‏إظهار الرسائل ذات التسميات خدمة مدنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خدمة مدنية. إظهار كافة الرسائل

"انا ما ببيع..." - ضبابية الخطاب القومي في الداخل وخطورته على الشباب الوطني


تحت عنوان "نرفض خدمة جيشكم.. نتجند لشعبنا" انطلقت منذ اسبوعين تقريبا حملة اتحاد الشباب الوطني الديمقراطي لمناهضة تجنيد فلسطيني الداخل للجيش الأسرائيلي وللخدمة المدنية.  وهذة الحملة على اهميتها وضرورتها الا انها اثارت لدي بعض التحفظات التي لا بد من تدوينها.

اولا اود ان احيي القائمين على هذة الحملة وعلى روح المبادرة والطاقات الشبابية وعلى الالتزام بالقضايا الوطنية وعلى رأسها قضية التجنيد والخدمة المدنية التي تستهدف فئة الشباب بالذات. ثانيا ليس ما سيأتي من تحفظات او من نقض للطعن في مصداقية الحملة او في حسن نوايا القائمين عليها انما لفتح باب النقاش حول المضامين والرسائل المباشرة والغير مباشرة للحملة مما سيؤدي حتماً، كأي نقاش موضوعي، الى تطوير الأفكار والحراك الوطني الشبابي والسياسي والعام.

طبعا الجملة التي استوقفتني هي جملة: "انا ما ببيع..." وان دل هذا على شيئ فانه يدل على خيار جيد لجملة افتتاحية او لشعار لحملة اعلانية، لكن للأسف لم تستوقفني هذة الجملة استحباباً انما تحفظاً لما تحويه من "انتماء"، قد يقول البعض، أو "تعصُّب"، "انغلاق" و "ولاء جماعي جارف"، قد يقول آخرون، وهم وجهين لعملة واحدة.

قد يقول البعض انها مجرد حملة، وبمجرد الحديث عنها ونقاشها فهذا يدل على نجاحها، لكني لست بصدد تقييم نجاح او فشل الحملة من حيث عدد المتحدثين فيها فهذا معيار يصح للأعلانات التجارية، اما بالنسبة للحملات الاجتماعية او السياسية فلا بد أن تُقيم بحسب الافكار التي تستنبِطُها الحملة في أذهان القارئين وبحسب القيم والافكار التي تزرعها في رؤس اليافعين منهم. وبما أن الحملة شبابية وتستهدف الشباب المتحمس فلا بد من التعامل بحذر وبمسؤولية مع الأفكار والرسائل المباشرة والمبطنة التي نزرعها في رؤوس هذة الفئة الواعدة من المجتمع.

الجُمل "انا ما ببيع ثقافتي"، "انا ما ببيع تاريخي"، "انا ما ببيع شعبي"، "احنا ما منبيع لغتنا"، "احنا ما منبيع قوميتنا"، "احنا ما منبيع بلدنا"، "انا ما ببيع ضميري"، كلها تستحضر في ذِهن القارئ المحلي جمل مشابهة متداولة وشائعة وهي "انا ما ببيع ديني"، "انا ما ببيع امي"، "ما ببيع ابي"، "ما ببيع اخي"، "ما ببيع عائلتي، صديقي، رفيقي، ابن عمي" والخ، ونعلم جميعا أن جمل كهذة تُنتهي عادة ب "حتى لو..." فلا بد أن نسأل حتى لو ماذا؟ ولماذا تقتصر الحملة على الولاء بينما تهمل حدود هذا الولاء؟ وهل هناك خطوط حمراء اصلاً لهذا الولاء ام انه غير محدود؟!

بالاضافة الى الانتماء والولاء الجماعي الغير محدود (فالجماعة كما يبدو فوق كل شيئ) لا بد من الوقوف على القيم المبهمة التي تروج لها هذة الحملة، فماذا لو جاءت هذة الجمل على لسان اشخاص غير فلسطينيين كيف ستقع على آذاننا وكيف سنتعامل معها؟

ماذا لو سمعنا فرنسي يقول، انا ما ببيع بلدي... حتى لو كلفني ذلك اغراق عشرات السفن ومئات اللاجئين في عرض البحر!
ماذا لو سمعنا امريكي يقول، انا ما ببيع ثقافتي (ثقافة الماكدونالد وثقافة تلويث العالم وثقافة الأستهلاك بدون حساب)... حتى لو كلفني ذلك دمار العالم!  
ماذا لو سمعنا الماني يقول، انا ما ببيع قوميتي... حتى لو أضطرني ذلك طرد كل من هو ليس الماني خارج البلاد؟

وماذا لو سمعنا اسرائيلي يقول، انا ما ببيع شعبي\دولتي\ديني\ما وعدني به الرب من مقدسات... حتى لو...أضطررت الى قتل كافة الفلسطينيين مثلاً؟؟؟!!!
ألا يشغل بالك عزيزي القارئ "حتى لو ماذا"؟ وماذا تتوقع؟ هل تتوقع من الاسرائيلي أن "يبيع"؟؟ هل تتوقع من الاسرائيلي ولاء أعمى للجماعة والمقدسات الأسرائيلية ام تتوقع منه أمرٌ أخر؟ وهل لك الحق ان تتوقع منه أمر أخر؟ وإن اساء الخيار ووقع هو في الخطاء فهل تحذو خلفه؟؟ وكيف ستتعامل عزيزي القارئ مع الفلسطينيين إن كنت انت اسرائيلياً؟ هل ستحافظ على دولتك وشعبك ودينك ومقدساتك حتى لو...؟ حتى لو ماذا؟؟؟

لماذا يصح لنا ما لا يصح للأسرائيلي وللفرنسي والأمريكي والايطالي؟ لماذا نحرم على الاخرين ونحلل لأنفسنا؟؟ ما هي القيم التي لن تتنازل عنها عزيزي القارئ بأي ثمن؟ ما هي القيم التي تتوقع من الفرنسي او الأمريكي او الإسرائيلي أن لا يتنازل عنها باي ثمن؟ ما هي القيم التي تتبعها وتحدد مسارك وخيارك السياسي وفقا لها؟ هل هي قيم تصح لكل البشر ام انها قيم خاصة بالشعب الفلسطيني وبما حَللَ وحَرَمَ لذاته؟ للأسف الشديد ان هذة الحملة لا تنشغل باي من هذة الأمور، كما ولا تريد لك ان تنشغل بها، فكأنها تقول "خلي بالك فاضي، المهم ما تبيع".

وطبعاً شتان ما بين الهوية والإنتماء لجماعة معينة كخيار سياسي وبين الهوية والإنتماء كقيمة "مقدسة" قائمة بحد ذاتها (ما بتنشرى وما بتنباع). فمن الفرضيات العقلانية الأساسية في السياسة هي عدم وجود "مقدسات"، فالمقدسات او القيم المقدسة تُحفظ من خلال الدستور وهي ليست خيار شخصي لهذا او ذاك انما هي قيمة اساسية "مقدسة" مفروضة على الجميع او تحق للجميع ولا يمكن لاي مسار او خيار سياسي المس او التداول بها. وهنا لا بد من التدقيق ومن التمييز بين الهوية والإنتماء كحق عام لكل انسان، وبين الهوية والأنتماء لجماعة بذاتها كخيار سياسي يعتمد على الحق وليس العكس. فالخيار السياسي يعتمد على الحق لكن الحق لا يُشتق منه. الا أن الحديث عن الإنتماء الى ثقافة ولغة وتاريخ وقومية وبلد بعينها كأمر "مقدس" (ما بنشرى وما بنباع) يُبطل الفرضية الأساسية في السياسة (وهي عدم وجود تابوهات\مقدسات) ويفرغها من عقلانيتها ويحول المقدس الى دنس والدنس الى مقدس، فتتحول الثقافة والجماعة الى "مقدسة" بينما يترك الحق (في الإنتماء او اللا إنتماء) ويتحول الى امر مفهوم ضمناً مفروغ منه ومفروض على الجميع بدون اي حق في اي خيار.

بالإضافة لا بد من الوقوف على أن التعامل مع اللغة والثقافة والتاريخ والقومية والبلد كأمور "مقدسة" او كقيم قائمة بحد ذاتها يتنافى ويتناقض مع طبيعة وجوهر هذة الأمور فهي كلها امور مرنة، متغيرة، ديناميكية حية وموجودة في مسار تجدد دائم ومستمر. فاللغة الفرنسية كما العربية وغيرها ليست ما كانت عليه قبل 500 عام، كذلك الهويات الجماعية والرويات التاريخية والدول والبلدان اي منها ليس ما كان عليه منذ مدة، وليس اي منها "مقدس" او ثابت، كلها "حية" (غير الآهية) وبطبيعتها دائمة التغيير، وكطبيعة الحياة فهذة الأمور ليست محصورة او معزولة عن مؤثرات بفعل الزمان او المكان، وكباقي الثقافات واللغات والقوميات والروايات التاريخية فهي "متأثرة من" و"تُأثر على" فكيف نُعلن ولاء صارم بحت وصلب الى أمور "حية" بطبيعتها ودائمة التغير والتجدد؟!

طبعا هذة الحملة موجهة لفئة الشباب، لكن للاسف الشديد بأعتقادي أنها تسيئ اليهم والى المجتمع عامة اكثر من اي امر أخر. فبواسطة جملة "انا ماببيع..." يُختزل الخطاب السياسي مع شريحة الشباب ويُحصر في ثنائية الولاء والخيانة وبهذا يُطالب الشباب الفلسطيني بالداخل بإعلان الولاء لمقدسات "دنسة" (وربما إشتُقت هذة القداسة من قداسة الخصم الاسرائيلي لثقافته وهويته وقوميته، وربما اشتق الولاء من مطالبتنا بالولاء للدولة فنرد باعلان الولاء لمُقدسٍ أخر). اما ثنائية الولاء والخيانة فهي (كثنائية الجنة والنار) تشل التفكير المستقل لدى الشباب وتحد من "ملعبهم السياسي"، ومن قدرتهم على تحدي ومواجهة القيم والمبادئ السياسية التي يتخذونها ومن قدرتهم على تطوير طرح وخطاب سياسي متين.

طبعا لا اقلل من أهمية الهوية والأنتماء وبالاخص اننا نعاني من اضطهاد على خلفية أنتمائنا القومي (وقد كتبت في هذا سابقاً)، لكن شتان ما بين الوعي السياسي لدور الهوية والأنتماء وبين التعصب والإنغلاق والولاء الجماعي المتجسدين بجملة "انا ما ببيع..". فماذا إن تطورت الجماعة الى ما لا تهوى والى ما لا يرضي ضميرك؟ لاء طبعاً "انا ببيع". وبكلمات اخرى غير مبطنة بالتخوين "اتنازل"، طبعاً أتنازل. أكيد ولا شك فيه أنني سأتنازل عن الجماعة التي لا يتماشى نهجها مع قيمي ومعايري واخلاقي وضميري. سأتنازل عن عائلة تتنازل عني وسأحفظ عائلة تحفظني، سأتنازل عن كنيسة لعنت البشر وسأحترم كنيسة تحترم روح الله الموجودة فيهم، سأتنازل عن ثقافة لا تحترم النساء وسأحفظ منها ما يحفظ إحترامي وكرامتي، سأتنازل عن قوم ضلوا طريقهم وسأساند أخرون في مسار نضالهم نحو الحرية.

وبين اختزال الخطاب السياسي والترويج للعصبية الجماعية يبقى للشباب الذي استهدفته الحملة ان يبحث بذاته وبقواه الشخصية عن المعايير والقيم التي سيتبعها (وقد يجدها هنا او هناك)، ففي صراع القوة الفارغ الذي انزلقت اليه الحملة بين "ببيع.. وما ببيع.." بقي الشباب الوطني، المهدد بالتخوين الدائم، هائم على وجهه كالجندي مطالب بأدنى مستويات المشاركة السياسية، الا وهي الولاء الجماعي والانصياع لمن شابهوا "شيوخ الوطنية" وشابهت معاييرهم "فتاويهم" بضبابيتها وبفراغها وبقابليتها للتأويل الى هنا وهناك بحسب اهواء ومصالح رب الجماعة.


اذا كانت هذة هي الوطنية فانا لست وطنياً - في ظل اجواء الطائفية في الناصرة المطلوب قيادة تصنع البديل


الانتخابات المحلية في الناصرة هذة السنة أختلفت بشكل واضح عن كل ما سبقها من انتخابات. فخلافا لما سبقها ساد الحملة الانتخابية على مدار ما يقارب الشهرين شعور عام بنزوح الطائفية عن البلد. فمع نهاية التسعينات وبداية الالفية خيمت اجواء طائفية حادة في البلد. سياسياً خدمت هذة الأجواء الحركة الاسلامية في البداية وعادت بالفائدة على جبهة الناصرة (شيوعيون واخرون) فيما بعد حيث ضمنت الجبهة لسنوات عدة اصوات المسيحيين في البلد. خلال العقد الأول من الالفية تراجعت قوة الحركة الاسلامية لأسباب لن اخوضها كما وظهر التيار القومي متمثل بحزب التجمع وحاول دخول الساحة السياسية الا انه لم يحرز انجازا باهرا في الموضوع.

الى جانب اضمحلال الطرح الطائفي في هذة الانتخابات ظهرت بوادر أخرى تسر القلب ومنها ترشح أمرأة لكرسي رئاسة البلدية وهي حنين زعبي مندوبة القائمة الاهلية المتماثلة مع التيار القومي. بالأضافة الى امور اخرى من انشقاقات في الجبهة ومنها ظهور المجموعة الشبابية النشطة "حركة شباب التغيير" والانشقاق الأكبر وهو خروج علي السلام من تحالفه مع الجبهة تحالف دام ما يقارب العشرين سنة، وترشحه للرئاسة كمرشح مستقل مع قائمة مرشحين للعضوية تحمل اسم "ناصرتي".  

لقد كان من المثير بل من الممتع ان الحملة الأنتخابية في الناصرة هذا العام اثارت مواضيع سياسية ونسوية ونصراوية محلية وعامة لم يكن لها مكان في الساحة السياسية من قبل. ومنها النسوية والسياسية المحلية، وسوق الناصرة واقتصادها وازمة السير فيها وعلاقتها مع مرافق تجارية محاذية ومواضيع أخرى.

حتى اللحظة الأخيرة تأرجحت نتائج الانتخابات وما زالت بين على السلام المرشح المستقل المنشق عن الجبهة، وبين رامز جرايسي مرشح الجبهة ورئيس البلدية السابق منذ منتصف التسعينات حتى الان، بفارق 21 صوت تقريبا في المساء كانت لصالح الجبهة وفي الصباح ظهرت لصالح على السلام مما ادى بالجبهة بالبحث عن والسعي وراء كل صوت والتدقيق بالأصوات التي تم الغائها وشرعية الأسباب التي ادت لذلك وطبعاً اللجؤ الى القضاء في هذة الأمور بما فيها البحث والأصرار على اصوات المجندين من ابناء الناصرة.

أصوات الجنود، الطرح الديمقراطي والخطاب الوطني
السعي وراء اصوات المجندين أحرج الجبهة بشكل كبير وذلك لخروجها عن الاجماع الوطني حول قضية التجنيد والخدمة المدنية. لكنه ايضاً فتح سؤال كثير كبير وهو حول الموقف الديمقراطي من حق هؤلاء بالمشاركة بالانتخابات وشرعية اصواتهم وقد طغى على هذا النقاش خطاب "الوطنية والخيانة" وتجاهل جوانب أخرى للموضوع قد تكون جذرية ومبدائية اكثر من فضفاضية الوطنية والخيانة. فالمجتمع لا يخلوا من الكثير من الناس اللغير صالحة والغير كُفء للمشاركة في الانتخابات وعلى راسهن العملاء الموجودين بثياب مدنية والفاسدين اخلاقياً والمتحرشين والمعتدين جنسياً على النساء والأطفال وجرائم كلها لا تقل خطورة عن جريمة الالتحاق بجيش الأحتلال. فما هو المعيار الذي نعتمده عندما نسلب من هذا او ذاك شرعية الحقوق.

نظرة نسوية على خطاب "الخاين والوطني" في سياق النقاش حول اصوات الجنود
حث الجبهة التخلي عن سعيها وراء اصوات الجنود ما هو الا قرار ميداني شعبي بما يخص حق من الحقوق الأساسية لهولاء كافراد في المجتمع. فخطاب "الخاين والوطني" كخطاب "العيب والحرام" هم اليات اجتماعية يستعملها المجتمع لضبط افراده وللمحافظة على قوانينه اللتي لا تكفلها مجموعة القوانين الرسمية في الدولة. بواسطة آليه "العيب والحرام" حافظ المجتمع الفلسطيني على انضباط نسائه وعلى تحديد حريتهم مقارنة مع مساحة الحرية اللتي تمنحهن اياها القوانين الرسمية. وكلنا يعلم ان  الكثير من النساء اللتي لم تحافظ على هذة القوانين الاجتماعية نفذت فيها محاكم ميدانية تعرف باسم "جرائم الشرف".

منذ شهر او اقل تقريبا خرجت النسويات في الداخل على كافة قياداتها النسوية على مختلف اطيافها متكاثفات مع رجال داعمين من كل الاحزاب وعلى رأسهم قيادات هذة الاحزاب لمناهضة هذة المحاكم الميدانية وهذة الجرائم المرتكبة بحق النساء، مطالبات السلطات الرسمية بأخذ المسؤولية وفرض اطار القانون والاحكام الرسمية في هذة القضايا.

آلية "الخاين والوطني" هي ألية اجتماعيا مطابقة لآلية "العيب والحرام" وتعمل بطرق مشابهة. في اشياء بتنعملش وفي اشياء اللي هي "عيب" وفي اشياء اللي هي "حرام". لكن من يحدد ما هي الثوابت هذة التي تحث عليها هذة الأليات؟! وكيف يقوم المجتمع بالتعامل مع هذة الثوابت ومع خروقاتها؟! من يصدر الأحكام ومن ينفذها؟ هل نريد ان نحتكم لمحاكم ميدانية؟! فبعدم وجود اطار رسمي شامل وجامع للمجتمع الفلسطيني في الداخل يبقى اطار الثوابت الوطنية-الاجتماعية اطار فضفاض يسرح ويمرح به كل من يشاء.

لكي نحافظ على ثوابتنا الوطنية نحن بحاجة لاطار شامل وجامع. ومن المفروض انه "لجنة المتابعة" او ما شابهها أن تأخذ وظائف وادوار تمثيلية جامعة شاملة وملزمة، لا تقتصر على امور محلية انما على التمثيل في البرلمان الأسرائيلي وعلى تمثيل فلسطيني الداخل الحاضرين الغائبين والعائق الاكبر في مفاوضات السلام.

وطبعا يبقى السؤال والتحدي الأكبر امام النساء النسويات والقوميات منا بالاساس، هو الحد من المعايير المحافظة التي سوف يفرضها على النساء هذا الأطار. فليس من المفاجئ ان قيادة الأطار الوطني قد تترك مشاكل الدنيا كلها وتشغل حالها بالحد من حرية النساء والمحافظة على المجتمع والهوية من خلال فرض السيطرة على النساء.

عودة الى الناصرة والى ما افرزته من طائفية بعد الانتخابات
نتائج الانتخابات المترنحة بين هذا وذاك ادت بكافة الأطراف الى اللجوء الى كل السبل الممكنة للتأثير على النتائج. فان التجأت الجبهة الى القانون والقضاء، التجاء الأخرون الى الشعب والى قدرته على "التخجيل" و"الترهيب" و"التوعيد" مما اثار توترات الناصرة في غنى عنها. والطابع المهيمن على هذة التوترات هو طابع طائفي فأن اعتقدنا ان الطائفية خارج الناصرة ولا مكان لها منذ بداية الحملة الانتخابية حتى يوم الأقتراع فها هي تعود الى الناصرة من بابها الاوسع غداة الأنتخابات لتحسم المعركة ولتخدم مصالح هذا او ذاك.

خلال اسبوع كامل بعد الانتخابات استشاطت الاجواء في الناصرة وتعالت اصوات المنددين والمتوعدين والمدينين في كل حيز وسياق. هذة التوترات طالت كل النصراويين وكلهم بترقب بما ستؤل اليه البلد في حال كانت النتيجة لصالح هذا او ذاك. والحديث ليس عن توتر وترقب كالذي يسود الأجواء بين محبي فرق كرة قدم، انما ترقب وتوتر بين ناس ما ذالت تذكر الفتنة الطائفية التي عاثت بالبلد خراباً منذ ما يقارب خمسة عشر عام.

اسبوع كامل من هذة التوترات ولم يقم اي من المترشحين والمتنافسين على رئاسة البلدية بإصدار بيان استنكار وتنديد باجواء العنف والطائفية التي لحقت بالبلد. اسبوع كامل ولم نسمع اي مبادرة شعبية لتهدئة التوترات. اسبوع كامل وكل من تلعب الطائفية لمصالحه الان يلعب بأعصاب البلد وباعصاب اهلها. اسبوع كامل من التوتر. اسبوع كامل من قلة الحركة في شوارع البلد. اسبوع كامل من قلة التجارة وربما السياحة ايضا. اسبوع كامل من انعدام الشعور بالأمان. وكافة المرشحين قاعدين يتفرجوا لا بل وكوادرهم بتزيد الطين بلة وبتهوش بالناس.  

والوطنيين طبعا يحلو لهم التهجم على الجنود وعلى اصوات الجنود الغير شرعية بغطرسة وغباء اجتماعي-سياسي يغفل عن حيثيات القضية وعن تفاصيلها الصغيرة المعقدة. ويلعب بهذا الفريق الوطني الى صالح الحكومة فما عجزت عنه الحكومة من محاولات تجنيد خلال سنوات عديدة يقوم الوطنيين المغطرسين منا بأنجازه عوضاً عنها. فالحكومة تقوم بأستهداف فئات الهامش المستضعفة اجتماعيا واقتصاديا، بداء بالدروز ومن ثم البدو والمسيحيين. وكل من هذة الفئات لا يخلو تاريخنا العربي وثقافتنا العربية من ازدرائها وملاحقاتها. فها هم الدروز يسكنون قمم الجبال في فلسطين منذ مئات السنين خوفاً من الملاحقات ويتحالفون مع الحاكم الذي يضمن سلامتهم. وللسكن في قمم الجبال ابعاد اقتصادية لن اخوض بها هنا، واكتفي بالقول بان فرص العمل والتجارة في قمم الجبال تختلف عنها في السهول والساحل، وبهذا يكون القمع مضاعف ديني طائفي اجتماعي واقتصادي. كذلك هو الحال في تجنيد المسيحيين فالحديث المعلن هو حقوق ومساواة والحديث الغير معلن هو التخويف والترهيب من الاخر ومن الملاحقات. واكثر ما يثير العجب من مجتمعنا ومن تركيباته وتعقيداته، هم البدو سكان القرى الغير معترف بها الملتحقين بجيش الإحتلال ويكفي ان تقراء تعليقات بعض النصراويين "الوطنيين" على "كلاب الأثر"  في جيش الأحتلال لتفهم مدى الكارثة الوطنية التي يحملها في جعبتهم هؤلاء "الوطنيين". فالتخويف والترهيب ونظرة التعالي والازدراء، التهميش الأجتماعي والأقتصادي والسياسي هم ما يدفع بهؤلاء الى الجيش الذي يهبهم فتات الأحترام وشعور الثقة والأمان الذي يعجز عنه الوطنيين منا. والسخرية في الموضوع انه هؤلاء الجنود ومنهم من يزاول عمله في الشرطة الأسرائيلية هم من يجولون في شوارع الناصرة الأن لضبط النفوس وللحفاظ على الآمان.

بهذا اليوم اخجل بإنتمائي الى الناصرة. بهذا اليوم اخجل بالخوف الطائفي المتفشي واللذي تعيشه البلد منذ اسبوع. اخجل انه في اليوم الاول انجح باقناع ذاتي بانه لا اساس لهذا الخوف وانه في اليوم الثاني اعجز عن ذلك. اخجل بمتملقي الوطنية في البلد. اخجل بالقيادات السياسية اللي قاعدة تتفرج ولا فيها ولا بقيادتها. اخجل بأنه الامر الوحيد الذي اتمناه الان هو ان اكون بمكان اخر في العالم اي كان بعيدا عن الناصرة وعن اهلها وعن الطائفية وعن كل هذة الفوضى وهذا الأضطراب. هنيئاً، هنيئاً لكم بالوطنية وهنيئاً لكم بالوطن، بس الأرض بلا الناس بعمرها ما بتكون وطن.

وللنهاية استشهد باقوال المربي الفلسطيني خليل السكاكيني (1878-1953)، ففي مقدمة يومياته "كذا انا يا دنيا" التي نشرت في القدس عام (1955): "وما هي الوطنية؟ اذا كانت الوطنية أن يكون الإنسان صحيح الجسم، قويا، نشيطا، مستنير العقل، حسن الأخلاق، انيساً، لطيفاً، فأنا وطني. وأما اذا كانت الوطنية تفضيل مذهب على مذهب وأن يعادي الانسان اخاه اذا لم يكن من بلاده او مذهبه، فلست وطنياً".

-----
نسرين مزاوي - ناشطة نسوية وباحثة في علوم الإنسان. حاصلة على الباكلوريوس في علم الأحياء وعلى الماجستير في إدارة البيئة والموارد الطبيعية.