - قصة العلاقة مع الأرض مع الطبيعية ومع الأنسان. من خلال الكتاب تتجلى قصة بحيرة الحولة، عملية تجفيفها وأعادة غمرها، ليس فقط كمشروع هندسي فذ مثير للخلاف والجدل انما كمثال لعلاقة الأنسان مع البيئة والطبيعة، وهي علاقة متأثرة بعوامل ثقافية وقومية وسياسية ومتغيرة بفعلها. الكتاب يتناول قصص التجفيف و"تنوير القفر" (הפרחת השממה)، من جهة، و"حماية الطبيعة" من جهة أخرى ويحاول إحياء قصص بديلة أخفيت وكتم أمرها، في حين أن وجود هذة القصص سواسية هو ما يمثل الواقع المركب والمتنوع لعلاقتنا مع البيئه، الطبيعة والمكان.

قضايا الأرض هي قضايا سياسية بحتة، ومع ذلك، تنحى الخطاب البيئي في أسرائيل عن السياسية وتحول بهذا الى خطاب عقيم في كل ما يخص قضايا النوع الأجتماعي والقضايا الأجتماعية والقومية والعرقية. الفكر الأيكولوجي النسوي لا يفصل بين القضايا البيئية والأجتماعية، ومن خلال التركيز على العلاقات المركبة وكشف القصص المخرسة يعرض الكتاب رؤية مختلفة للماضي وللحاضر ومن خلالها يطرح أحتمالات جديدة للمستقبل.

الكاتبة: د. عِدنا جورني - بيئية ونسوية، تدمج ما بين البحث، التعليم، الكتابة والنشاط في كل ما يتعلق بالعلاقات المتبادلة بين البيئة المجتمع والسلام وبين العلم والنوع الأجتماعي.

تعقد الندوة في مكتب صندوق هينرش بل تل-أبيب، نحلات بن يامين 24
يوم الخميس 17 تشرين ثاني الساعة 18:00-20:00.

ترحيب: مارك برتولد - مدير صندوق هينرش بل في تل أبيب

المتحدثون:
د. ايلون شفارتس - مدير مركز هيشل
بروفيسور داني ربينوبيتش - جامعة تل أبيب
نسرين مزاوي - جامعة حيفا
د. عدنا جورني - جامعة حيفا

اذا الدولة مش عاجبتك ما تصوت، بس اذا الأحزاب العربية مش عاجبتك صوت ورقة بيضاء - صندوق الأقتراع أمكانيات تأثير ووسيلة أحتجاج


قد يكون الوقت ما زال باكرا على الإنتخابات لكن عملية التأثير بواسطة الإنتخابات تبدأ بوقت أبكر بكثير من يوم الإنتخابات والورقة البيضاء هي أمكانية ورادة لم تأخذ بالحسبان بجدية من قبل.

عادة يشعر الناخب العربي أن أمره محسوم. البعض يصوتون لأحزاب صهيونية والأغلب يصوتون لأحزاب عربية وقلة يمتنعون عن التصويت. في الثلاث حالات النتيجة متوقعة وبشكل أو بأخر ثابتة والشعور العام للناخب العربي أن تأثيره جدا هامشي وأمكانيات التغيير معدومة. لكن في الوقت الذي تنعدم فيه أمكانيات التأثير على المستوى العام فعلى مستوى الأحزاب العربية الورقة البيضاء باستطاعتها أن تكون آلية تغيير وقد تحوي في طياتها أمكانيات لللتأثير.

الأنتخابات هي حدث مهم للأحزاب العربية، فهي تحث الأحزاب على ترتيب صفوفها ورص كوادرها للوصول الى الناخب العربي وحثه على المشاركة بالأنتخابات والحصول على صوته. بعضهم يقولون "مش مهم ايش أطلع صوت بس ما تصوت أحزاب صهيونية"، وبعضهم يقولون "لا تصوت أبداً وقاطع المؤسسة الصهيونية والبرلمان الصهيوني وعبر عن أحتجاجك وعدم تماهيك مع الدولة". بعضهم يقولون "ما فيك تقاطع الأنتخابات وتقصي حالك حتى لو صّوت لأحزاب صهيونية"، وبعضهم قال في الماضي "وجود الأحزاب العربية بالكنيست مهم جدا لكي يكونو كتلة حاسمة تمنع سن القوانين العنصرية..." وأخرون يقولون "الكنيست منصة سياسية ما لازم نتنازل عنها..." وبيبقى السؤال مفتوح منصة سياسية لمن؟ لماذا؟ وبأي هدف؟

بشكل عام يوجد إستياء كبير من الوضع العام لكن بالأضافة يوجد إستياء من الأحزاب العربية. بالرغم من الوضع السيئ الناخب العربي ما زال يشارك بالإنتخابات بنسبة كبيرة ربما متمسكاً بأمل التغيير وربما تخوفا من خسارة فادحة لا ينوبه عليها غير الندم، وفي نهاية المطاف الأحزاب هي هي ونتائج الأنتخابات هي هي والصهيونية والعنصرية مع كل يوم بتسؤ وبتزيد.

الإنتخابات ممكن تكون فرصة للتغيير على المستويين، المستوى العام (الميؤس منه) وعلى مستوى الشارع العربي (اللي لحد اليوم ولا مرة جربناه). الأحزاب الصهيونية تتعامل مع الناخب العربي كورقة محسومة ومفهومة ضمناً، وكذلك للأمر بالنسبة للاحزاب العربية فهم أيضا يتعاملون مع الناخب العربي كناخب مفهوم ضمنا وأمره محسوم... ما عنده كثير خيارات... كل ما يتطلب الأمر هو ان تقوم الكوادر الحزبية بشد حيلها والنتائج متوقعة ومعروفة مسبقاً، ثلاثة ثلاثة اتنين والطيبي!!!

بعكس الأحزاب الصهيونية التي لا يهزها وجود الناخب العربي أو عدمه فأن الأحزاب العربية تقف كافة على الحافة، ان لم يصوت بعض الآف من العرب قد يسقط بعضها، وأن صوتوا ورقة بيضاء ستسقط جميعها. ليس الهدف أسقاط الأحزاب العربية لكن وضوح الصورة وقوانيين اللعبة الإنتخابية سيمكن الناخب العربي والأحزاب العربية من صياغة جديدة للمواقف والإختيارات. قد تستطيع الورقة البيضاء أحياء صوت الناخب العربي وأعطائه قيمة فعلية لم يحظى بها من قبل بالأضافة الى توفير الفرص للتأثيرعلى مجرى الأمور والأحداث.

ما بين الأمتناع عن التصويت والتصويت ورقة بيضاء يوجد مستويين من السياسة والمساومة ان أردتم ويجب التمييز بينهما. المستوى الأول وهو مستوى علاقتنا كمواطنين عرب فلسطينيين مع الدولة، والمستوى الثاني هو علاقتنا مع الاحزاب العربية والقيادات السياسية العربية. ما أطرحه هنا ليس مساومة مع الدولة فلا مساومة مع الصهيونية انما مساومة مع الأحزاب العربية والقيادة السياسية العربية بواسطة الإنتخابات العامة. أذا عبر الأمتناع عن الإنتخابات عن أحتجاج أمام الدولة، فان التصويت بورقة بيضاء لا لُبس فيه ويعبر عن أحتجاج أمام الأحزاب العربية.

هناك عدة أمور يستاء منها الناخب العربي في الأحزاب العربية عامة وخاصة، فعلى المستوى العام يوجد أستياء من عدم الوصول الى تفاهم ما بين الأحزاب المختلفة حول تكتيك الحزب الواحد أو حتى أتفاق بالنسبة لفائض الأصوات. بالأضافة الى ذلك يوجد أستياء من كافة الأحزاب على حد سواء حيث ان تركيبتها مبنية على اُسس طائفية أو عائلية. على المستوى الخاص هناك أستياء من قرارات مخيبة للآمال مثل تنازل بعضهم عن شخصيات حزبية في مواقع مرموقة لصالح مغازلات مع تيارات لا يتماها معها أعضاء الحزب. أو وضع العراقيل أمام النساء النشيطات في الحزب فتنعدم فرص أنتخابهم لصالح حسابات حزبية داخلية. بالأضافة هناك أستياء من مواقف حزب في أمر معين او التباس في مواقفه وعدم وضوحها في مواضيع لا يجوز فيها الالتباس أو عدم الوضوح... ومن هذة الأمور مثلاً هي أتاحة رفع صور بشار والتهليل له في المظاهرات أو المناسبات الحزبية تحت ذريعة الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي والتناسي بأنه طبيب عيون واصل للحكم بالوراثه بطشه في أبناء شعبه ما قبل الثورة وخلالها لا يسمح لنا بان تغفل أعيننا عن جرائمه حتى وأن أجمعنا على معارضة التدخل الأجنبي، معارضة الثورة المسلحة والحث على الأستجابة لمطالب الشعب والتغيير والأصلاح.

الأمور التي نستاء منها من الأحزاب والقيادة السياسية العربية هي كثيرة وأكتفي هنا بهذة الأمثلة واترك الباقي للقراء. المشكلة تكمن بأن الناخب العربي يعتقد أن لا بديل له غير الخيار بين السيئ والأسوأ، فاذ لم يكن هذا الحزب فذاك وفي نهاية الأمر كل واحد يختار ان يرجح كفة الحزب المقرب له، وكل إنتخابات على ذات المنوال.

من أسبوعين تقريبا كان لي حديث مع رفيق، بعكسي هو نشيط وملتزم بحزب معين، في سياق الكلام أعترض حديثي بقوله أن المواقف الغير واضحة ليست قصراً على حزبه فقط أنما على كافة الأحزاب، والغمغمة وعدم الوضوح وأزدواجية المواقف النابعة عن انقسامات داخلية غير محسومة لا تقتصر على الثورة السورية فقط أنما أيضا على حراك الشارع الأسرائيلي بما يحلو لي بتسميته "مخيم روتشيلد الصيفي" وعلى موضوع المقاطعة وأمور أخرى أيضاً. وهنا لا يسعني غير التساؤل هل تحولت الغمغمة عدم الوضوح وأزدواجية المواقف الى تكتيك في هذة الأحزاب؟!! هل فعلا هذة الأحزاب عاجزة عن الوصول الى موقف موحد واضح وصريح. واذا كان الأمر كذلك فأين الشارع العربي من هذة الغمغمة وعدم الوضوح؟!!! قد يعتقد البعض انه من الممكن أن تكون هذة الغمغمة وعدم الوضوح هي أنعكاس لغمغمة الشارع العربي وعدم وضوحه. الا أنني أعتقد عكس ذلك، لكن في الوضع الراهن لا توجد أمكانية فعلية لسماع الصوت النقي لهذا الشارع او آلية للتعبير عنه. والمشكلة الأكبر هي أن التعامل مع هذا الشارع هو تعامل سطحي جداً فيه الكثير من الأستخفاف بقدرة هذا الشارع وبآرائه.

أحدى التحديات الكبرى أمام أمكانيات التأثير والتغيير هو أفيون اللابديل، فهو المبدأ الذي يوجه الناخب العربي في أختياره وكذلك الأحزاب العربية في التعامل معه. لا بديل سوى المشاركة بالإنتخابات ولا بديل أمام المؤسسة الصهيونية غير الأمتناع عن أنتخاب أحزاب صهيونية وترجيح كفة الأحزاب العربية، ولا بديل أمام الأحزاب الأخرى سوى التصويت لحزب "اللا بديل" حتى لو مواقفه لا تعبرعن أهواء الناخب وأراداته. مبدأ الا بديل يضع الأحزاب العربية في حاله من الخمول وعدم الأكتراث حيال آراء الناخب والشارع... فبالنسبة لهم هو مفهوم ضمنا وخياراته محدودة. لكن حسب رأيي خيارات الناخب العربي لها أمكانيات أكثر مما يحلو للأحزاب التسليم به. فأذا فعلاً ما عندك بديل ولا تريد ان تصوت للحزب الخصم الذي لا تتماهى وارائه صوت ورقة بيضاء، ربما بمقدرة الورقة البيضاء حث الأحزاب العربية للخروج من خمولها السياسي والأكتراث بمصلحة واهواء الشارع.

للخلاصة، بشكل عام تنعدم أمكانية تاثير الناخب العربي على مجرى الأمور بالأحزاب الصهيونية وبالإنتخابات الأسرائيلية عامة، لكن هذة الامكانية موجودة بالنسبة للأحزاب العربية. يمكن للناخب العربي أن يحث الأحزاب على تغيير مسارها بواسطة الورقة البيضاء وسأحاول هنا الوقوف على ميكانيكية عمل الورقة البيضاء لتوضيحها.

أولاً يجب التمييز بين الأمتناع عن التصويت أو التصويت ورقة بيضاء فالفرق شاسع بينهما. عدم التصويت أبدا يخرج الناخب الممتنع من الحسابات الانتخابية ونصيب الأحزاب تكون بحسب عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب من مجمل الأصوات العام، أذا أمتنع الناخب العربي عن التصويت فسيرجح كفة الأحزاب الصهيونية ويقلل من حصة الأحزاب العربية. الأقتراع بواسطة الورقة البيضاء يدخل صوت الناخب العربي بمجمل أصوات الناخبين لكن أي من الأحزاب لا يحظى بصوته فتكون النتيجة المباشرة سقوط الأحزاب الصغيرة وزيادة حصة الأحزاب المتبقية.

الأحزاب العربية تريد المشاركة في الأنتخابات ويهمها الوصول الى البرلمان. الورقة البيضاء تضع بين أيدي الناخب العربي فرصة للمساومة أمام هذة الأحزاب وربما الضغط عليها لتعديل مواقفها بشكل يتماهى ومواقفه، فأما تتفق هذة الأحزاب وخياراته وتحاول الوصول الى مواقف وقرارات تتلائم مع تطلاعاته وتجيب على أحتياجاته واما ان يقوم الشارع باسقاط هذة الأحزاب.

وللنهاية الإنتخابات لا تقتصر فقط على الوصول الى الكنيست، ويوجد توقعات لدور أكبر للاحزاب العربية وقد تكون الإنتخابات فعلا فرصة حقيقية للتأثير على مجرى الأمور السياسية على مستوى الشارع العربي والأحزاب العربية والقيادات السياسية العربية. فأمتناع الناخب العربي عن التصويت يضعه خارج اللعبة لكن أختيار الورقة البيضاء يسقط الأحزاب العربية القائمة وقد يخط حروف ورقته لدورة الإنتخابات التالية.


فأن ما عجبك وما عندك بديل صوت ورقة بيضاء لأنه بأمكانك خلق البديل.

------

حقوق النشر وفقا لحقوق المشاع الأبداعي - أستعمال المواد مجّانية، لكن يتوجّب نسبة النصوص الى المدونة والكاتبة، نسرين مزاوي. يُحظر نشر العمل في مواقع تجارية أو استخدامه لأي غاية تجارية ويُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص.


نسرين مزاوي – ناشطة نسوية، باحثة ومستشارة بيئية. حاصلة على الباكلوريوس في علم الأحياء والماجستير في الإدارة البيئية.

هيك منحب رام الله برومنسية كثير/ فقاعات رام الله الرومنسية

رام الله هي بمثابة المدينة المفقودة لشباب وصبايا فلسطين الداخل – فنحن (وفقا لمقولة الباحثة منار حسن) المتمدنين بلا مدينة. فالناصرة، كغيرها مما يعتبر اليوم مدن فلسطينية في الداخل، ليست مدينة بأي معنى من المعاني غير ربما بعدد سكانها، فنسيجها الأجتماعي عائلي ومتراص، بعض أحيائها تطل عليك بمعماريتها كمخيمات لاجئين، بلدتها القديمة مهجورة، ومجمل الخدمات التي وفرتها بالسابق أفرزت الى البلدات اليهودية المحاذية. اما الأجزاء العربية المتبقية من اللد عكا ويافا فهي اليوم بمثابة أحياء فقيرة تعيش على هامش المدن اليهودية وكل ما تبقى لنا هو قهوتين مسرح وشط صنعنا منهم مدينة في حيفا.

في السنوات الأخيرة "مدت أجر" اهل الشمال الى رام الله ماشاء الله، وبضمنهم انا. "الله يخلف" على شارع رقم 6 بالرغم من كل أشكالياته أحسن الى اهل الشمال بانه قربهم من القدس (المنسية) ومن رام الله (العاصمة!!!). من الناصرة الى قلنديا ساعة ونص بالكثير، فأصبحت قلنديا الى الناصرة أقرب من تل ابيب. شارع رقم 6، شارع أجرة، (مش رخيص ابداً)، وبعكس شارع الشط المكتظ بالحركة والمجمعات التجارية، شارع رقم 6 عريض وفاضي وتخلو جوانبه من أي شي غير قرى المثلث التي صودرت اراضيها في سبيل شق الشارع واضحت معزولة عن الشارع ومعزوله بواسطته.

الأثير الفلسطيني المنبعث عن راديو اجيال وترددات أذاعية اخرى يهيئ لك نفسيتك خلال السفر ويحضرك للدخول الى "الوطن"، وخلال الطريق تترصد قمم أشجار الكينا ورؤوس عواميد الكهرباء المترائية لك من خلف الجدار الفاصل المحاذي للشارع في منطقتي طولكرم وقلقيلية، وفي الأونة الأخيرة تحتاج الى يقظة خاصة لكي لا تغفل عن الجدار "فمع الوقت بطلت تشوفوه غطوه كله بشجر".

شارع رقم 443 – "انت بالضفة بس كل شي حواليك بقول انك بأسرائيل. مودعين على اليمين ومودعين عيليت على الشمال وبيت غور الفوقا والتحتا والطيرة مسييجين وما الهن طريق. بتزيد من سرعتك بشكل كبير وبتعلنها ثورة، ثورة على قانون واحد، قانون السير، وكانك بهاي الثورة بتذكر حالك واللي حواليك انك مش بأسرائيل وانه قانونهن هون مش ساري عليك. وعلى الأشارة الضوئية بتعطي شمال، كل السيارات بتابع طريقها للقدس وانت بترفع راسك بزاوية منفرجة وبتستنى الأشارة الخضراء، بتنفش عضلاتك وبتفوت مثل ابو زيد الهلالي، وعلى الدوار بتكتشف انه في حواليك كمان شي الف أبو زيد الهلالي كلهن مثلك سيارات مع لوحات اسرائيلية صفراء نافشين عضلاتهن وبحاشرو فيك عن اليمين وعن الشمال".

"بتدخل حاجز قلنديا وما حدا بحكي معك، وبتتنفس كأنك ما تنفست لحد اليوم وبتوسع رياتك وبتحس انك طلعت خارج الجدار مش دخلت الى حصاره. بتصير قلنديا مجرد حاجز وبتنسى انه قلنديا هي بلد ومخيم لاجئين وبتبداء رحلتك ووجهتك الى رام الله الوطن المفقود. اول شيئ بتلاحظه وبصير أهم شي بالنسة الك لفترة بعتمد طولها عليك انه كل شي بالعربي، بس كل شي يعني كل شي، يعني كل شي كل شي كل شي كل شي كل شي بالعربي، كأنه ولا مرة بعمرك بحياتك شفت عربي (هيك بصيبنا كمان بعمان)... وبتصير مثل الولد الصغير تقراء اللافتات وكل لافتة كانها أنتصار جديد، مع الوقت بتفهم انه انفعالك الشديد هذا مش نابع من الافتات العربية انما من انعدام العبري من مجال الرؤية المسترد تبعك، وهيك بتصير المحافظة على نقاوة اللغة والتحفظ من الكلمات العبرية هي أهم انتصاراتك اللي بتقمع فيها غرائزك المشوهة وبتبني فيها غرائز طبيعية من جديد، وان نفذت للمشهد بشكل أو باخر كلمة عبرية بتمتعض وبتفّ وبتحس انها عم بتضييع منك فلسطين".

فقاعات من الرومنسية تحملنا الى رام الله كفقاعات الرومنسية اللتي تحمل الحجاج الى الاراضي المقدسة. رومنسية تحجب عنا الواقع وتنسج لنا كل ما يحلو للخيال. "فان ضعت برام الله شي يوم، متاهتك بتتحول الى بوصلة وغربتك بتصير مرسى وبمدينة ما بتعرف فيها حدا، كل الناس مهما كانو غرباء عنك بصيرو عمك وخالتك وخيك وأختك، وبعد ما لقيت الطريق بتحس انك حابب تبقى ضايع، فلغتك بضياعك هذا بالرغم من لوحتك الصفراء بتحول كل الناس لأهلك. لكن الفقاعات الرومنسية هاي بتتفرقع واحدة ورا التانية ومع الوقت بتبدأ تستوعب انه رام الله هي بس رام الله، وانك لما انت ضايع حتى لو كل الناس أهلك في نهاية الموضوع انت ضايع... فما اجيت كل الطريق من الناصرة الى رام الله حتى تحضر أخر عشر دقائق من المحاضرة اللي اجيت خصيصا على شانها وتكييف على حالك انك ضعت برام الله.

عمليا النزوح عن الرومنسية هو بداية تسجيل الهزائم، ومن اللحظة التي أعلنت فيها هزيمتك الاولى يسهل تسجيل الأهداف في شباكك. فرام الله هي مدينة نبحث فيها عن أمور نفتقدها، مثلاً، كبحثي المتلهف ذات يوم في مكتبة جامعة بير زيت عن "كتب خاصة أومصادر لا تسنح لي فرص الوصول اليها"... وأخيرا أنتهي الأمر بصديقي عُمر بتذكيري بأن ما ابحث عنه من كتب أو مصادر غير موجود، "فكل شي خاص أخذوه... تجدينه محفوظ في المكتبات والأرشيفات الأسرائيلية". وبهذا سجل عُمر ثاني هزائمي المعلنة بل انها لهزيمة مضاعفة فما أبحث عنه غير موجود بل والأنكى من ذلك فانه موجود في مهجري الدائم في سراديب المكتبات المفتوحة امامي اللتي لن تشفع لي بها لغتي أن تهت باي منها ولن يخرج لمعونتي لا عم ولا خالة ولا أخ ولا أخت فهم راقدين ساكنين بين أوراقها وفي صناديق أراشيفها.

خرجت وعُمر من الجامعة تفاديا لخسائر أخرى مهددة بسهام الواقعية. ووجدنا طريقنا الى مقهى لطيف – رام الله خالية من العبرية ويجدر بدقائقي فيها ان تكون خالية من العبرية أيضا – وها انا في محاولة للتعالي على غرائزي اللغوية فالتبست علي الأسماء الاتينية بين الماكياتو واللطة وغيرها ورست بي الأمور على اسبرسو مع حليب - "نعم هذا هو ما اريد اسبرسو مع حليب" فما كان من النادل غير ان نظر الي وسألني على عجلة من أمره "يعني هفوخ؟" فاجبت مطأطأة الرأس وها قد سجل الهفوخ في شباكي هزيمة اخرى "أه... هفوخ...".

من جعبة فقاعاتي الرومنسية وربما آخرها الى الأن هي فقاعة قلنديا، قلنديا الحاجز وليس البلد أو المخيم. "بقلنديا بتفوت ما حدا بيسألك شي، فوضى وازمة سير كثير ومع الوقت بتفهم انه مثل ما بحاشروك في الشوارع العربية بالداخل هيك بحاشروك بقلنديا. بالفوتة ما في قانون، وبالطلعة بتقف بالدور واذا الدنيا ليل بتطفي الضؤ وبتنتظر، كل ما سمعت صوت خفي بصرخ وبقول "تتكدم تتكدم" بتقدموا السيارات بنظام كل ثلاثة مع بعض، اذا سيارة واحدة فاتت بالغلط بتسمع نفس الصوت بصرخ وبقول "تخزور اخورا تخزور اخورا". هدول نفسهن الناس اللي كانو يحاشروك الصبح ونافشين اسا صافين بالدور وساكتين، كلهن لوحات صفراء. ولما بيجي عليك الدور بتعطي هويتك للجندي او الجندية بتتطلع فيها وبتطلع فيك وجنود تنين بكونو ماسكين سلاحهم ومستعديين للطخ. أذا معك ناس مش قرايب من الدرجة الأولى بينزلو من السيارة وبيمرو من معبر المشاه. بعدين انت بتنزل من السيارة وبتفتح الصندوق وان ما معك شي بقولك الجندي "ساع". لما فش ضغط على الحاجز بتنتظر بالدور حوالي 20 دقيقة ولما في ضغط ممكن تنتظر ساعة أو اكثر. غير قلنديا في طرق تانية حتى تطلع من رام الله، بما أنه لوحتك صفراء فممكن تطلع بدون حواجز عن طريق المستوطنات بس بتلف شي ساعة لتطلع وأن ضعت لا في عمي ولا خالتي ولا خيا ولا خيتا... وممكن كمان تطلع عن طريق حزمة حاجز صغير بعد قلنديا باتجاه القدس بطول الطريق شوي بس بتمر فيه بدون ما توقف وما في عليه تفتيش".

لسبب أو لأخر لحد اليوم أصريت على الخروج عن طريق قلنديا... وكأنه مروري بقلنديا يعزز فلسطينيتي والتنازل عنه فيه طعن فيها... كأنه قلنديا بتعوض عن الحجر اللي ما رميته وعن الحصار اللي ما عشته أو عن الرصاص اللي ما اصبت فيه، كأنه فلسطينيتي منقوصة بدون هاي المواجهة، المواجهة الوحيدة الي مع جنود الاحتلال، المواجهة الوحيدة الي بقدر فيها اتفرس بوجوههم وأتفحصها عن قرب وأتسأل قبل ما أشوفها بتخوف هل راح اشوف فيهم حدا بعرفه؟ هل فيهم حدا من زملائي او من أولاد معارفي أو من الناس اللي بشتغل معهم؟! هل راح يكون فيهم حدا من طلابي أو طالباتي؟!!

في نهاية المطاف أسقطت قلنديا هي أيضاً ما فرضتُ عليها من مواجهات وتحديات رومنسية لصالح طريق حزمة، اهون وأقصر وتخلو من المواجهات العبثية، ومثلها مثل ال"هفوخ" و"الكتب الخاصة" وغيرها من رومنسيات مبنية صوبت قلنديا الى شباكي سهام الواقعية وسجلت هدف تلو الأخر وأعلنت بهم هزيمتي مرة أخرى لأرى رام الله بصورة أكثر واقعية - مدينة مركزية لا تمثل الا ما فيها وكغيرها من المدن المركزية فيها الحسنات وفيها السيئات وليس كل ما بها عذبا جميلا.

وما زلنا نعشق رام الله برومنسية ونطوق اليها فهي المدينة حيث لا مدينة.

© حقوق النشر محفوظة


نسرين مزاوي – ناشطة نسوية، باحثة أجتماعية ومستشارة بيئية. حاصلة على الباكلوريوس في علم الأحياء والماجستير في الإدارة البيئية.

اقعد اعوج واحكي صحيح... ملاحظات حول خطاب الرفيق رجا زعاترة في مظاهرة حيفا 13.08.2011

تجدون الخطاب هنا - http://www.youtube.com/watch?v=Pom9YOQAnNg

وجود العرب او عدم وجودهم مشاركتهم او عدم مشاركتهم في هبة الشارع اليهودي المطالبة بالعدل الأجتماعي تثير الكثير من التساؤلات والمواقف المتضاربة. من الواضح انه يجب ان يسمع للعرب صوت في كل ما يحدث لكن السؤال اي صوت؟

اود هنا التطرق لخطاب الرفيق رجا زعاترة ووضع بعض الملاحظات حول خطابه في مظاهرة حيفا 13.08.2011

أولاً يبدأ الرفيق بتقديم التهنئة للخيم التي أقيمت "بأعقاب الأحتجاج الأجتماعي بالشارع الأسرائيلي" في الناصرة وام الفحم وسخنين وحرفيش وفي العراقيب ومجد الكروم واللد... وفي هذة التحية تهميش وتشويه للحقائق والتاريخ مما لا يصح على الأقل بحق الناس الذين تقدَم لهم التحية... فخيم العراقيب اشيدت مما يقارب السنة وقد سبق تشييدها ظهور الخييم الصيفية في روتشيلد... كذلك خييم اللد فهي منصوبة منذ السنتين تقريبا ويعيش اهلها واطفالها الخيم صيفا وشتاء وهي ليست ردة فعل ولا انجرار فطري وراء الأحتجاج الصيفي للشارع اليهودي. فلماذ نصور الواقع مقلوب رأس على عقب ولماذا نفترض ان على العراقيب واللد أن تنضم الى روتشيلد؟! ولماذا لا ينضم روتشيلد الى العراقيب واللد؟!!! فلماذا هذة الطبقية المبطنة في هذة التحية؟!!!

ثانياً جملة الخطاب الساطعة وقد أختار الرفيق عنونة خطابه بها "אצלנו בוואדי לא אוכלים קוטג'.. מעדיפים לבנה" –  (عندنا في الوادي لا نأكل جبنة الكوتج.. نفضل اللبنة) - وهنا لا يسعني غير الأستيهاب بفرضيات العنوان فأبدأ بالفرضية الاولى وهي ان كل العرب يسكنون الوادي وليس هناك عرب يسكنون دينيا او الكرمل او ربما سيفيون، (والوادي هو الأسم المُختزل لحي وادي النسناس في حيفا)  وبهذة الفرضية يتغاضى الرفيق عن الفروقات الطبقية بين العرب وكأن العرب كلهم مسخ من مزيج واحد.... فصحيح أن تمانين بالمئة من العرب فقراء وتمانين بالمئة منهم يسكنون أحياء عربية معزولة كوادي النسناس لكن ليس هدا بمبرر للتعامل مع المجتمع العربي بهذة السذاجة وبشكل أو بأخر الترويج لفرضيات خاطئة وسطحية تحت عنوة النضال وقيادته بهدف (ربما) التأثير عليه.

ثانياً – يفترض الرفيق ان اللبنة كلها لبنة عربية من نوع واحد وأكيد غاب عن بال الرفيق ان اليهود ايضاً تعلمو اكل اللبنة كما تعلموا أكل الحمص والفلافل وغيره... طبعاً هو لا يقول اليهود والعرب لكي لا يتسم خطابه بالعنصريه لكن هذا هو التفسير الوحيد لمقصده من الجملة "عندنا في الوادي لا نأكل الكوتج ونفضل اللبنة". بالاضافة الى ذلك أود لفت النظر ان اللبنة ليست كلها نوع واحد وان تنوفا وشتراوس ايضا بقومون بأنتاج اللبنة وتسويقها وليس كل من يأكل لبنة يأكل لبنة عربية زهيدة الثمن كذلك بالأضافة الى منظور اللبنة كلبنة عربية بحتة يغيب عن بال الخاطب بأن اللبنة العربية كغيرها تتنافس مع باقي اللبنات في السوق من حيث السعر الجودة والتكلفة وان أصحاب المصانع العرب يرغبون بالربح المالي كغيرهم من اصحاب المصانع الغير عرب... واخيرا أرغب بلفت النظر ان الأستعارة الرومنسية للبنة وضعتها خارج سياق المكان وخارج سياق الزمان كأن اللبنة مستهلكيها ومنتجيها لا علاقة لهم بالسوق ولا بالمنافسة الرأسمالية ولا بالأزمات ويقعون جميعا بشكل مستقل وأوتنتي خارٍج سياق الأحداث وخارج سياق التاريخ... وهكذا وضع الخاطب العرب كلهم بخانة واحدة، خانة "اللبنة" و"الوادي" بشكل أوتنتي ورومنسي جداً "قاعدين بالوادي يأكلو لبنة..." وللأسف هذة بالظبط هي صورة العربي المحدودة اللتي يستطيع الشارع اليهودي أستيعابها وهذا هو الخطاب الذي يهوى أجماع الشارع اليهودي سماعه وهو خطاب يكرس صورة دنيوية للعرب محدودة ومنسلخة عن سياق الواقع، عن سياق الأحداث وعن سياق التاريخ... في الماضي أستعمل الغربيون كلمة "بريمتيب" لوصف كل من رأوهم بهذا المنظور... فلا عجب من تصفيق الروتشلديون لهذا الخطاب بل عجبي من تصفيق العرب له!!!!

ثالثاً - أسوة بالشيوعية يأمم الرفيق الجوع والفقر ويقول "בסופו של יום משפחה ללא קורת גג היא משפחה ללא קורת גג, וילד רעב הוא ילד רעב, וזה לא משנה אם הוא מדבר ערבית, עברית, אמהרית או רוסית. בסופו של יום, לרעב ולהשפלה, בדיוק כמו להון, אין מולדת ואין שפה" – للوهلة الاولى كلام سليم لكن لهذا الكلام أبعاد تتناقض وواقع الهاتفين والمهللين له. فمن خلال هذة الجملة يدعي الرفيق اننا عربا ويهودا روس وأثيوبين نتشارك جميعا نفس القدر... وبهذا "نحن" مجموعة من الناس في رقعة جغرافية محددة تواجه مصير واحد وقدر مشترك... يعني شعب!!!!!!! فهل يعقل هذا؟؟؟؟!!!!!!! هل يعقل ان اليهود والعرب في الرقعة الجغرافية لفلسطين ال48 أصبحو شعباً واحد يواجهو قدر مشترك ومصير واحد؟؟!!!! هل يعقل ان من صفق لهذا الكلام مدرك لماذا يصفق؟!!! معقول؟؟!!! هل تنازل أجماع الشارع اليهودي عن دولة اليهود وعدواً وراء الرفيق زعاترة كلهم يؤيدون فكرة دولة المواطنين؟!!!

رابعاً – ليس كل من يدفع بمقولة "لا للكابيتاليزم" في خطابه – اي لا للرأسمالية – يطرح بديل أفضل... فقد أصبحت الشعارات المناهضة للرأسمالية اليوم كلام دارج وعادي وقد فقدت ثوريتها والتزمت مكانة الشعارات بالأخص عندما تدرج في سياق خطاب لا يخلو من الطبقية المبطنة وفرضياته تناقض رسائله وبكلمات أخرى كله من اوله لاخره يناقض بعضه... يعني من ناحية يدعي الرفيق اننا كلنا مع بعض بالهوا سوا (وهذا الشي غير صحيح) ومن ناحية أخرى يصور العرب كالمزهرية الجميلة بالوادي... وربما قد يصح القول كجرة في الوادي!!!

خامساً - يختتم الرفيق خطابه بما معناه انه بالطول بالعرض "أحنا"، العرب واليهود، سنبقى معاً نناضل معاً أن صارت حرب أو ما صارت راح نبقى مع بعض!!! والسؤال الذي يطرح نفسه وبتزعفل - عن جد؟؟؟!!!!!!! فهل يا رفيق انت تطلب منهم ان نبقى مع بعض؟!!!! أم انك تعرف انه في حالة وقوع حرب مش راح يروحو على الجيش وراح نضل مع بعض؟!!! أو ممكن قصدك انه راح يروحو على الجيش وراح نبقى مع بعض؟!!!!!! أو ممكن ترغب بأن نذهب للجيش مع بعض؟!!!!!!!!! المهم دايماً مع بعض!!!!!!

وهنا اريد التوقف برهة عند مبدأ ال"مع بعض" هذا وكيف أكتسب قيمة بحد ذاته؟ وما هي الفرضيات التي يستند عليها هذا المبدأ؟!! اولاً أرغب بأن أنوه انه عرب ويهود ممكن أن يكونو مع بعض من أجل العدل وممكن أن يكونو مع بعض من اجل النهب. ثانياً الفرضية المبطنة خلف تحويل ال "مع بعض" الى مبدأ هي انه من المستحيل أن يجتمعو اليهود والعرب مع بعض وطبعاً هذة فرضية خاطئة!!! بل انها فرضية ذات طابع عنصري حيث انه بسبب كون العرب عرب واليهود يهود فمن الصعب أن يكونو مع بعض لذلك يصر الخاطب والمصفقين له على هذا المبدأ ويرفعونه عالياً... لكن الواقع يبرهن انه العرب واليهود ممكن ان يكونو مع بعض عندما تلتقي مصالحهن... فربما من الأجدر أن نتنازل عن مبدأ ال"مع-بعض" كأنه قيمة قائمة بحد ذاتها ونبدأ نفكر ولو قليلاً بالأمور الجوهرية التي قد تجمعنا مع بعض.

واخيراً – يجمع الرفيق ما بين السلام والعدل كأمرين يجب القدم بهما سوية، وطبعا يُفترض بهذا الكلام ان السلام والعدل شيئان منفصلان يجب جمعهم مع بعض بأختيار حر وأرادة صادقة... وهنا اسمح لي يا رفيق أن أقول انك مخطئ بقولك هذا، وربما لم تقصد ذلك، فالعدل و"السلام" اي انهاء الاحتلال ليسو بأمرين منفصلين وجب علينا جمعهم انما أمر واحد حيث أن انهاء الأحتلال هو عدل والعدل هو انهاء الأحتلال، وتذويت مفهوم الفرز بين الأمرين هو كارثة نتدحرج في هوتها في دربنا الى روتشيلد.

وللنهاية – يصف البعض في بعض الرسائل القصيرة على الأنترنت مظاهرة حيفا كالعملاقة (مترجمة حرفياً من العبرية).... وهنا لا يسعني غير القول: أي لا؟!!!! أولاد غزة هم العمالقة، أولاد جنين هم العمالقة... الشعب السوري عملاق... الشعب المصري عملاق... أهل تونس عمالقة واهل البحرين واهل الصحراء... أما مظاهرة 30-40 الف في حيفا خرجوا الى مخيم روتشيلد الصيفي صارت مظاهرة عملاقة؟! اليس من الافضل التروي قليلاً لكي نرى ورقة الأقتراع لهؤلاء المصيفيين؟؟!!!

© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي – ناشطة نسوية ومستشارة بيئية حاصلة على اللقب الاول في علم الاحياء واللقب الثاني في الإدارة البيئية.

نحو أقتصاد بديل - الثورات العربية، تنمية أقتصادية وأفاق بيئية

اولا اود ان ابدأ بأن الثورات العربية هي ثورات مختلفة بطابعها اسبابها ومحفزاتها، ربما القاسم المشترك الوحيد بينها جميعا هو الثورة ضد الفساد وضد الأنظمة القامعة. ثورتي تونس ومصر هم الوحيدتين التي برز بهما العامل الأقتصادي كمحفز اساسي للثورة وهنا يجب التنويه بأن تونس ومصر على حد سواء على مدار سنين اتبعتا نموذج التنمية الأقتصادية الرأسمالية المهيمنة وبالرغم من هذا لم تستطيع اي منهم النهوض بشعبها وبأمتها انما زادت من العبئ الأقتصادي على أفرادها.

هنا قد يحلو للبعض توجيه أصبع الاتهام نحو الفساد والتغاضي عن فشل النظام الأقتصادي وانا اتسأل هل من المعقول ان كافة الدول الأفريقية ودول امريكيا الاتينية ودول أسيا والدول العربية كلها تعاني من الفساد بينما الأخلاقيات حصرية على الشعوب الاوروبية ولا سيما الولايات المتحدة، كندا، استراليا ونيوزيلاند؟!! طبعا لا! الفساد موجود لدي كل الشعوب والقضية هي قضية ثغرات موجودة في النظام اصلاً الا ان حدتها لا تبرز في مجتمعات الوفرة والرغد حيث أن كافة الأفراد "اياديهم طايلة" غالبيتهم من عملهم (لكن تعب وعرق جبين الشعوب المستضعفة) وقلة منهم من الفساد السياسي... وكذلك الامر لدى الدول الفقيرة فبعضهم "اياديهم طايلة" بسبب الفساد السياسي وغالبيتهم يتعب ويشقى ويعرق لكن تصب الأرباح في جيوب رؤوس الأموال المتواطئة مع الأنظمة الفاسدة مما يزيد من حدة الفساد وعلى الأغلب تكون رؤوس الاموال هذة خارج الدولة بينما قلة منها قد تكون محلية.

في العام 1965 كتب كيلفورد جيرتس عن المجتمع الاندونيسي الذي وقع تحت وطئة الاستعمار الاوروبي (بورتغالي، اسباني، هولندي، وانجليزي) منذ القرن السادس عشر حتى القرن العشرين حيث تلقت اندونيسيا أستقلالها في العام 1965 بعد 6 سنوات من "الديمقراطية الموجهة". يركز جيرتس في كتابه Agricultural Involution، على التنمية الزراعية الاقتصادية لأندونيسيا ويكشف كتابه مكانيكية الاستضعاف حيث قام المستعمرون بأشكال متفاوتة بتوجيه الزراعة المحلية نحو الأسواق الاوروبية لتزود السلع الاوروبية المطلوبة كالقهوة وغيرها، الا ان إتباع المستعمرون لنظام أقتصادي ثنائي يكون فيه التصدير بخسا والاستيراد نفيسا أدى الى بذل جهد كبير في الأنتاج الزراعي الموجه للأسواق الخارجية على حساب الزراعة لتوفير الغذاء المحلي. طبعا بما ان استيراد الغذاء كان مكلفا فكان رد فعل المجتمع الاندونيسي زيادة في عدد السكان حيث يذهب بعضهم للعمل في الزراعة الموجة الى الخارج والاخر يعمل في الزراعة لتوفير الغذاء المحلي، لكن بما انه العمل في الزراعة الموجهة الى الخارج مربح أكثر فأن غالبية المزارعين فضلو ويفضلو التوجه للعمل بها ومرة أخرى كانت ردة فعل المجتمع الاندونيسي زيادة السكان لتوفير الأيدي العاملة في القطاعين لكن قطاع التصدير الزراعي أستقطب العمال المرة تلو الأخرى وحصل على الكم الاكبر من الأيدي العاملة ومرة تلو الأخرى بقيت أندونيسيا بدون أيدي عاملة لتوفير الغذاء المحلي ودواليك... وتعتبر أندونيسيا اليوم أكثر الدول التي تعاني من التضخم السكاني في العالم.

قبل العودة الى الثورات العربية اود التنويه بأن قضية التضخم السكاني تعتبر احدى الكوارث البيئية، لكن لنذكر اولأ بان 80% من أفات العالم البيئة ناتجة عن 20% من سكان العالم وهم ليسو من الفئة التي تعاني من التضخم السكاني. ثانياً قضية التضخم السكاني هي قضية حديثة وترتبط جذورها بالثورة الصناعية وبالأقتصاد الرأسمالي وقد يحلو للبعض تفسيرها كنتاج لتطور الطب لكن يجب الانتباه بان الطب الحديث المتداول اليوم تطور في العالم الغربي ومناليته في العالم الغربي هي أسهل بكثير من العالم الثالث "المريض والجوعان" وبالرغم من هذا فأن العالم الغربي لا يعاني من تضخم سكاني بل على العكس اما العالم الثالث "المتضخم" فهو يعاني الجوع والمرض ولا يوجد له ما يكفي من المال لكي يأكل ولا ما يكفي من المال لكي يشتري الدواء. وكلنا يعلم ان الأسواق الأوروبية الزراعية والطبية تفضل أن ترمي منتوجاتها بالماء، (فتحتضر أفريقيا على سبيل المثال من الجوع ومن الأيدز)، على أن ترخص أسعارها. ومن هنا فأن قضية التضخم السكاني على كونها كارثة بيئية الا انها قضية أستغلال وفجوات أقتصادية أجتماعية قبل أن تكون تكون مسألة جودة حياة أو قضية طبية.

عودة الى الثورات العربية وأخص منها كما ذكرت سابقا مصر وتونس حيث برز العامل الأقتصادي كأحد المسببات الرئيسيه لهاتين الثورتين. في الأيام الأخيرة تعلو العناوين قضية رفض مصر للتمويل من قبل البنك الدولي مما يدعو للتفائل ويدل على توجه نحو تنمية أقتصادية بديلة. يمكن معاينة بعض العناوين هنا: مصر ترفض دعم البنك الدولي ، مصر لا تحتاج الى تمويل من البنك الدولي

طبعا الملمين في الموضوع يعلمون ان نماذج أقتصاد اسلامية قد تعطي نموذج بديل لنموذج النظام الأقتصادي الرأسمالي - لاحقا نشر جواد البشيتي مقاله الناقض للأقتصاد السياسي الأسلامي في موقع الحوار المتمدن - تجدونه هنا: الأقتصاد السياسي الأسلامي – حديث خراف!

في خلاصة الحديث اوافق البشيتي بنقده محاولات الألتفاف على الاسس الأسلامية لمحاولة تشريع الربا وهنا اريد ان اربط موضوع الربا والأقتصاد الأسلامي بالقضايا البيئية على أمل ان استطيع القيام بذلك بشكل مبسط وسهل للقارئ.

أول شيئ من المهم ان نعي ان الربا (الفائدة المالية) هي أفة الأقتصاد الرأسمالي بيئياً واجتماعياً حيث تنتج قيمة من لا شيئ، أي انها تتنتج أموال من لا شيئ، - قيمة بدون عملية انتاج - وهذة هي فقاعات النظام الرأسمالي!! من ناحية هي تقييم العمل بواسطة المال، لكن عملية انتاج المال غير مرتبطة بالعمل حيث يمكن انتاجها من وهم ارباح مستقبلية لم تُحَصل بعد (هكذا تعمل البورصة على سبيل المثال وهي المصدر الاساسي للفوائد المالية). وهذة هي الآفة الاجتماعية حيث تخلق الفروقات المادية الشاسعة بين من يعمل جاهدا وبالكاد يحصل على الحد الأدنى من الأجر ومن لا يعمل انما يراوغ النظام فيدر منه ارباحا بلا عمل أو انتاج. اما بالنسبة للأفة البيئية فأن عملية انتاج المال الغير محدودة ترتبط بعملية أستهلاك غير محدودة (لمن يوجد لديهم المال طبعا) في عالم محدود وموارده محدودة.

لا يوجد أستهلاك شيئ من لاشيئ – كل الامور التي نستخدمها أو بالأصح نستهلكها - عملية انتاجها ونقلها الينا أحتاجت الى كم معين من الأرض وكم معين من الهواء والماء والطاقة وهذة كلها امور محدودة – لكن المال غير محدود والاستهلاك غير محدود. ومن هنا فأن عملية الأستهلاك غير محدودة وغير مرتبطة بمحدودية الموارد البيئية او بقدرة الكرة الأرضية على تلبية متطلبات هذا النمط من الاستهلاك، لكن الكرة الارضية هي مكان محدود جدا وليس كما يحلو للبعض تخيله كمصدر موارد لا نهائي.

انتاج أموال خيالية وغير واقعية (بسبب الربا) يعني توفير الأمكانية لعملية أستهلاك غير محدودة وغير واقعية. فاذا طمح كافة البشر بداخل النظام الرأسمالي الموجود للحياة بمستوى المعيشي الأوروبي (ويطمح كافة البشر الى ذلك) فأننا سوف نحتاج الى اربعة كريات أرضية ونصف لتحقيق ذلك - وطبعا هذا الأمر غير ممكن لأنه لا يوجد لدينا غير كرة أرضية واحدة فقط، فتكون النتيجة ارتفاع اسعار مستمر وغير محدود - لا سقف له – وللسخرية أن الحكومات التي تتبع النظم الرأسمالية تعتبر هذا نجاح ونمو أقتصادي.

وفي سياق النظام الاقتصادي الراهن تبقى الفروقات الاجتماعية بين الدول المختلفة كبيرة ولا يمكن التجسير عليها لأنها مرهونة بتنازل البعض (الاوروبيين أو الرابحين حتى الأن) عن امتيازات أقتصادية وكل محاولة للتنمية من خلال هذا الأقتصاد هي وهم بحت ليس له سبيل للنجاح وبكلمات أخرى ليس له اي صلة بالواقع، فهل دون التاريخ نجاح دولة عالم ثالث أستطاعت ان تخرج من الفقر الملازم لها أو أستطاعت أن تتغلب علىه بتبعيتها لهذا النظام؟!!!.... لا.... لان الأمكانية غير واردة – وعلى الطريق لتحقيق هذا الوهم نستهلك الكرة الأرضية حتى أخر قطرة وأخر نفس. وطبعا بعض الناس تستهلك اكثر وبعضها تستهلك أقل – لكن كلنا نتزاحم في هذا السباق... وكأن نمط الحياة الاوروبي الأجتماعي والأقتصادي والبيئي هو أحسن نمط ويخلو من المشاكل. وقد ينظر البعض لحياة الاوروبين ولا سيما في الولايات المتحدة كندا واستراليا ونيوزيلاند وتفتنه الوفرة ورغد الحياة لكن يجب ان لا ننسى ان هذة الوفرة ليست نتاج النظام الأقتصادي الرأسمالي انما هي نتاج لغنائم الأستعمار ونهب الأيدي العاملة والمصادر البشرية، (كالعبودية الأفريقية وغيرها)، والموارد البيئية ولا سيما الزراعية منها بأبخس الأسعار.

الأسلام يحرم الربا ومن هنا الأمل في نظام أقتصادي بديل، لكن من مقالة بشيتي يستدل ان الطروحات الاسلامية الأقتصادية لا تلتزم هذا المبداء انما تحاول التحايل عليه فتستبدل الربا بقيمة ايجار للمال الى ان يعود الى مالكه - للأسف عملية الايجار هذة هي ذات الربا لكن تحت أسم اخر ومن هنا فهي تحلل الربا وتفقد بعض الطروحات الأسلامية الأقتصادية مصداقيتها - وما زال البحث مستمر - والمطلوب نظام أقتصادي بديل يخلو من الربا وأشباهها، يعتمد التنمية بالانتاج المحلي والأعتماد على الذات.



© حقوق النشر محفوظة


نسرين مزاوي – ناشطة نسوية ومستشارة بيئية حاصلة على اللقب الاول في علم الاحياء واللقب الثاني في الإدارة البيئية.

الخدمة المدنية بتمحي الهوية


كثير من الشباب والصبايا اليوم تشغلهم قصة الخدمة المدنية، بعضهم بفكر فيها وبقول "ليش لا؟ا ممكن عن طريق الخدمة المدنية أن احصل على حقوقي، وممكن عن طريق الخدمة أتعلم شغلي أستفيد منها وأفيد مجتمعي"... وانا بقولك صحيح بس القصة أكبر من كيف انت مفكر.

أول شيئ هاي الخدمة المدنيةَ (وحتى لو ما وصلت للعسكرية) عم بتم في سياق دولة يهودية، من هون فأنه هاي الخدمة بتبني عند الفرد اليهودي انتمائه الجماعي لمجموعة هي في الأصل غريبة عنه وبتصقل كيانه في كيان يهودي جماعي متماهي مع الدولة. أما انت يا حبيبي العربي فالخدمة هاي بما انها مش متماهية مع اي من المجموعات الي انت جاي منها (لا الدينية ولا القومية ولا العائلية) فبالنسبة لك كعربي هاي الخدمة هي خدمة فردية تبنيك وتصقلك كشخص مستقل قائم بحد ذاتك "ليبيرالي" متحرر عن اي انتماء جماعي لك حقوق فردية ممكن تحصل عليها وتحقق حياتك كفرد... وكفرد فقط !!! فرد منسلخ عن كل انتماء جماعي ديني طائفي قومي أو عائلي (متحرر يعني)... فمار راح تعييد اعيادك الدينية من خلال أطار هاي الخدمة زي ما راح يعيدها اليهودي ويحتفل فيها بشكل جماعي، ولا راح تحتفل بأيامك الوطنية مقارنة مع أيام الذكرى والأيام الوطنية للشعب اليهودي... مثلا مش راح تحد على شهداء كفرقاسم من خلال هاي الخدمة، ولا راح تحزن على مذبحة دير ياسين، ولا شهداء يوم الارض ولا شهداء أوكتوبر اللي سقطو في الناصرة وام الفحم وعرابة وسخنين... كمان ما راح تعيد لا عيد الميلاد ولا عيد الفطر ولا راح تصوم رمضان فالمؤسسات الرسمية هي مؤسسات يهودية تتماهى مع طابع الدولة وتستنكر المسيحيين اللي قتلو اليهود بأوروبا والمسلمين اللي حسب رأيهم لاحقوهم وقتلوهم في الدول العربية والأسلامية.

عشان هيك يا صديقي هاي الخدمة تعزز الانتماء الجماعي عند اليهود وتسلخ العربي عن أنتمائه الجماعي. فيك تقولي "طيب وشو فيها خلينا كلنا أفراد ونوخد حقوق متساوية مثلنا مثل اليهود"... معك حق هاذا الحكي بكون سليم لو انك عايش في دولة ليبرالية يعني متحررة يعني تتعامل مع مواطنيها كأفراد ومفهوم المواطنة يتماهى مع مفهوم القومية يعني مثل امريكا فهي دولة كل الامريكان أو فرنسا فهي دولة كل الفرنسيين أما اسرائيل.... ركز معي.... فهي دولة اليهود... أينما كانو... يعني هاي الدولة هي دولة القومية اليهودية ومفهوم المواطنة فيها لا يتماهي مع مفهوم القومية.... فمواطنة اليهود فيها هي مواطنة جماعية أو ريبوبلكانية يعني جماهيرية بعكس مواطنتك انت الفردانية الليبرالية – فاليهودي اذا كان خلقان في الهند أو السند أو الهنولولو أو حتى مش يهودي أصلاً بس عنده طرف جد يهودي، فهو تلقائياً شريك في هذة الجماعة ومواطن مرتقب ومتى يريد يحق له ان يمارس مواطنته الجماعية. اما انت يا عزيزي العربي فأنتماك الجماعي الديني أو القومي يتناقض مع الهوية الجماعية للدولة، ومواطنتك وحقوقك اللي ممكن تحصل عليها هي مواطنة فردية فقط منفصلة عن كل ايشي عرفته وربيت عليه قبل الخدمة المدنية... يعني هم ما عندهم أي شيئ شخصي ضدك، انت كفرد محبوب كثير وبحبوك تكون فرد وتبقى فرد.... ليبرالي... تحرري... طبعاً... وشو بدك بهاي العائلة القامعة وهاذا المجتمع المتخلف؟!!؟!؟!؟ وهيك بكون في عندهم افراد متحررين غرباء عن بعضهم البعض يعيشو حياة فردية ويأخذو حقوق فردية ولا يربطهم شيئ ببعض... وممكن تقولي "طيب شو عليه مننسلخ عن الجماعة ومنكون افراد، منتنازل عن الهوية الجماعية ومنكون كل واحد على كيفه فينا الأحمر وفينا الاخضر وفينا الأبيض وفينا الأزرق والأصفر" – بس انت ناسي يا حبيبي انه التمييز ضدك هو مش تمييز فردي التمييز ضدك هو تمييز جماعي... فبتلاقي كل العرب خادمين ولا مش خادمين عايشين بنفس الظروف المجحفة، ففيك تكون انت ملياردير وتنجح كفرد وتبني بيتك مثل القصر بس بالحارة أو البلد المعفنة اللي انت ساكن فيها.

طيب بتقول بدك تطلع وما تسكن بين العرب... وانك تنازلت عن العروبة وما بدك تكون عربي... بس يا حبيبي هاي الدولة لا تمييز ضدك بس لأنك عربي بل لأنك مش يهودي... فهي ليبرالية للعرب وريبوبلكانية لليهود والمساواة اللي بيحكو عليها هي مش مساواة في معادلة متوازنة فبشكل فردي "محمد" ممكن يتساوى مع "موشيه" وممكن يكون أحسن منه كمان بس "موشيه" يا حبيبي عنده ظهر، الدولة ظهره، وانت قزعولك ظهرك!!!

وهيك يا حبيبي هاي الخدمة المدنية بتمحيلك الهوية وتبنيلك مساواة ليبرالية في دولة ريبوبلكانية وبضلك انت خارج دوائر القرار وبيعملولك المجمعات السكنية جماهيرية فما فيك تشارك فيها بدون ما تمر لجان قبول شرطها الاولي لقبولك...لا مش الخدمة المدنية... ها ها... انما اليهودية، وفي القرارات الحاسمة في البرلمان (الكنيست يعني) بتلاقيهم رفعو نسبة الحسم لسبعين أو ثمانين بالمية، وفي المدن المختلطة بتلاقي العرب متجمعين في كانتونات عربية ومدارس عربية وخدمات الصحة والمواصلات طبعا بتتوزع بحسب الجغرافيا السياسية للمدينة واذا كنت انت يعني هذاك المحظوظ وأبوك داعمك أو ستك مورتك أو تجوزت واحدة يهودية وسكنت في مناطق يهودية فلسا بدك تحترم السبت وتحترم الكيبور وتحترم العلم وتحترم المشاعر اليهودية الجماعية وتوطي الموسيقى العربية وتحزن على الذيكرون وتعييد على العتسماؤوت وتحكي بلغة تزدري اللغة العربية وتأكل فلافل على الطريقة الأشكنازية وتقرط بالرا وتحزف العا واذا كنك "عادل" بتصير "ادي" واذا كنك "ماجد" بتصير "دودي" ويمكن من الأساس أهلك يختصرو عليك الطريق ويسموك بأسم ما يفضح عروبتك فما بتقضيها في محاولة للتنكر تحت اسم انت مش هو وبيخففو عليك ازمة الهوية.

وهيك يا حبيبي ليبراليتك هي وهم وما بتخليك تقرر مصيرك ولا تغير من الظروف الي انت عايش فيها وبضلك دايما خارج القرار، ممكن الوضع يتغير بس مش بتأثيرك لأنك بتبرم لحالك اما القرار فهو قرار جماعي لمجموعة بتشوف انها هي الدولة والدولة الها وانت لا منها ولا فيها.

© حقوق النشر محفوظة.
نسرين مزاوي – ناشطة نسوية ومستشارة بيئية حاصلة على اللقب الاول في علم الاحياء واللقب الثاني في الإدارة البيئية.

فوكوشيما في زمن الرجعية والتخلف فمن يحتاج الى هذا الكم من الطاقة؟!


ما زالت الأخبار تتوافد حول الكارثة النووية في فوكوشيما في اليابان. وبينما تتصدرالاخبار أنباء أنفجار تلو الأخر... المفاعل الاول، المفاعل الثاني، الثالث، والرابع... يشغلني السؤال كم من المفاعلات النووية تحتاج دولة واحدة؟! ولماذا نحتاج الى كل هذا الكم الهائل من الطاقة؟

في محض الأزمة النووية تتعالى أصوات قارعي الطبول البيئية لتهليل مصادر الطاقة البديلة الأقل توليثا، فيبرز الخطر الإشعاعي الناتج عن الطاقة النووية والتلوث البيئي الناتج عن حرق النفط والفحم ويظهروا لنا كمصدر الشر والدمار البيئي. وفي قمة الخوف والفزع العالمي تتألق الطاقة البديلة وتظهر كمنقذة العالم من الدمار البيئي ومرة أخرى تتحول الكارثة البيئية الى فرصة أقتصادية لأصحاب الفطنة وسريعي البديهة وهذة المرة لترويج شركات الطاقة البديلة وعلى رأسها الطاقة الشمسية حيث يُهيئ لنا الأنتهازيون أن أعتمادنا الطاقة البديلة الغير ملوثة هو الحل لقضايانا البيئية وهو موطن خلاص العالم من شر الآفات البيئية!!

الكرة الأرضية بطبيعاتها زاخرة بالطاقة. الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، الطاقة البركانية، الطاقة الكامنة في باطن الكرة الأرضية، طاقة حركة القارات التي تتجلى لنا في الهزات الأرضية وطاقة الأمواج المائية ولا سيما منها التسونامي. فان تجاهلنا لبرهة الأعتبارات التقنية والأقتصادية فكل هذة هي مصادر طاقة بديلة، لكن الأعتماد على اي منها قد يكون له أثار جانبية على توازن الطاقة للكرة الأرضية لا نعي عواقبها بعد. وبتسارعهم تهليل مصادر الطاقة البديلة يتعامل بعض البيئيين مع قضية الطاقة بشكل عيني ومحدود متجاهلين شمولية القضية البيئية. من هنا اريد العودة الى السؤال الأولي وهو لماذا نحتاج الى كل هذا الكم الهائل من الطاقة؟ ماذا نرجو منها وماذا نفعل بها؟ وهل الطاقة البديلة هي التي ستخلص العالم والكرة الأرضية من آفاتها البيئية؟

أذا تساءلنا لماذا تحتاج اليابان الى هذا الكم الهائل من الطاقة فأن الاجابة بسيطة، فأن الطاقة هي التي تشغل عجلة الأقتصاد حيث تغذي الأنتاج الصناعي، الزراعي، التجارة وكافة الأعمال اليومية التي يقوم بها أفراد المجتمع والدولة عامة. من هنا فأن نجاح اليابان وتألقها كقوة أقتصادية عالمية يعتمد على توفر الطاقة، الكثير من الطاقة!! كذلك الأمر بالنسبة لكل دولة تود المثابرة في السباق الأقتصادي العالمي فكل دولة تبحث عن الكم الأوفر من الطاقة بالسعر الأرخص. لكن أذا نظرنا الى الموضوع بنظرة شمولية أكثر تضح لنا الأمور بشكل مختلف، فالتعامل مع القضية البيئية بشموليتها من المنظور الأقتصادي يكشف لنا جوانب أخرى للقضية حيث أن عملية الأستهلاك الغير محدود للطاقة في عالم محدود ليست الا مستحيل ووهم لا اساس له من الواقعية.

الحاجة الى الطاقة تحتم علينا أختيار الطاقة الخضراء كأقل سوءا من بين الخيارات المتوفرة، لكن الوهم الذي يحيكه لنا هذا الخيار يخفي عن أعيننا الأهمال البيئي الذي يعتمده نمط الحياة الأقتصادي ذو الأستهلاك الغير محدود. فالنمو الاقتصادي الغير محدود مشروط بعملية استهلاك غير محدودة ولكي تستمرعجلة الأقتصاد بالدوران فلا بد لنا من الأستمرار بالأستهلاك وتنمية ثقافة استهلاك غير محدودة، من هنا يتوجب علينا طرح السؤال ماذا نستهلك ولماذا؟

مما يثير العجب انه في عصر التقنيات المتقدمة وفي زمن حققت به البشرية انجازات لم يحلم بها أسلافنا، في عصر وصل به الانسان الى القمر وأبعد وطور به آلات تخترق الفضاء وتخضعه، في عصر تطورت به تقنيات المعلومات لتحمل كم هائل من المعلومات على قطع صغيرة من الشرائح الألكترونية في هذا العصر ما زالت هواتفنا النقالة تتلف بعد ثلاث سنوات ومعدل عمر سياراتنا لا يزيد عن العشر سنوات وبراداتنا تتحول بسرعة الى خردوات نفضل التنازل عنها على تصليحها، واذا حافظت على بعض الآلات واعتنيت بها فسريعا تجد من يقنعك انها ليست جميلة ولا تتماشى مع الموضة، او من يقنعك انها غير مريحة ولا تتجاوب مع حاجاتك الخفية التي لم تعي وجودها الا أن أخبروك عنها أو ربما أوجدوها لك. في عصر التقنيات المتقدمة تتلف الأدوات والآلات بوتيرة لم تتلف بها بأي عصر من قبل، كل ما ينتج لنا وكل ما نقتني من معدات يتلف سريعا ويتفانى... كلها الا النفايات. فاذا عدنا للسؤال لماذا نحتاج الى هذا الكم الهائل من الطاقة وماذا نفعل بها؟ فتظهر لنا الاجابة بسيطة جداً ومجردة: نستهلك ونستهلك ونستهلك وننتج نفايات بوتيرة لم تعرفها البشرية من قبل! كم غير محدود من النفايات يحول الكرة الأرضية تدريجيا الى مكب نفايات واحد شاسع ضخم وكبير!

فاذا عدنا للتقنيات المتطورة الجيدة والغير ملوثة، على سبيل المثال تقنيات السيارات، فهي متوفرة منذ زمن الا أن الشركات التجارية تمنع وصولها الى السوق لأسباب تجارية بحتة. تقوم الشركات الكبرى بأقتناء الأختراعات الجديدة وحقوق نشرها وتوزيعها وهكذا بالأضافة الى السيطرة عليها والأمتناع عن أنتاجها وتسويقها بواسطة حقوق أقتناء المعلومات تمنع هذة الشركات ترويج المعلومات حول هذة التقنيات وبهذا تمنع تطور البشرية عامة والتقدم في مجال التطوير والاختراعات. فما بالكم أن أستفرد أديسون في حقوق انتاج الكهرباء فأين ستكون البشرية اليوم؟!! وهذا ما تقوم به هذة الشركات فبالاضافة الى السيطرة على السوق وانتاج سلع سريعة العطب تتماشى مع أعتبارتها الاقتصادية فأن هذة الشركات تقوم بالسيطرة على المعلومات وحصرها لتخدم مصالحها الاقتصادية وعمليأ تعيق التطور والتقدم التقني للبشرية حيث قد يكون أسرع بكثير مما نحن عليه اليوم.

اذا فان التقنيات المتوفرة توفر أمكانية أنتاج أدوات بجودة عالية معدل عمرها أكبر بكثير من النفايات التي تباع لنا اليوم في الأسواق لكن الأمر غير مربح أقتصاديا لمن يبغى الربح المالي، لا للشركات الصناعية والتجارية ولا للدول التي تبغى تصدر السباق الاقتصادي المالي. وهكذا بدل ان نعيش حياة رفاهية متقدمة نجد حياتنا رجعية متخلفة تعيق التقدم والتطور التكنولوجي وترفضه لأسباب أقتصادية ذات أهداف قصيرة المدى.

من حين الى أخر نجد بعض التقنيات الحديثة التي تجد طريقها الى السوق لكن هذة التقنيات عمرها قصير جداً كذلك لا يتم ملائمتها الى الأدوات الموجودة في السوق فتظهر لنا مسار التطور التقني كمسار متقطع غير متواصل يتطور بقفزات منفصلة تماما الواحدة عن الاخرى خلافا للواقع التراكمي له وهكذا ما أقتنيناه فقط بالأمس سريعا ما يتحول الى نفايات وخرداوات.

في سياق كل هذا يتسابق بعض البيئيين، وأسمحو لي أن أدعيهم بالزمارين والطبالين البيئيين، ذو النظرة البيئية المحدودة باللهث وراء المصادر البديلة للطاقة متجاهلين ان معظم ما نقوم به بواسطة هذة الطاقة هو أستهلاك وأستهلاك وأستهلاك وأنتاج خرداوات ونفايات!!! قد يتحدثوا بغالبيتهم عن أمكانية تدوير هذة النفايات أي أعادة تصنيعها أو أعادة أستعمالها وما ذلك الا وهم بيئي حيث ان التدوير بحد ذاته ما هو الا عملية صناعية تجارية تقتصر على الثلويث البيئي كغيرها من العمليات الصناعية، ويمتنع هؤلاء عن وضع الأصبع مباشرة على المحك البيئي الأكثر حيوية وهو مناهضة ثقافة الأستهلاك الآني والأحادي والتحول الى صناعة بيئية ذو جودة عالية وأستدامة طويلة الأمد.

لذلك قبل التسارع بالانضمام الى الجوقة البيئية للطاقة البديلة وعلى رأسها الطاقة الشمسية التي تحولت الى السلعة الأكثر مواكبة للموضة الخضراء يجب التوقف والتروي والتفكير، ربما لا نحتاج الى هذا الكم الهائل من الطاقة!!! قد نستطيع الاكتفاء بأقل من ذلك بكثير!!! لكن أي من الدول لن تبادر الى الاكتفاء بالقليل فأن الاكتفاء بالقليل من الطاقة معناه أقل أنتاج، وأقل أقتصاد، وأقل عمل... والمعنيون بردعنا عن ذلك سوف يقولون "وأقل دخلا للفرد وأكثر فقرا"... لكن هذا غير صحيح وغير محتم فمن يحتاج الى هذا الكم الهائل من العمل؟! فلماذا لا نعمل جميعنا أقل ونتمتع بوقت حر وبرفاهية أكبر ففي نهاية الموضوع نحن نعيش في زمن التقنيات المتقدمة... لكن النسويات منا يعلمن ان دخول التقنيات الحديثة للبيت كالغسالة والنشافة والجلاية والمكنسة الكهربائية لم تكن هي تلك التي حررت النساء وليست هي التي سوف تحررهن، انما مناهضة المنظومات الأقتصادية وعلاقات القوة الهرمية، فهل ستقوم التقنيات المتقدمة بتحرير الكرة الارضية من عبئ الأستهلاك والأستغلال البشري؟!


© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي – مستشارة بيئية وناشطة نسوية حاصلة على اللقب الاول في علم الاحياء واللقب الثاني في الإدارة البيئية.

الحقوق البيئية للأقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل في سياق الخطاب البيئي العالمي

نشرت في كتاب دراسات 2010 الصادر عن المركز العربي للحقوق والسياسات
تجدونها هنا


مقدمة:
يتعاظم في السنوات الأخيرة الخطاب البيئي، وقد تحول الى أهم الخطابات السياسية عالميا حيث يضع القضايا البيئية على رأس الأجندات السياسية للدول العظمى والتحالفات السياسية الدولية. ليس صدفة أن الأجندات السياسية التي تنافست على رئاسة الولايات المتحدة منذ ما يقارب العشر سنوات كانت يميناً أجندة "الأمن القومي" ومثلها بوش برئاسته للحزب الجمهوري ويساراً أجندة "الأمن البيئي" وقد مثلها آل-غور برئاستة للحزب الديمقراطي. مع فوز المحافظين الجدد وتولي بوش لرئاسة الولايات المتحدة تحولت أعظم الدول بهيمنتها العالمية، الثقافية السياسية والأقتصادية، الى أجندة "الأمن القومي" ومنها أشتقت الأجندات الأمنية القومية لحلفائها بينما أستثنيت وأستبعدت الأجندة البيئية لتنافرها مع المصالح الأقتصادية والسياسية قصيرة المدى لكل من هذه الدول عامة وخاصة. وهكذا تحولت القضايا البيئية في السنوات العشر الأخيرة الى محور جدال ومواجة بين الأجندات السياسية البيئية والقومية على المستويين العالمي والمحلي.

أود في البداية أستعراض الخطاب البيئي عامة حيث لا يمكنني التطرق للحقوق البيئية للأقلية الفلسطينية دون التطرق الى الخطاب البيئي على مراحله ومركباته، ومن ثم سأتطرق الى حقوق الأقلية الفلسطينية كحقوق بيئية في سياق خطاب بيئي عالمي وأجندات حقوقية وبيئية محلية وعالمية.

تحولات في الخطاب البيئي العالمي:لقد طرأ في العقدين الأخيرين تغيير نوعي على الخطاب البيئي العالمي. ويتميز هذا التغيير بالأنتقال من خطاب بيئي ليبرالي الى خطاب العدل البيئي. ويتميز الخطاب البيئي عامة بثلاث مستويات، أولها خطاب المحافظة على الطبيعة وقد ظهر هذا الخطاب بداية في صفوف الطبقة البرجوازية البريطانية في بداية القرن العشرين كمحصلة أنخفاض نوعي في تعداد عدد من الحيوانات كبيرة الحجم التي أستهدفت في رياضة الصيد. تميز هذا الخطاب بضرورة المحافظة على الطبيعة وعلى الحيوانات من خطر الأنقراض وتوسع ليشمل الأهتمام بالتنوع البيولوجي ويشتق منه تنوع الشيفرا الوراثية للكائنات الحية على الكرة الأرضية عامة. ومن هنا تطورت نظم حماية الكائنات الحية ونماذج المحميات الطبيعية على اشكالها الا انه فعلياً عجزت هذه عن حماية الطبيعة وما فيها، فالكثير منها لصغر حجمها شبهت بمحميات الأصيص، والكبيرة منها بالرغم من حدودها الجغرافية ألا انها وأن نجحت بصعوبة بحماية الطبيعة ومن فيها من تلوثات كيماوية للأرض الهواء والماء، الا انها لم تستطيع عزلهم عن تغييرات اقليمية وعالمية تعدت التلوثات الموضعية للمكان.

في سنوات السبعين بدأ الانتقال من خطاب "المحافظة على الطبيعة" الى خطاب "المحافظة على البيئة"، حيث شمل هذا الخطاب الأنسان وبيئته الحياتية، ومن أبرز مقومات هذا الخطاب هو الامتناع عن تلويث البيئة ومواردها الطبيعية، الأمتناع عن تلويث الهواء، تلويث الماء وتلويث الأرض، حيث ان كافة ما يحل بها من آفات يعود بالضرر على الأنسان وصحته. في هذه الفترة اهتمت كافة دول الرفاه بالمحافظة على البيئة من منطلق المحافظة على جودة حياة مواطنيها، الا انها غفلت عن ما بات يسمى "الساحة الخلفية" حيث عادة ما تلقى بها، بعيداً عن أعين الناظرين، كافة المكاره والآفات غير المرغوب بها. وعملياً قامت هذه الدول بنقل ما نتج عنها من مكاره بيئية الى مناطق نائية داخل حدود الدولة او خارجها، الى دول العالم الفقير والى البلدات والمناطق المستضعفة داخل الدولة ذاتها، حيث باتت تلقب تهكماً بالساحة الخلفية. ومن أبرز ما نعت به هذا الخطاب هو: Not In My Back Yard وهو ما بات يعرف بال NIMBY حيث يحاول كل من الأطراف المحافظة على ساحته الخلفية نقية بينما يقوم بالقاء مكارهه في ساحات الأخرين.

لقد وصل الخطاب البيئي اللبيرالي ذروته في سنوات الثمانين وأبرز قضاياه البيئية في ذلك الحين هو تلوث الهواء وثقب الأوزون وقد ولدت هذه القضايا أجماع عالمي على ان القضايا البيئية لا تقف عند الحدود الجغرافية ولا تعرف الحدود السياسية ومن هنا ضرورة العمل الجماعي ورصد الجهود من أجل "أنقاذ البيئة" من الدمار الناجم عن النشاط البشري بكافة انحاء الكرة الارضية.

بعد قضية الأوزون، برزت قضية الأحتباس الحراري وما نتج عنها من قضايا تصحر، جفاف وتغييرات مناخ. ألا انه خلافا لقضية الأوزون لم تنجح هذة القضايا بحشد القوى العالمية وتوحيدها انما سببت خلافات سياسية وحقوقية ومنها ما بات يعرف بنزاعات بيئية بين دول الجنوب ودول الشمال. ونزاعات بيئية طبقية وقد حلت على الكثير منها صبغات أثنية وصبغات قومية ليتطور منها ما بات يعرف بخطاب "العدل البيئي" ويشمل هذا الخطاب الحقوق البيئية للأقليات والحقوق البيئية للجماعات الأصلانية، وكذلك أصوات ناقدة للتوجهات البيئية العنصرية وغيرها.
ليس لهذا السرد أن يحد من ظهور بوادر أي من هذه الخطابات في أي مرحلة من المراحل، أو أن يلغي أستمرار وجود أي منها انما الهدف منه وضع هيكلية لوضعية عامة تمكننا من صياغة مكانة الأقلية الفلسطينية في أسرائيل في هذا السياق.

المكانة البيئية للاقلية الفلسطينية في اسرائيل:في أحسن الأحوال قد يهيئ للبعض انه على مدار السنوات تخاذلت الأقلية الفلسطينية من التعاطي مع القضايا البيئية لثانويتها في سلم أولوياتها السياسية وعلى رأسها المساواة ومناهضة الأحتلال. وفي أسوأ الحالات تتعالى أصوات التوبيخ ويتم تشخيص حالة من النفور والأنسلاخ عن المكان يتم الترويج لها بواسطة الأعلام الذي يعزز مقومات هذا التشخيص في الخطاب العام من خلال الأستعانة بخبراء واكاديميين من شتى المجالات. ألا أن ما يغفل عنه هؤلاء الخبراء وما يتجاهله الجمهور عامة والأقلية الفلسطينية خاصة هو اولاً العلاقة الحتمية بين الأقلية الفلسطينية والمكان. فمثل أي جماعة أصلانية فان تعاملها التقليدي مع البيئة يشتق من نمط حياة تكافلي مع المكان، أما نمط حياتها العصري فيصاغ في سياق الدولة العصرية وما توفره للمواطن من أطر لتلبية أحتياجاته وتوفير الخدمات.
ثانياً يتجاهل الخبراء والجمهور عامة ما قامت به الدولة منذ نشأتها بقصد وبدون قصد من تجنيد لآليات بيئية بهدف السيطرة على المكان، بالأضافة الى تذويت مفاهيم القمع للثقافة الأصلانية على مقوماتها البيئية بواسطة الخطابات البيئية المستحدثة، خطاب "المحافظة على الطبيعة" وخطاب "المحافظة على البيئة".

منذ حلول النكبة عام 1948 حتى العام 1966 عاشت الأقلية الفلسطينية تحت الحكم العسكري، الذي حد من حرية الحركة ومنع التواصل المباشر مع الأرض ومع المكان. مع بداية الخمسينات بدأت الدولة بتطوير منظومة المحميات الطبيعية، بداية اقيمت مؤسسة حماية الطبيعة التي تأسست عام 1952 حيث عملت بمنظومة جمعية عثمانية وكان لها الدور الأول في دفع الحركة البيئية في البلاد قدما، وما زالت هذه المؤسسة تعمل حتى اليوم .
لقد شهدت سنوات الخمسينات والستينات تطوير منظمومة المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية التي شيدت بغالبيتها على أنقاض القرى الفلسطينية المهجرة حيث منع سكانها من العودة اليها، وفي عام 1964 تم تأسيس سلطة حماية الطبيعة لأدارة المحميات الطبيعية والحفاظ عليها بما فيها من حيوان ونبات. ومن أبرز المحميات في البلاد هي محمية الحولة، والتي شيدت على انقاض قرية الحولة وقد تم ضمها في العام 1967 الى قائمة الامم المتحدة للمحميات والحدائق الوطنية وتعتبر واحدة من أهم المناطق للحفاظ عليها في العالم.

من بين التشريعات البيئية التي سنتها الدولة حديثة العهد هي قانون حماية النبات عام 1956 وبموجبه منع الفلسطينين أهل البلاد من جمع الزعتر والمريمية والعكوب وغيرها من نباتات أعتمدها السكان في غذائهم اليومي قبل ذلك. اما بالنسبة لقانون حماية الغابات والتشجير فهو قانون عثماني يعود تاريخه الى العام 1926، وحسبه قام العثمانيون بتقليم الغابات وتشجير بعض المناطق بأشجار البلوط بما تناسب مع طبيعة الأشجار في المنطقة وقد تابعت الدولة الصهيونية هذا النهج بل وكثفت عمليات التشجير الا انها عابثة بالطبيعة أختارت زراعة الأشجار الأبرية كالصنوبر والسرو التي تميز المناطق الأوروبية الباردة وأبتعدت عن المشهد المحلي لمنطقة حوض المتوسط، كذلك أستعملت التشجير كأداة للسيطرة على الأرض فتم تشجير المناطق العامة والمناطق المحاذية للقرى العربية، ولقد حد هذا من توسيع مناطق نفوذ هذه القرى حيث تضاربت المصالح الخضراء مع مصالح السكان وحاجاتهم الحياتية. وبينما تعاني كافة دول العالم من ازمة تناقص الأشجار، تفاخر أسرائيل بكونها الدولة الوحيدة في العالم التي تحفاظ على توازن ايجابي للأشجار، ويتم هذا المشروع بدعم ما يعرف بالصندوق القومي لاسرائيل، ويشارك فيه سنويا مئات اليهود المتطوعين الذين يقدمون من الخارج خصيصاً لزرع الاشجار.

مع حلول النكبة نزح سكان المدن بغالبيتهم، وتميز من بقي من فلسطينيين بكونهم فلاحين ومزارعين سلبت اراضيهم وانتزعت ملكيتهم عليها، ومن نجح في حفظ بعض الأرض بات يواجه السياسات العنصرية التي قلصت نوعية المحاصيل المسموح للفلسطينيين زراعتها وحددت حصص المياه المكرسة للزراعة والري، حيث قامت الدولة بالسيطرة على موارد المياه ومنعت حفر الأبار أو جمع المياه، ودأبت على تطوير مشروع المياه القطري الذي أنتهت عملية بنائه عام 1964 ومن خلاله تقوم شركة حكومية بضخ المياه وتوزيعها على كافة المناطق في الدولة.

وكما عانى الفلاحون والمزارعون من السياسات العنصرية، لم يسلم منها كل من أرتزق من تربية الماشية والقطعان، فقد قامت الدولة بتسييج المناطق الوعرة والمفتوحة بحجة تنسيق أدارتها ومنع تراجيدية الملك العام (Tragedy of the Commons). وقد فرضت على كل من أمتلك الماشية أو قطيع من الغنم بالحصول على تأشيرة وزارة الصحة لضمان صحة الجمهور ومنع انتشار الأمراض، وفقط بعض الحصول على التأشير المفروضة بالأضافة الى التسجيل الرسمي للقطيع يحق للمواطن التقدم بطلب الدخول الى مساحة من الأرض ليرعى بها ماشيته، وطبعا لم يخل الامر من الضرائب المفروضة على فئة معينة من السكان والمعفية منها فئات أخرى، كما ولم تخل الدوائر البيروقراطية من التمييز الممنهج مما أثقل على كاهل هذه الفئة من الفلسطينيين وانتزع منهم استقلاليتهم الأقتصادية وقدراتهم الذاتية للأنتاج.

الحقوق البيئية في النقب:في عام 1990 تم أنشاء الشرطة الخضراء وقد عرفت بالسنوات العشر الأولى لعملها بالوحدة الخضراء (הסיירת הירוקה). وتعتبر الشرطة الخضراء الذراع المراقب والضابط للقوانين الخضراء ومن مهامها منع خرق القوانين البيئية والمحافظة عليها، ومن سخرية القدر ان تحولت هذه الشرطة الى ملاحقة فلسطينيي النقب. وتعتبر الدولة النقب أكبر محمية طبيعية في البلاد متجاهلة بذلك وجود ما يزيد عن 70,000 مواطن فلسطيني يسكنون النقب في قرى ترفض الدولة الاعتراف بها وبوجودها. وتحدث المواجهات مع المواطنين في النقب عند قيامهم بأعادة بناء بيوتهم التي تتعرض الى الهدم من حين الى آخر، بالأضافة الى قيام سلطات الدولة الخضراء برش اراضيهم الزراعية هوائياً بمبيدات كيماوية متجاهلة أن الأضرار البيئية والبشرية التي تنتجها عقب ذلك تفوق بأضعاف الأضرار التي تدعي حصولها واتهام الفلسطينين بها.

ويعاني سكان النقب كغالبية السكان الفلسطينيين في الداخل من خرق حقوقهم في المسكن والتخطيط حيث تفتقد غالبية القرى والمدن العربية الى خارطة هيكلية يتم العمل والبناء بموجبها مما يؤدي الى أنتشار ظاهرة هدم البيوت في كافة المناطق الفلسطينية والى أرتفاع في نسب حوادث الطرق والحوادث البيتية في المجتمع الفلسطيني الذي يفتقر الى تخطيط بيئي ملائم وأمن. بالأضافة الى ذلك تفتقد المناطق العربية كافة الى مناطق صناعية، فتكون المنطقة الصناعية على مقربة من المناطق السكنية الفلسطينية لتزود الأيدي العاملة الزهيدة الى انها تتبع الى سلطات محلية يهودية وبهذا تتلقى السلطات اليهودية الضرائب الناجمة عن عمل هذه المناطق بينما يتلقى السكان الفلسطينيين الملوثات والأفات البيئية الناتجة عنها. ولا يخلو الامر من نشاط للكسارات ولمكبات النفايات ومنها ما يعمل وفق القانون ومنها ما يعمل بقرصنة المكان، ويصعب على الشرطة الخضراء ملاحقتهم وفرض العقوبات الملائمة للحد من الظاهرة. اما بالنسبة لمفاعل تكرير المياه العادمة فتمنع السلطات العربية من أنشاء اي منها وتقوم هذه السلطات بالتفاوض مع السلطات اليهودية المجاورة لتلقي هذه المياه وتقوم هذه بدورها بتكرير المياه واعادة أستعمالها أو بيعها للسلطات العربية التي تعجز عن امتلاك وأدارة أي من هذه المفاعل.

ومن جملة ما تفتقد اليه المناطق العربية من حاجات بيئية غياب الحدائق العامة التي لها الدور الكبير في الترفيه عن النفس وفي عملية تنشئة وتطوير الطفل. وقد اعتاد بعض ذوي الأطفال أسطحابهم الى الحدائق العامة في المناطق اليهودية المجاورة وبات الكثير يمتنع عن ذلك حيث يضطر بعضهم منذ نعومة أظافره الى مواجة التوجهات العنصرية والافكار النمطية الموجه ضده. بالأضافة الى ذلك تمت في السنوات الأخيرة خصخصة بعض هذه الحدائق وفرضت رسوم الدخول الباهظة على الغرباء بينما تلقى سكان البلدة الاعفاء من هذه الرسوم.

وبينما تعتبر الازمة البيئية عالميا أزمة نقص في الأرض وفي الموارد البيئية نتيجة لحضارة الأستهلاك الجامحة، تواصل الدولة الأستيطان والتوسع في النقب والجليل فتقوم ببناء البيوت الملازمة للأرض في الجليل وتشجع المزارع الفردية في النقب، ولا يخلو هذا التطوير الجارف للدولة من عمليات سمسرة الأرض بين الشرقيين والكيبوتسات حيث طالما سيطرت الأخيرة على مجمل الأراضي الزراعية في الدولة وفي ظل تسارع عمليات الخصخصة، وجد الشرقيون انفسهم بعيدين عن غنائم الدولة، حيث ان غالبيتهم العظمى أسكنو في قرى التطوير التي لم تنال من الأرض ومن ثقة الدولة ما نالته الكيبوتسات.

غياب المدينة:تعتبر المدينة من المنظومات البيئية الأكثر نجاعة لتوفير الخدمات والأجابة على حاجات عدد كبير من السكان، وكما فقد الفلسطينين في الداخل الريف كذلك فقدوا المدينة. فالمدينة الوحيدة التي بقيت بعد النكبة كانت الناصرة وقد كانت في بداية القرن السابق أخر المدن الفلسطينية في مسار التمدن (Urbanization) ومع حلول النكبة أستوعبت الناصرة من لاجئين ما يزيد أضعافاً عن عدد سكانها وتحولت احيائها الى شبه مخيمات من حيث الكثافة السكانية ومنظومة البناء. رويداً رويداً دخلت الناصرة في مسار عكسي لمسار التمدن الذي كانت به (Deurbanization) وقد وصل هذا التراجع اوجه في سنوات التسعين حيث ان خروج العديد من المؤسسات الرسمية من المدينة بهذه السنوات وعمليات الترميم طويلة الأمد للسوق قلب الناصرة النابض في حينه أفقدت الناصرة مكانتها كمركز ثقافي وتجاري للفلسطينيين في الداخل كما وحل تراجع بمركزها السياسي وبرزت مدن اخرى كسخنين وأم الفحم، الا ان أي من هذه المدن لا تعطي المواطن الفلسطيني أي من الخدمات ولا تتجاوب مع أي من الاحتياجات التي يحتاجها المواطن من المدينة.
وتشهد المدن الفلسطينية والمناطق الفلسطينية في الداخل عامة في السنوات العشر الأخيرة نقلة نوعية في أنماطها اليومية حيث تظهر بوادر المبادرات التجارية والثقافية المحلية، غير ان هذه المبادرات لا تكفي ولا بد من برامج وخطط تنمية وتطوير ممنهجة للنهوض بالمدن الفلسطينية في الداخل، ناهيك عن الذكر ان ذلك سيعود بالفائدة التجارية الثقافية والسياسية على السكان عامة وعلى النساء الفلسطينيات خاصة حيث ستزداد امكانية توفر اماكن عمل ومراكز ثقافية وسياسية ملائمة ومناسبة لاحتياجاتهن.

وبينما تعتبر الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ من أصعب الازمات والتحديات البيئية التي قد تواجهها السلطات المحلية وسلطات الدولة حيث تحتاج الى توفير العلاج السريع لعدد كبير من السكان بالأضافة الى ضرورة اخلاءهم من مكان الخطر بأسرع وقت، تفتقد كافة المناطق الفلسطينية الى خدمات الطوارئ حيث تخلو جميعها من المستشفيات عدا الناصرة.

وان نظرنا الى المشاركة في مسيرة التخطيط والشفافية خلال عملية اتخاذ القرارات فهي حق من الحقوق البيئية للسكان. ويفتقد السكان الفلسطينيين لهذين الحقين حيث غالباً ما تتم عملية أستثنائهم والمممثلين عنهم عن لجان التخطيط المهنية، بالأضافة الى ذلك تفتقر هذه اللجان الى كل ما يختص بالشفافية حيث أن جزء كبير من المناطق في الدولة تعتبر مناطق عسكرية والتخطيط لها يتم بسرية تامة ولا يمكن الاطلاع على تفاصيلها او متابعة أبعادها ومخاطرها البيئية.

وأخيرا حق المحافظة على الموروث الثقافي البيئي، فأن سلب الفلسطينيين حقوقهم البيئية بواسطة القوانين والاليات البيئية المتبعة من قبل الدولة التي ما سأمت تجاهل الوجود الفلسطيني يسلبهم حقهم في المحافظة على موروثهم الثقافي البيئي في التواصل مع الأرض والمكان، وتشدد الحركات البيئية العالمية اليوم على أهمية هذا الحق حيث تكمن به أمكانيات تواصل مغايرة لتلك المهيمنة التي أدت الى أستنزاف الكرة الأرضية من مواردها ومن قدراتها على تحمل عبء أثر القدم البشرية.

من هنا نرى ان مكانة الاقلية الفلسطينية في أسرائيل وقضاياها المركزية تقع في لب الخطاب البيئي. تجاهل هذة العلاقة الحتمية عمداً او سهواً فيه أجحاف للأقلية الفلسطينية أولاً ولتركيبة قضاياها الوجودية ثانياً. الكثير من الفلسطينين ما زال يمارس ويحافظ على تواصله المباشر مع المكان الأبتعاد عن ما سُمي ويسمى بالقضايا البيئية ما هو الا تضليل سياسي يتم به أقصاء الفلسطينين عن الساحة السياسية التي باتت القضايا البيئية على أبعادها التجارية الاقتصادية والسياسية تشكل القسم الأكبر منها.

يشكل طرح القضايا الفلسطينية في سياق الخطاب البيئي محلياً وعالمياً ووضعها على سلم أولويات الأجندات البيئية ما هو الا تحدي لكل من يحاول الأبتعاد عن الواقع السياسي للمكان وكسر علاقة التواصل الطبيعي بين الفلسطيني والمكان فيحول القضايا البيئية الى ترف وما هي الا قضايا وجودية جوهرية تشتق من العلاقة القصرية مع المكان.

© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي – ناشطة نسوية، محاضرة ومستشارة في مجالي التنمية المستدامة والجندر.