‏إظهار الرسائل ذات التسميات هوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هوية. إظهار كافة الرسائل

في مواجهة الهشاشة البيضاء (White Fragility)

تكتب نجلاء عثامنة عن مواجهة الهشاشة البيضاء في الحقل العلاجي وفي غرفة العلاج. لا تستعمل نجلاء في مقالتها هذه هذا المصطلح، ولا اعلم إن كان المصطلح معتمد في علم النفس، إلا أنني اجده ملائم جدًا لما وصِف في المقال.

يشير مصطلح "الهشاشة البيضاء"، وينسب هذا الى روبين ديانجيلو (2011)، الى شعور التهديد والانزعاج لدى البيض عند طرح المسائل العرقية والعنصرية. فعلى سبيل المثال، تخلق "الهشاشة البيضاء" في المدارس أو في الكليات والجامعات بيئة تعليمية معادية للطلاب السود، ويشعر هؤلاء بتهميش تجاربهم ووجهات نظرهم حين يتجنب الأساتذة عامة الخوض في مواضيع العرق والعنصرية ويعتبرونها خارجة عن المادة الدراسية.

الى جانب التجاهل والاقصاء الذي يثير الشعور بالاغتراب والنفور لدى الطلاب السود، قد تتجلى "الهشاشة البيضاء" أيضًا بردود فعل دفاعية-عدائية تثير الشعور بالذنب (الابتزاز العاطفي) لدى الطلاب السود بناء على ما سببوه من "إزعاج" و"ضيق" للزملاء البيض. بالتالي، بدلا من مسائلة العنصرية البيضاء تعمل "الهشاشة البيضاء" على تحويل المسؤولية نحو السود فيجد الطالب الأسود نفسه مطالبا بالإذعان للهشاشة البيضاء وتفهم ما يتوقع منه البيض تفهمه، في حين يستمر هؤلاء بتجاهل آليات القمع والعنصرية وتجاهل انخراطهم فيها وتواطؤهم معها.

العنصرية الكامنة في الإذعان للهشاشة البيضاء، بحسب رأيي، هي من أشد حالات العنصرية، اذا انها تتجاهل البنى العنصرية والقمعية القائمة وفي ذات الوقت تلقي بالمسؤولية على الأفراد المقموعين، فتزيد عليهم الصاع صاعين. وهذا ما حدث حسب رأيي في اذعان بعض النسويات الفلسطينيات للهشاشة النسوية البيضاء، حين وجدن أنفسهن مضطرات وربما مطالبات بالدفاع عن "نسويتهم التي لا تتجزأ". هذا الدفاع المنحاز الى الهشاشة البيضاء - النابع أولا من الرغبة في الحفاظ على ماء الوجه، وثانيا، ربما من القلق على المشاعر المرهفة للنسوية البيضاء التي تقوم أساسا على الابتزاز العاطفي - حوّلَ النسويات الفلسطينيات من مقموعات الى قامعات، من نساء ينتمين الى جماعة مُضطهَدة الى نساء عليهن تبرير نسويتهن والتأكيد على اخلاقياتهن أولا وقبل أي شيء، لأنهن، شئنا أم أبينا، هن المُسائَلات وليس العكس.

في مقالتها تشير عثامنة الى المعرفة الكامنة في الجسد، الجسد المش مرتاح بالقعدة لا على الصوفة ولا على الكرسي، الجسد العارف والرافض للممارسة القمعية التي تختار الكاتبة في النهاية الابتعاد عنها تماما والخروج من الإطار الذي حول مساحة التحرر الى مساحة قمع واتهام ومسائلة ونزع للإنسانية.

وكما تشير عثامنة، ما حدث معها ليس حالة خاصة كما وانه ليس شأنا حصريا لحقل واحد، بل كثيرة هي "مساحات التحرر" التي تعمل بفعل الهشاشة البيضاء كمساحات لانتزاع الإنسانية. منها على سبيل المثال ما يحدث في الجامعات الإسرائيلية من تضييق وملاحقة للطلاب العرب، حيث تتجلى الهشاشة البيضاء والعنصرية الكامنة فيها على مستوى المؤسسات وليس فقط الافراد.
مقال مهم، انصح بقراءته، يعتمد على الإثنوغرافية الذاتية، أي على تحويل التجربة الذاتية الى موقع لإنتاج المعرفة.

شكرا نجلاء على هذه المشاركة الكاشفة التي تتيح المجال للحوار حول "مساحات التحرر" المتهاوية أمام الهشاشة البيضاء.
_______________
بأعقاب النشر بالـ "فيسبوك" تلقيت التعليق التالي:

شوقتيني لقراءة المقال ومما اشرت اليه من تلخيص لمضمون المقال استحضرت بذاكرتي تجارب شخصية طبق الاصل لما ذكرت.

الرد على التعليق:

فعلا مقال يستحق القراءة، وباعتقادي عندما نبدأ بالحديث عن الموضوع سنكتشف أن الكثير منا مارقات تجارب مشابهة، لكن بغياب الكلمات الملائمة للتعبير عن شيء ما، يصعب الحديث عنه. والمقال مهم حسب رأيي لهذا السبب، لأنه يحاول تأطير الظاهرة والتعبير عنها بكلمات مما يحولها الى أمر واقعي ملموس ممكن الحديث عنه وليس مجرد "أمر شخصي" و"مشاعر فياضة" و"حساسية زيادة عن اللزوم" لعنصرية الآخر.

على الصعيد الشخصي مصطلح "الهشاشة البيضاء" مرافقني من سنوات وقد كان لي بمثابة مِرسَاة ساعدتني على فهم جزء من تجاربي كطالبة فلسطينية في جامعة إسرائيلية. لحد اليوم ما قدرت اكتب عن هذه التجارب بشكل واضح ومتسلسل ومفهوم مثل ما كتبت نجلاء، لكن لما قرأت المقال كان واضح الي الارتباط المباشر مع الهشاشة البيضاء.

باعتقادي، صعوبة الكتابة في هذا الموضوع والتعبير عنه بوضوح نابعة من الاعتداء الكامن فيه على كافة ابعاده. وقد نستشعر صعوبة الكتابة هذه بالحذر والتمهيد والتعاطي المهني والموزون مع التفاصيل التي رافقت ما قدمته عثامنة من سرد للتجربة الشخصية. فغياب الكلمات (المتعارف عليها والمتداولة) والتواصيف الملائمة والاعتراف العلني بوجود هذا الشكل من الاعتداء، يجعل منه اعتداء شفاف مسكوت عنه مغلف بتابوهات مشابهة بآلياتها لتلك التابوهات المحيطة بالاعتداءات الجنسية.

وخلافا للاعتداءات الجنسية، الاعتداء في هذه الحالة ليس اعتداء على الذات من خلال الجسد، انما هو اعتداء مباشر على الذات.

قد يرى البعض بهذا الادعاء "مبالغة" فإنها "مجرد عنصرية" اعتدنا عليها قد نواجهها في كل مكان "فما تاخدي الامر شخصي"، لكن نزع الشرعية عن هذا الموضوع بهذا الشكل هو تماما كنزع الشرعية عن الحديث والخوض في التحرشات والاعتداءات الجنسية. فالذات (مقارنة بالجسد) مغيبة وغير موجودة، فكيف يمكن الاعتداء عليها؟! الا ان هذا الإلغاء ينتقص من الظاهرة ويستبعدها من النقاش السياسي-الاجتماعي وبالتالي يزيد من صعوبة مواجهتها.

فالمقارنة مع الاعتداءات الجنسية ليست من باب المبالغة انما هي محاولة للتمعن بالأثر النفسي والاجتماعي لهذا الاعتداء في مساحات نفترض انها "آمنة" توجهها "اخلاق مهنة" من المفروض أن تسمو على الهويات السياسية.

والحديث هنا هو تحديدا عن أطر ومساحات تتسم فيها العلاقات بمسؤولية أخلاقية من جانب وبهرمية من جانب آخر. علاقات كهذه موجودة في مجالات: التربية والتعليم والطب والإرشاد والصحة النفسية وغيرها. وعادة يتم التعامل مع أخلاقيات المهنة في هذه المساحات كأمر مفهوم ضمنًا، لكنه في الواقع بالمرة مش مفهوم ضمنًا. وهذا ما يفسر الصدمة التي عبرت عنها عثامنة بكل وضوح، الناتجة عن غياب الالتزام الأخلاقي من جانب، ومراوغة المسؤولية واستغلال موقع القوة من جانب آخر.

فتحول الطبيب او المعلم او المرشد الى "إسرائيلي اولًا"، وعجزه عن التعالي على هويته السياسية بسبب هشاشته البيضاء، تعني انه يراك ويتعامل معك أولًا وقبل كل شيء كعربية وليس كطالبة او كمتعالجة، ومعنى هذا انك تتحولين تلقائيا لمصدر تهديد وازعاج وربما لهدف رماية تصوب نحوه ردود فعل عدائية من قبل شخص من المفروض انه هو المسؤول عنك وتربطك به علاقة هرمية وسلطوية.

خيانة الاخلاق المهنية في هذه المساحات (التي من المفروض ان تضع الطالب او المتعالج واحتياجاته بالمركز فوق أي اعتبار آخر)، هي حسب رأيي كالتحرش والاعتداء الجنسي في مكان العمل، ورغم أن الاعتداء هنا هو مباشرة على الذات وليس على الجسد، الا ان ابعاد هذا الاعتداء واسقاطاته وكل ما يحيط به متشابهة جدًا. فمن ناحية انت مرتبطة بهذا المكان ومجبورة تبقي فيه لأنه "مصدر رزقك" وانقطاعك عن هذا المكان في محاولة للابتعاد عن مصدر الإساءة له اثمان مادية ومهنية وربما اجتماعية - تماما كما هو في الحالة التي وصفتها نجلاء. من ناحية أخرى، بقاءك في هذا المكان حيث الشخص المسؤول عنك هو مصدر الإساءة له اثمان نفسية واجتماعية عميقة. وفي المحصلة، وبغض النظر عن الخطوات العملية الممكن اتخاذها، على الصعيد النفسي الشعور هو شعور مزدوج من اليتم والخيانة في آن واحد، وهذا تماما كالشعور الناتج عن الاعتداء الجنسي في إطار علاقات اخلاقية هرمية أخرى. ففي هذه الحالات جميعها الشخص اللي مفروض يوفر المساحة الآمنة هو ذاته الشخص المعتدي.

في الحالة اللي وصفتها نجلاء، اخذلها 6 اشهر بعد أن ادركت ما يحدث كي تتخذ خطوة حاسمة وتقطع هذه العلاقة المسيئة. لكن في اغلب الحالات (تماما كالنساء المُعنَّفات في المنزل او في مكان العمل) قد نعاني من هذا الاعتداء دون أن نفهم أنه اعتداء، واحيانًا حتى وإن أصغينا لجسدنا وحتى إن فهنا أنه يوجد خطب ما في العلاقة، لكننا قد نفتقد القدرة أو الجرأة على المواجهة، أولًا بسبب عدم تفسير ما يحدث كاعتداء وتفضيل تفسيرات أخرى ("يمكن والله عنجد انت غلطانة"، "يعني هو مش هالقد عاطل" و"طولي بالك وكبري عقلك شوي"). وثانيًا بسبب الأثمان الباهظة المرافقة حتمًا لهذه المواجهة، خاصة انه في الغالب ستُصوَّر هذه كتصرف غير مبرر وغير مفهوم او ربما مبالغ به، تجاه أمر "عادي جدًا" و"مش مفروض ناخذه شخصي". بالتالي ما منقوم ومنمشي ومنقطع العلاقة، وبضل الاعتداء مستمر وبتضل الإساءة مستمرة ومعهم الثمن او الأثمان اللي مندفعها، جسديا، ونفسيا، ومهنيا، واجتماعيا، وماديا.





"من النهر الى البحر" ملاحظات حول الحل الفدرالي

شاركت في الشهر الماضي في ندوة سياسية، وقد طرحت في نهايتها سؤال حول الحل الفدرالي في فلسطين والسبب في عدم تبني القيادات السياسية لهذا الحل وتطويره. لاحقًا، تواصل أحد الزملاء معي لتوجيه انتباهي الى بعض الجوانب المتعلقة بهذا الموضوع. بناءً على ذلك، وحرصًا على ان لا أكون قد غفلت عن بعض الأمور، اكتب هذا الملاحظات لتوضيح ما قد سيئ فهمه.

أولاً، فكرة الحل الفدرالي في فلسطين تُطرَح من قبل أطراف إسرائيلية يمينية بشكل ديماغوجي ومتطرف، ويجب الحذر من هذا الطرح الصهيوني ورفضه رفضا قاطعًا. من بين من يطرح هذا الموضوع حركة "هافدراتسيا" او "الحكم الفدرالي" كما يسمون أنفسهم.

قبل الخوض في تفاصيل برنامج هذه الحركة، انا اعتقد أن خطورة هذه الحركة لا تقتصر على برنامجها فحسب، بل تكمن أيضا في عملية التلاعب بفكرة "الحل الفدرالي" وتشويهها لتتناسب مع الأفكار الصهيونية اليمينية المتطرفة المرفوضة جملة وتفصيلا. بهذا تقوم حركة "هافيدراتسا" بتفنيد هذا الحل، حيث تعرضه وتروج له بناء على هذه الأفكار وانطلاقا منها.

حل الدولة الفدرالية الذي يطرح من قبل اليمين الإسرائيلي ليس حلا إنما تعميق لمنظومة الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري المبنية على سياسة التجزئة وبث الفتن بما يتوافق مع نهج محو السكان المحليين سواء بشكل تدريجي أو مباشر، بهدف تحقيق معادلة "أكثر ما يمكن من السكان على أقل ما يمكن من الأرض". حيث يثبت لنا التاريخ انه في الحالات التي لا ينجح فيها الاستعمار الاستيطاني بالقضاء على السكان المحليين أو طردهم وتهجيرهم، يقوم بحصرهم بمعازل على شكل "كانتونات" او "محميات طبيعة" بهدف السيطرة عليهم والتحكم في شؤونهم السياسية والاقتصادية.

تقدم حركة "هافيدراتسيا" الحل الفدرالي كحل إسرائيلي صهيوني على الكنيست الإسرائيلي الموافقة عليه وتبنيه. بناء عليه تقترح حركة "هافيدراتسيا" إنشاء دولة فدرالية واحدة، وهي دولة إسرائيل، وتشمل هذه كافة البلاد من البحر إلى النهر باستثناء قطاع غزة. تحتفظ هذه الدولة بالمستوطنات القائمة في الضفة الغربية، وتقسم الدولة الى ثلاثين كانتونا تديرهم سلطات محلية بالإضافة إلى سلطة مركزية واحدة، وهي سلطة الدولة الفدرالية. تمنح هذه الدولة حقوق المواطنة المتساوية لجميع السكان، وتضمن لهم تحقيق حقوقهم المدنية وطموحاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية من خلال حكومة الكانتون الذي ينتمون إليه.

يمثل اقتراح حركة "هافدراتسيا" بكل بساطة ووضوح برنامجا للضم الشامل لجميع المناطق الفلسطينية تحت إطار دولة صهيونية فدرالية، تمارس المحو الممنهج والمستدام للسكان الفلسطينيين بهدف نزعهم من أراضيهم وابعادهم عنها. ولا يعد هذا إلا خطوة مرحلية في عملية المحو والاستيطان هذه.

اما ما جال في ذهني عندما تكلمت عن الحل الفدرالي فهو يتمثل بـ: دولة فدرالية واحدة وعاصمة واحدة في القدس، تجمع هذه من خلال اتحاد فدرالي سياسي واقتصادي بين دولتين مستقلتين. لا تستثني هذه الدولة قطاع غزة، ولا تستثني اللاجئين الفلسطينيين بل تعمل على تحقيق عودتهم الى فلسطين في إطار هذه الدولة. لا تقسم هذه الدولة البلاد الى ثلاثين كانتون ولا الى عشرين ولا حتى الى سبعة، بل تقوم على اتحاد سياسي واقتصادي بين دولتين بناء على معاهدات سياسية متفق عليها.

شتان بين هذا التصور وبين ما يطرحه اليمين الصهيوني في هذا الموضوع. فطرح اليمين الصهيوني للدولة الفدرالية يقوم على مقايضة الفلسطينيين حلم الدولة المستقلة بالمواطنة والحقوق المدنية في أطار دولة فدرالية واحدة هي دولة إسرائيل. اما ما ارمي اليه في طرحي للموضوع، فلم يتضمن أي تنازل عن أي من المطالب لأي من الأطراف. بالعكس، فهو يحقق الوحدة المنشودة في إطار دولة واحدة، ويقوم على وجود دولتين مستقلتين. تتحقق من خلاله رغبة كافة الأطراف بأن تكون القدس العاصمة الأبدية لهم، بحيث تكون هذه عاصمة الدولة الفدرالية المشتركة، ويضمن هذا الإطار عودة اللاجئين، ويتم الاتفاق من خلاله على مصير المستوطنات. وإذا تعذر الصلح الفلسطيني بين القيادات الفلسطينية المتنازعة على السلطة، من الممكن ان يشمل هذا الإطار الفدرالي اتفاقية ثلاثية يتوازى فيها الطرفان الفلسطينيان مع الطرف الإسرائيلي، بينما يتقاسم هؤلاء الحكم في ولايتين فلسطينيتين او في ولاية واحدة إذا توفرت الإرادة السياسة وإذا شاءت. 



لغة الضاد ومشروع إنتاج معرفة باللغة العربية

في اليوم العالمي للغة العربية، من المهم أن نلفت الانتباه إلى أن كمية إنتاج المعرفة باللغة العربية مقارنة مع باقي لغات العالم تقريبًا تكاد تكون معدومة.

اللغة العربية تأتي في المرتبة الخامسة من حيث عدد المتحدثين في العالم، بعد الانجليزية والماندرين والهندية والاسبانية، حيث يبلغ عدد متحدثيها حوالي 274 مليون شخص. يجدر بالذكر أن هذا العدد يفوق عدد متحدثي اللغة الألمانية والفرنسية والروسية واليابانية، ومع ذلك، إلا أن كمية الإنتاج الفعلي للمعرفة باللغة العربية تبقى تقريبا على مستوى متدن بالمقارنة مع باقي لغات العالم.

في حين أن لغات مثل الألمانية والفرنسية والإسبانية، وربما غيرها أيضًا، تفرض مدارسها الفلسفية والمعرفية التي قد تختلف بمضمونها وبأساليبها تلك التي نجدها في اللغة الإنجليزية، حيث يرافق الاختلاف باللغة، اختلافًا بالمعاني بوجهات النظر بالتعبير وبالتحليل، إلا أن إنتاج المعرفة باللغة العربية يبقى على الهامش الاهتمام العام. فإذا كنت ترغب في قراءة مقالة جيدة عن ابن خلدون او عن ابن رشد، على سبيل المثال، ومراجعة تحليلات حديثة لأعمالهما، فستحتاج بالضرورة إلى قراءتها باللغة الإنجليزية. يمكنك أحيانًا أن تجد ترجمات لبعض المواد، وغالبًا ما تكون غير كافية، أو ربما قديمة نسبيًا تعود إلى الستينيات او السبعينيات ولا ارتباط بينها وبين قضايا عصرنا الحالي.

بالإضافة إلى ذلك، قد تجد النص الأصلي، إذا لم يتم تدميره أو حظره أو فقده تمامًا، لكن إذا كنت تبحث عن محتوى حديث ذي قيمة، فمن النادر أن تجده إلا باللغة الإنجليزية، حتى إذا كان الكاتب عربيًا. وعادة ما يكتب بالكتًاب العرب باللغة الإنجليزية، وتُلقى مهمة ترجمة أفكارهم على أشخاص آخرين، مما ينتج نصوصًا محرّفة تعكس تأثيرًا كبيرًا لأفكار المترجم والمحرر إن وجد في النص، وتفتقر إلى نقاء أفكار الكاتب الأصلي.

فهنيئا لجميع المفكرين العرب الذين يكتبون بلغات أخرى أو الذين تتاح لهم بالكتابة بلغات أخرى، فعملية إنتاج المعرفة ليست مقتصرة على الكتّاب وحدهم، بل تحتاج الى مؤسسات لتدعم هذه العملية، وهنيئا للغة العربية التي تزودنا بالعديد من الفهلوات اللغوية المميزة، مثل قدرتنا على التعبير عن الحب بما يزيد عن عشرين كلمة، وقدرتنا على أيصال رسالة طويلة في كلمة واحدة قد تحتاج الى جملة لتمريره بلغات أخرى، او وهنيئا على جملة يمكن قراءتها من اليمين الى اليسار ومن اليسار الى اليمين دون أن تفقد معناها، والعديد من الفهلوات اللغوية الأخرى الملائمة للمتاحف وللإعلانات وربما للفنون، لكن تبقى الغاية الحقيقية لوجود لغة والمعنى الحقيقي لوجودها فارغًا، عاجزًا عن إنتاج معرفة ونقلها بين الأجيال وعبرها.

قد يطول الحديث في أسباب الحالة اللي وصلنا إليها وفي سبل الخروج منها، لكن جزءًا كبيرًا من هذه الأسباب يعود إلى الأشخاص الذين يشغلون أنفسهم حاليًا بالأخطاء اللغوية الي وردت في هذا النص أكثر من أي شيء آخر.  تقديس اللغة وتحريم استخدامها من قبل غير متقنيها يُعَدُّ سببًا أساسيًا في الشلل المعرفي والفكري الذي وصلت إليه اللغة العربية. حيث يتم احتكار اللغة كحيز عام لإنتاج المعرفة، ويُقتصر استخدامها على أولئك الذين يتقنوها دون أخطاء، وغالبًا ما يكون هؤلاء من حُرَّاس المقدسات الفكرية والمحرمات والمحظورات المعرفية.

إنتاج المعرفة باللغة العربية هو مشروع تحرري يعتمد على إرادة كثير من الأفراد وليس على إرادة فرد واحد فقط، ويتطلب منك الأمر أن تفكر باللغة العربية، لا أن تقوم بترجمة أفكارك إلى العربية، بل أن تشتبك في حوارًا أصيلًا مع ذاتك ومع الأخرين بالعربية. فاللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن الأفكار، بل هي أداة لإنتاج الأفكار والمفاهيم والمصطلحات والتعابير عنها في سياق ثقافي تناقلته عبر اللغة أجيال وأجيال تكلمت بهذه اللغة وشكلتها بما يتناسب مع ظروف حياتها واحتياجاتها.  

هذا المشروع يختلف عن مشروع إنتاج المعرفة باللغة الإنجليزية الذي امتاز في السنوات الأخيرة بطابع تجاري بالإضافة الى طابعه الاستعماري والامبريالي. إن مشروع التحرر المعرفي ليس مجرد مشروع ترجمة الأفكار أو زيادة مناليتها، بل هو مشروع تحرر من القيود الفكرية والمعرفية التي تفرضها اللغة بقوالبها الثقافية وبتراثها الثقافي، إنه مشروع اختراق أفكار وحوارات وجدل تطغى عليها مفاهيم وتصورات المستعمر. إنتاج المعرفة في الأطراف، من خلال استخدام واعتماد لغة مختلفة عن تلك اللغة المهيمنة في المركز، هو الطريق إلى اختراق جدار الوعي والى التحرر المعرفي.






اصدار كتاب: المدينة الفلسطينية قضايا في التحولات الحضرية

 يشرفني ويسعدني أن ينشر لي فصلاً في كتاب المدينة الفلسطينية: قضايا في التحولات الحضرية الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية. الكتاب من تحرير د. مجدي المالكي ود. سليم تماري، وساهم فيه 21 من الباحثيين الاكادميين.

الفصل بعنوان "تحولات ثقافية في الحيز الإيكولوجي الحضري في الناصرة" ص 353-380.
يمكن الحصول على الكتاب من موقع المؤسسة.



الاعلان عن الكتاب كما جاء في صفحة مؤسسة الدراسات الفلسطينية:
 
"المدينة الفلسطينية قضايا في التحولات الحضرية"

كتاب صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

صدر حديثًا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب "المدينة الفلسطينية: قضايا في التحولات الحضرية" من تحرير الباحثين مجدي المالكي وسليم تماري ومساهمة 21 باحثا/ة وأكاديميا/ة، وهم/ن: مجدي المالكي؛ سليم تماري؛ خالد زيادة؛ راسم خمايسي؛ عادل مناع؛ أحمد أمارة؛ همت الزعبي؛ ليزا تراكي؛ جاد ثابت؛ عبد الحافظ أبو سرية؛ جاك برسكيان؛ خلدون بشارة؛ سليم أبو ظاهر؛ فرانشيسكو أموروسو؛ جاودة منصور؛ أتشاتشو دومينغيز دي أولازابال؛ نسرين مزاوي؛ باسل ريان؛ أحمد حنيطي؛ شيراز نصر؛ وئام حمودة.

وعملت نرمين عباس على تدقيق الكتاب وتحريره لغويًا، فيما عملت مصممة الغرافيك مايا شامي على تصميم الغلاف، وجاء الكتاب في 440 صفحة من القطع المتوسط، وطُبع في بيروت/لبنان، وفي رام الله/فلسطين.

تعالج الدراسات في هذا الكتاب مجموعة من القضايا ذات العلاقة بالتحولات التي شهدتها المدن الفلسطينية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الآن. وتشترك جميعها في إبراز أهمية العوامل التاريخية والسياسية، وتحديداً دور الاستعمار الإسرائيلي الكولونيالي، في تشويه المدن الفلسطينية وحجز تطورها تاريخياً، وتهويدها في مناطق 48، وفي مدينة القدس، من خلال سياسات ممنهجة ومساعٍ لإنتاج المدينة الفلسطينية كغيتو في الداخل المحتل منذ سنة 1948، كما في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ سنة 1967. وتتناول كل هذه الدراسات عدة محاور مهمة تتعلق بتطور المدن الفلسطينية تاريخياً، وإعادة تشكيل تنظيمها المكاني، والتحولات التي أصابت تركيبها المورفولوجي والديموغرافي، وتأثير العولمة والسياسات النيوليبرالية في التشكل الطبقي الجديد فيها، والأثر الاجتماعي للتحضُّر المتسارع والتوسع العمراني الذي شهدته مدن ما بعد اتفاق أوسلو على وحدات التركيب الاجتماعي داخلها، وعلاقتها بمحيطها الريفي، وآليات تبلور حركات مدينية مقاومة فيها، ودورها في تعزيز الهُوية الوطنية والثقافية بصورة عامة، وتنقُّل وتشابك النشاطات الثقافية والسياسية من مدينة إلى أُخرى (من حيفا ويافا إلى الناصرة ورام الله).


وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسات المحكّمة هي نتاج أوراق قدمت في مؤتمر عقدته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في جامعة بيرزيت في الفترة الواقعة ما بين 1 و3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 تحت عنوان الكتاب نفسه، حيث شارك فيه فضلاً عن المختصين/ات والأكاديميين/ات معدي/ات الدراسات، مجموعة من الفنانين/ات والمثقفين/ات والباحثين/ات والطلاب/ات المهتمين/ات الذين قدموا مداخلات شفهية بشأن المشهد العمراني والثقافي في المدينة الفلسطينية. وخضعت جميع الأوراق في هذا الكتاب للتحكيم مرتين، الأولى من اللجنة الأكاديمية التي اختارت تلك المقالات لتُقدم في المؤتمر، ثم تم تحكيمها مرة أخرى من جانب محرري الكتاب.

وانبثقت فكرة المؤتمر، ولاحقاً الكتاب، من اهتمام المؤسسة بالتحولات الحضرية المعاصرة التي أصابت بنية المدينة الفلسطينية بعد إلحاق القدس العربية، وحصار بلدات الضفة الغربية ومدنها، وقطاع غزة، ونمو ظواهر مدينية جديدة، حيث برز الاهتمام على وجه الخصوص في المؤسسة بدراسة مصير المدينة الفلسطينية على خلفية التحولات الجذرية التي أصابت مدن المشرق العربي في القرن العشرين وخصوصاً أن قضايا المدينة الفلسطينية وتغيرها كانت قد احتلت اهتمامات المؤسسة النشرية، وعلى رأسها سلسلة "مدن فلسطين" التي نشر منها أكثر من عشرة كتب عن التطور الحضري في أرجاء فلسطين التاريخية، بالإضافة إلى كتيبات استراتيجية عديدة (مونوغرافات) بشأن قضايا حضرية معاصرة.


وأخيراً، بالرغم من نزوع العديد من هذه الدراسات في هذا الكتاب إلى رصد تطور المدينة الفلسطينية تاريخيًا دفاعًا عن وجود الشعب الفلسطيني وعن هويته، ولدحض الادعاء الصهيوني "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" من خلال تبيان مدى ازدهار المجتمع الفلسطيني وتطوره الحداثي، نجد أن هناك أيضًا بعض الدراسات التي تطرقت إلى الجوانب السلبية في المدينة، أو ما أصبح يعرف بـ "أمراض التمدن"، مثل سوء التخطيط والاستقطاب الاجتماعي الحاد بين أحياء الفقر والأحياء المرفهة. حيث تشير هذه الدراسات إلى أن المشكلات اليومية والمصيرية التي أضحت سمة بارزة للمدينة العربية، هي محصلة فوضى عارمة، ومدينة معتقلة داخل الاسمنت، ومواطنون يعانون "المدينة"، إذ أصبح المواطن في بناها فاعلاً وضحية في آن.


للحصول على نسخة من الكتاب:
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1651672

"طحينة الأرز"... فخر وإمتنان وحزن عميق جدًا

نشرت في مجلة فُسحَة، تحت عنوان: لحظة مركبة وأربعة أوجه للواقع المثلي


لحظة مركّبة

وصلتني في الأوّل من يوليو (تمّوز) رسالة من زميل لي في "جامعة حيفا"، تحمل إعلان دعم لشركة "طحينة الأرز" النصراويّة لـ "جمعيّة الأجودا الإسرائيليّة لدعم المثليّين والمتحوّلين جنسيًّا"؛ إذ يهدف الدعم الماليّ المقدّم إلى إقامة خطّ داعم للمثليّين والمتحوّلين باللغة العربيّة. تقبّلت الخبر بصمت وبمشاعر متضاربة، فهي لحظة مؤلمة جدًّا يجب أن أفرح فيها، لكنّي لا أفرح، بل أتألّم. وينبع هذا الألم من وعي سياسيّ، تَشكّل خلال 25 عامًا من النشاط والعمل في مؤسّسات المجتمع المدنيّ، ومن مسيرة شخصيّة نحو التحرّر من القمع والتمييز والإبادة على كلّ الأشكال البيئيّة، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والنسويّة الفرديّة والجماعيّة؛ فالحرّيّة كاملة لا تتجزّأ، ولا يمكنها أن تكون بمعزل عن حرّيّة شعبي الجماعيّة أو عن سعي الآخرين إلى التحرّر، من جميع أشكال القمع والاضطهاد العنصريّ الإثنيّ والطبقيّ والجندريّ والجنسيّ.

 دعم "طحينة الأرز" "للأجودا"، هو إنجاز للحركة المثليّة الفلسطينيّة، الّتي تعمل منذ عقدين من الزمن على رفع الوعي للقضايا المثليّة في الشارع الفلسطينيّ، لكنّها في الوقت ذاته خسارة فادحة لهذه الحركة، وربّما أكبر خسائرها. هي بمنزلة هدف ذاتيّ بحركة بهلوانيّة مدهشة لم يشهدها أحد من قبل. إلى جانب هذا، تُسْقِط هذه القضيّة ورقة التوت عن المؤسّسات المثليّة الفلسطينيّة ومسؤوليّاتها تجاه جمهور الهدف، الّذي تعمل من أجله وباسمه، وآن الأوان للجمهور المحلّيّ الواسع الداعم للمثليّين الفلسطينيّين بمحاسبة هذه الجمعيّات ومساءلتها. 

تفكيك اللحظة المركّبة وزخم المشاعر المتضاربة

فخر، بامرأة عربيّة رائدة انتشلت مصنعًا عائليًّا من الحضيض، وقادته إلى نجاح باهر على المستوى المحلّيّ والعالميّ، وبجودة منتوج لا تُضاهى، امرأة عربيّة تخوض معترك رجال الأعمال الذكوريّ الصارم، وتنجح لتكون مثالًا أعلى وقدوة يُحْتَذى بها. فرح، بلحظة تاريخيّة تقوم بها شركة عربيّة بإعلان موقف داعم لقضيّة جدليّة على المستوى العربيّ مثل قضيّة المثليّين وحقّهم في الحرّيّة والحياة الكريمة. حزن عميق جدًّا، على ثمرة تُقْطَف من شجرة الحراك الفلسطينيّ المثليّ، الّذي نما بجهد كبير خلال عقدين من الزمن، لتُغَذّي فأسًا تضرب ساق هذه الشجرة.

فقدان السذاجة، أمام دعم من قِبَل مؤسّسة تجاريّة؛ فما هذا الدعم إلّا خطوة تسويقيّة ذكيّة، تعتمد على تحليل عميق للسوق وللفرص المتاحة للشركة محلّيًّا وعالميًّا، وعلى مزاجيّة الجمهور وقدرة الخطوة على استفزازه وشدّ انتباهه. فقدان السذاجة مرّة أخرى، لتصحو من وهْم التسامح والتقبّل والدعم "على الأقلّ"؛ لتستوعب أنّك مُشيَّأ (أي مجرّد شيء) في خطوة تسويقيّة. عجز وصمت، أمام قوّة الصفعة الّتي تلقّيتها، وأمام واقع مركّب يمتزج فيه النجاح مع الفشل، وأمام طبقات عديدة من القضايا الإشكاليّة، وتقاطع رهيب في ما بينها. ابتدأ من الغسيل الورديّ، وفخّ الاستشراق، والاستشراق الذاتيّ، إلى إنقاذ المثليّ الفلسطينيّ من أهله، وتخليصه من مجتمعه بيد الإسرائيليّ الّذي نكبه، وترويج إنسانيّة هذا المخلّص، مقابل تجريد الفلسطينيّ من إنسانيّته وتصويره النمطيّ البشع وتشويه هويّته، والترويج المباشر وغير المباشر إلى كراهيته، وتعميق الانسلاخ بين المثليّ الفلسطينيّ ومجتمعه، لتكتمل نكبته. 

الواقع 1

تعود بداية الحراك المثليّ الفلسطينيّ إلى عقدين من الزمن، وقد نشأ هذا الحراك على خلفيّة الانتفاضة الثانية، ومن ضمنها ما يُعْرَف بـ "هبّة أكتوبر 2000"، وما تلاها من شرخ ونفور داخليّ بين المجتمع الفلسطينيّ والمجتمع الإسرائيليّ. تزامنت بدايات هذا الحراك مع عودة الشباب الفلسطينيّ من المدن الإسرائيليّة إلى بلداته العربيّة، ومع نموّ الشعور العميق بالغربة حيال كلّ ما هو إسرائيليّ، وانفصال مؤسّسات نسويّة فلسطينيّة عن نظيرتها الإسرائيليّة، وإنشاء مؤسّسات مستقلّة.

نما هذا الحراك متأثّرًا بتجارب التحرّر حول العالم، وعلى رأسها التجارب النسويّة والمثليّة، وتجارب السود في أمريكا وفي جنوب أفريقيا. تأسّست "أصوات – نساء مثليّات فلسطينيّات" عام 2002، على مبدأ التحرّر الشامل والحرّيّة الّتي لا تتجزّأ، لتكون الندّ للمؤسّسات المثليّة الإسرائيليّة، الّتي أسهمت في تشويه الهويّة الفلسطينيّة، وفي استغلال المثليّ الفلسطينيّ، وفي سلخه عن مجتمعه وتعميق الفجوة بينه وبين المثليّ الإسرائيليّ، وتعزيز الشعور بالغربة مقابل الإسرائيليّ "صاحب البيت"، القيّم على المؤسّسة والمؤتمن عليها وعلى طقوسها ومعاييرها. وروّجت هذه المؤسّسات عالميًّا، وعلى رأسها "الأجودا"، صورةً نمطيّة كارهة للشرق وللعرب وللمسلمين، من خلال ممارسات عنصريّة واستشراقيّة صارخة، شُيِّئ فيها المثليّ الفلسطينيّ، واسْتُغِلَّ بشكل رخيص جدًّا لتسويق هذه الصورة الّتي وقعت في حينه على أرض عالميّة خصبة، وأثمرت فيها المزيد من الكراهية والعنصريّة الليبراليّة.

منذ تأسيسها عملت "أصوات" على خلق مكان آمن للنساء الفلسطينيّات داخل مجتمعهنّ، وبشكل فطريّ، ومنذ يومها الأوّل ضمّت المجموعة نساء فلسطينيّات من شقَّي الخطّ الأخضر، لتكون بين أولى المؤسّسات الأهليّة الّتي تجمع بين هذين الشقّين. نجحت "أصوات" في سنواتها الأولى باختراق حاجز الصمت، ومواجهة العنصريّة والإقصاء ورهاب المثليّة على الصعيد المحلّيّ، وعقدت مؤتمرها الأوّل في حيفا عام 2007، وواجهت رهاب الشرق والمسلمين على الصعيد العالميّ، ولم تكن "لقمة سهلة" للّيبراليّة الطبقيّة البيضاء، وكانت بين أولى المناهضين للغسيل الورديّ والمُنادين بمقاطعة "موكب الفخر العالميّ" الّذي عُقِدَ عام 2006 في القدس.

في المقابل، تبلورت في هذه السنوات مجموعة "القوس" لتنشقّ هي الأخرى عن نظيرتها الإسرائيليّة، وتُسَيِّس عملها بشكل جريء واضح ومناهض للأبويّة الإسرائيليّة وللعنصريّة الاستعلائيّة. وبينما تلاشى وميض "أصوات" بعد سنوات قليلة من إنشائها، واظب ناشطو "القوس" على العمل الدؤوب بتحدٍّ وإصرار على تخطّي العقبات والصعوبات، ومحاولات التوفيق بين العمل المحلّيّ والعالميّ، بدايةً لصالح العمل العالميّ، ولاحقًا لصالح العمل المحلّيّ الفلسطينيّ والعربيّ القطريّ. وقد أختلف مع "القوس" في رؤيتي لطبيعة عملهم، وبتقاطعه مع المشهد المثليّ السياسيّ، لكنّ الخلاف في الرأي لا ينتقص من أهمّيّة عمل "القوس" وما حقّقت من إنجازات، ويشهَد لـ "القوس" عملها وإنجازاتها على مدار السنين، ويمكن الاطّلاع على هذه الإنجازات، من خلال موقع المؤسّسة، ومن خلال تقريرها السنويّ ونشراتها الدوريّة.

صراحةً، إنّ تجربة المثليّين الفلسطينيّين في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948، هي تجربة مثليّة عربيّة فريدة من نوعها؛ فمع توفّر شرط غياب ظلم الدولة وأدواتها القامعة، أثبت المجتمع الفلسطينيّ أنّه قادر على احتواء أبنائه وبناته المثليّين والمثليّات والمتحوّلين والمتحوّلات، بل أكثر؛ فهو قادر على تقبّل نمط حياتهم المختلف وتقبّل عائلاتهم البديلة. وهذه هي ثمرة عقدين من حراك فلسطينيّ مثليّ مقاوم، مصرّ على انتمائه الفلسطينيّ والعربيّ والشرقيّ والمسلم، وعلى التحرّر من خلال صموده وعمله المباشر مع أبناء شعبه، دون المساومة على أيٍّ من مركّبات حرّيّته.

دعم شركة "طحينة الأرز" العلنيّ للمثليّين والمثليّات يمثّل ثمرة هذا الحراك، وفي ذات الوقت هي أكبر صفعة له؛ فالسيّدة جوليا زهر، مثل كلّ نصراويّ عاديّ، ما كانت لتدعم المثليّين قبل 20 عامًا من اليوم، بل على العكس؛ ربّما اتّسمت في ذلك الوقت بالهوموفوبيا المحافظة، وفي أحسن الأحوال بالهوموفوبيا الليبراليّة. وجزء من تركيبة هذه اللحظة المعقّدة والزخمة هي الشعور بالامتنان، لكن مَنْ هو الّذي يقدّم الامتنان لمَنْ؟ فهل يقدّم المثليّون امتنانهم لشركة "طحينة الأرز" على دعمها العلنيّ والمباشر؟ أم تقدّم السيدة جوليا زهر، مع كامل التقدير والاحترام، امتنانها للحراك المثليّ الفلسطينيّ، على العمل على مدار عقدين؛ لتحريرها وتحرير المجتمع الفلسطينيّ من رهابهم الفطريّ والأوّليّ للمثليّين، من أجل مجتمع أفضل؟

الواقع 2

إلى جانب هذا التحليل الاجتماعيّ والثقافيّ، لا يمكن تجاهل الواقع السياسيّ والاقتصاديّ المدنيّ، وخيارات المساهمة الاجتماعيّة المحدودة المفتوحة أمام القطاع الفلسطينيّ الخاصّ، فهذا واقع لا يُسْتَهان به، يفرض على السيّدة جوليا زهر وغيرها من سيّدات ورجال الأعمال، وعلى قيادات مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّة أيضًا، تحدّيات مركّبة يجب عليهم هم أيضًا مواجهتها بحكمة وفطنة، كما واجه المثليّون الفلسطينيّون واقعهم المركّب؛ ففي إسرائيل كما في الولايات المتّحدة ودول أخرى حول العالم، يحصل القطاع الخاصّ على تخفيض ضريبيّ، مقابل التبرّعات الّتي يقدّمها لمؤسّسات المجتمع المدنيّ. وفي إسرائيل يقتصر هذا الإجراء على مؤسّسات مُصادَق عليها بتأشيرة رسميّة من قِبَل سلطة الضرائب، حسب البند 46 من قانون ضريبة الدخل. ومن الصعب جدًّا لمؤسّسة عربيّة الحصول على هذه التأشيرة، والّذي يحصل عليها عادة مؤسّسات كبيرة جدًّا، مع ميزانيّات ضخمة تستوفي شروطًا عديدة تُعَدّ تعجيزيّة للمؤسّسات العربيّة، وتمنعها من الحصول على هذه المكانة، وعلى التبرّعات من القطاع الفلسطينيّ الخاصّ المعنيّ فيها. ولا بدّ من أنّ "الأجودا"، الّتي نالت دعم شركة "طحينة الأرز"، مُصادَق عليها من قِبَل سلطة الضرائب، ومن ثَمّ لا بدّ من أنّ الشركة نالت حصّتها من التخفيض الضريبيّ، ممّا هو ليس بالإمكان تحقيقه في حالة "القوس"، أو في حالة 99% من المؤسّسات الأهليّة العربيّة الأخرى.

الواقع 3

على فرض أنّ هذه الخطوة خطوة تسويقيّة مدروسة، وإن لم تكن مخطّطًا لها، لكنّها بالتأكيد ليست عفويّة، فإنّ ردود الفعل الّتي أثارتها محلّيًّا وعالميًّا، ما هي إلّا صفعة مدوّية للحراك المثليّ الفلسطينيّ بعامّة، ولكلّ مثليّ فلسطينيّ بخاصّة؛ فما المثليّة والمثليّون الفلسطينيّون والعرب في هذه الخطوة إلّا سلعة، تخضع لحسابات الربح والخسارة الماليّة البحتة، وسوف تُتَرْجَم لاحقًا في سجلّ المبيعات للشركة على الأغلب، في السوق الإسرائيليّة وفي الأسواق الخارجيّة. وللأسف، فالضرر قد حصل ولا عودة عنه حتّى لو سحبت الشركة دعمها عن "الأجودا"، لكنّ الضرر لن يُمْحى؛ فاستفزاز المجتمع المحلّيّ بالسجّادة المثليّة الحمراء "ليثور" بعضٌ منه كما هو متوقّع، فتتجلّى "طحينة الأرز" على أبواب الأسواق العالميّة، الّتي تطمح إليها كملاك طاهر ضحيّة في ذاته، وفادٍ للمثليّ الفلسطينيّ. وبينما تلمع علامتها التجاريّة على خلفيّة الرجعيّة "الشرقيّة" و"الإسلاميّة" المستفزَّة، بحماية "قوّات الأجودا" الإسرائيليّة، فما هذا إلّا ترويج تجاريّ بواسطة أرخص أشكال الاستشراق وأدناها. وبينما سوف تسجّل الشركة أرباحًا، وسترتفع أسهمها في الأسواق فعليًّا ومجازيًّا، يبقى المثليّ الفلسطينيّ وحده في مواجهة الهوموفوبيا المستفزَّة والمتأجّجة. وعلى الرغم من أنّ الضرر من ورائنا، ولا يمكن إعادة إصلاح ما حدث، إلّا أنّ تراجع شركة "طحينة الأرز" عن دعمها "للأجودا" ما زال مطلوبًا على الأقلّ؛ كي يحفظ المثليّ الفلسطينيّ ماء وجهه أمام العالم، ويحافظ على فخره بمجتمعه وبما أنجزه خلال عقدين من الزمن. أمّا عدم التراجع فما هو إلّا كسرة خاطر ومذلّة وازدراء للمثليّ الفلسطينيّ، ولصوته الواضح والأصيل المسموع بدون أيّ التباس، أو تأتئه في رسالة "القوس". 

(من هون وبشكل شخصي، بقول لـ "طحينة الأرز": برافو، بسّ وجّعتينا)!   

الواقع 4

الصفعة الّتي تلقيناها من شركة "طحينة الأرز" مدوّية، ليس فقط لأنّها تدعم "الأجودا"، الندّ اللدود للمثليّين الفلسطينيّين، بل لأنّها أيقظتنا على واقع من فراغ كبير، خلّفته وراءها المؤسّسات المثليّة الفلسطينيّة، فـ "طحينة الأرز" ليست الوحيدة الّتي توجّهت إلى "الأجودا"، إنّما العديد من المثليّين والمثليّات والمتحوّلين والمتحوّلات الفلسطينيّين، يتوجّهون إلى "الأجودا" وإلى مؤسّسات مثليّة إسرائيليّة أخرى، وتحديدًا إلى مؤسّسات الشبيبة، حيث إنّ المؤسّسات الفلسطينيّة ليست عنوانًا بالنسبة إليهم، وليس لها ما تقدّمه لهم. وللحقيقة والواقع، فإنّ المثليّ الفلسطينيّ الموجود في ضائقة حقيقيّة ليس له إلّا الشارع أو المؤسّسات الإسرائيليّة.

أمّا المؤسّسات المثليّة الفلسطينيّة بنمط عملها الحاليّ، فهي إمّا غائبة وإمّا عاجزة؛ فـ "أصوات"، على سبيل المثال، تفتقر إلى أبسط المقوّمات الإنسانيّة للتعامل مع المتوجّهين الموجودين في ضائقة، ورغم تحاملها الحاليّ على "الأجودا" وعلى الغسيل الورديّ، إلّا أنّها توجّه بذاتها مَنْ يتوجّهون إليها "للأجودا"، وأقول هذا بناء على تجربة شخصيّة من السنة الماضية، حاولت من خلالها مساعدة متحوّلة فلسطينيّة وجّهتها إليّ نسويّات إسرائيليّات، وادّعت هذه الفتاة أنّها توجّهت إلى "أصوات"، لكنّهم "رفضوها وسكّروا التلفون بوجهها"، فتوجّهت بذاتي إلى "أصوات" كي أستفسر عن الموضوع، فكان الجواب بأنّها "إنسانة صعبة، وكان يصعب التعامل معها"، وبالفعل لقد وجّهوها بأنفسهم إلى "الأجودا"، و"حتّى ‘الأجودا‘  ما قدرت تساعدها"، حسب أقوالهم ولتبرير عجزهم.

أمّا "القوس"، فهي أيضًا عاجزة عن دعم الأشخاص المثليّين الموجودين في ضائقة، وقدرتها على التدخّل والمساندة محدودة جدًّا. وخلافًا "لأصوات" الفجّة، فإنّ "القوس" تبرّر عجزها هذا بخيار وبقرار إستراتيجيّ للمؤسّسة، وأقول هذا أيضًا بناء على تجربة شخصيّة، وعلى محاولات تدخّل سابقة مشابهة للحالة أعلاه.

لكن في الوقت الّذي تعجز فيه "القوس" عن التدخّل ومساندة المثليّ الفلسطينيّ الموجود في ضائقة، إلّا أنّها لا تتوانى عن التحامل على المثليّين الفلسطينيّين المتوجّهين إلى المؤسّسات الإسرائيليّة أو العاملين فيها، بادّعاءات الغسيل الورديّ والأسرلة، وهي وصمة لا يريد "المثليّ الفلسطينيّ الحرّ" التلطّخ بها!

وقد تكون فترة عقدين من الزمن فترة تأسيسيّة، ولهذا الحراك إنجازات عديدة أيضًا لا أتجاهلها ولا أستهين بها. لكن لا يمكن لهذه المؤسّسات أن تعفي نفسها بهذه السهولة من المسؤوليّة، عن الواقع الّذي أخذت على عاتقها تغييره، وعن الفراغ الفعليّ الّذي خلّفته في حياة المثليّ الفلسطينيّ الّذي لا يتقن مناظراتها.

نقاط التفاؤل

صراحةً، أفضل ما حصل في هذا الموضوع هو الكمّ الكبير من الدعم الهائل للمثليّين، الّذي صدر عن العديد من الناس، ومنهم الشخصيّات القياديّة والاعتباريّة. وبشكل شخصيّ، أنا أعتزّ بكلّ مَنْ عبّر عن دعمه، وعن مناهضته لرهاب المثليّة بشكل علنيّ وواضح. أنتم فعلًا مَنْ يثبت أنّ مجتمعنا يستحقّ وبجدارة. أنتم المصدر الوحيد للفخر والعزّة في هذه القصّة، على اختلاف مواقفكم وآرائكم.   

بالنسبة إلى المتابعين لخطابات الكراهية الصادرة عن أشخاص عديدين (مثل معاذ الخطيب واخرون)، فصراحةً كلّي رأفة تجاه المثليّين في صفوف هذا الجمهور، بعضهم لم يسمع قطّ عن وجود للمثليّين أو لمؤسّسات داعمة لهم، وقد تكون خطابات الكراهية هذه بمنزلة صدع في جدار العزلة الّذي يعيشه المثليّ، إلى أن يكتشف أنّه ليس "الشاذّ" الوحيد في هذا العالم، وأنّ العالم مليء "بالشواذّ" من أمثاله.

على الرغم من نقدي الحادّ لِما جرى، لكن أعتقد أنّ جوهر السيّدة جوليا زهر، وجوهر الأشخاص القيّمين على شركة "طحينة الأرز" جوهر طيّب، وكلّي أمل في أن يتراجعوا عن هذه الخطوة.

دروس مستفادة وأمور يجب المباشرة في العمل عليها

أوّلًا: على قيادات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، ورجال الأعمال في القطاع الخاصّ، التعاون والمبادرة إلى إقامة صندوق عربيّ يعمل على استيفاء شروط سلطة الضرائب ومعاييرها؛ للحصول على تأشيرة الخصم الضريبيّ، حسب البند 46 من قانون ضريبة الدخل، ليجمع هذا الصندوق رأس المال المحلّيّ من القطاع الخاصّ، وتوزيعه على مؤسّسات المجتمع المدنيّ الصغيرة، الّتي لن تستوفي بقواها الذاتيّة المعايير للحصول على هذه التأشيرة.

ثانيًا: على المؤسّسات المثليّة الفلسطينيّة تدارُك الفراغ المتروك في الحقل. وهنا، يأتي دور الجمهور الواسع الداعم والمساند لهذه المؤسّسات؛ فالدعم والمساندة والتصفيق عن بُعْد لا تكفي، والتصفيق لكلّ شيء لمجرّد أنّه صادر عن مثليّ أيضًا لا يكفي. ثمّة حاجة ماسّة إلى النقد والمساءلة حول الإنجازات الفعليّة لهذه المؤسّسات، وما أنتجته خلال 20 عامًا. إضافة إلى أنّ ثمّة حاجة إلى التفاف جماهيريّ واسع حول هذه المؤسّسات؛ لتعزيز قدرتها على تطوير آليّات تدخّل ومساندة، للإجابة على احتياجات الأفراد المثليّين الموجودين في ضائقة، ولمساعدتها على تخطّي الفجوة، والتغلّب على التحدّيات السياسيّة الفعليّة الموجودة على أرض الواقع، الّتي تفرض على "القوس" - على سبيل المثال - خياراتها الإستراتيجيّة. وفي المقابل، على هذه المؤسّسات أن تقرّ بالضرورة والحاجة الإستراتيجيّة إلى تنوّع أنماط العمل؛ وهو ما يتطلّب منها أن تخفّف من هيمنتها، وأن تكفّ قبضتها ولسانها عن كلّ ما هو مختلف عنها.

منذ 20 عامًا مضت، شاركتُ في إقامة إحدى هذه المؤسّسات؛ لتأخذ بشكل جماعيّ ومؤسّساتيّ زمام الأمور، والعمل على إيجاد حلول واقعيّة ملائمة يمكن تحقيقها، لكن للأسف مضى 20 عامًا، وانشغلت فيها هذه المؤسّسات بأمور مهمّة عديدة، وكانت جميعها بعيدة كلّ البعد عن واقع المثليّين الفلسطينيّين الموجودين في ضائقة. وفي الواقع لم يبقَ لهؤلاء إلّا "الأجودا" ومؤسّسات أخرى شبيهة، وفي الواقع حتّى "الأجودا" وما شابهها، لا تضمن للمثليّ الفلسطينيّ الأمان وعدم الانزلاق إلى الشارع.  

وبدلًا عن هذه الصفعة المدوّية الّتي تلقيناها من "طحينة الأرز"، وهي كما قلت في البداية خطوة كان من المفروض أن نفرح ونعتزّ بها، لكنّها في الواقع كانت مؤلمة للغاية، بدلًا عنها، كنت أودّ لو أرى التفافًا من القطاع الفلسطينيّ الخاصّ، وعلى رأسهم شركة "طحينة الأرز"، ولفيف من قيادات المجتمع المدنيّ؛ لإيجاد حلول قابلة للتنفيذ، ولدعم متناسق ومتكامل يتلاءم مع احتياجات الشبيبة الفلسطينيّة الموجودة في ضائقة، على خلفيّة توجّهاتها الجنسيّة. فإلى جانب الضائقة النفسيّة، غالبًا تكون هذه الضائقة مادّيّة أيضًا؛ إذ قد يُطْرَد الفتى من البيت، أو قد يهرب منه، للابتعاد عن التنمّر والتعنيف، وقد يُحْرَم من مصروفه، أو من هاتفه، أو القسط الجامعيّ لمتابعة تعليمه، وغيرها من ضغوطات وعقوبات نفسيّة ومادّيّة تواجه المثليّين اليافعين في بداية طريقهم؛ وهو ما قد يكون له الأثر البالغ في حياتهم وفي مستقبلهم. وإلى جانب هذا، وعلى الرغم من كلّ ما قيل، فإنّ "الأجودا"، بالتأكيد ليست المكان الحريص على نشأة أبنائنا وشبابنا.


محاربة الغسيل الوردي تبدأ بإحتضان المجتمع الفلسطيني لأبنائه وبناته

الغسيل الوردي – هو استغلال التسامح في قضايا المثلية الجنسية من اجل الترويج لتوجه ليبرالي والتغطية على جرائم أخرى. مثال على ذلك هي حال إسرائيل مع المثليين الفلسطينيين فهي تستغل ضائقة المثلي في المجتمع الفلسطيني لتروج ذاتها كليبرالية متحررة ومنقذة للمثلي الفلسطيني من مجتمعه متغاضية عن الجريمة الأكبر وهي جريمة النكبة والتطهير العرقي للفلسطينيين والاحتلال.

لماذا وردي - لأن اللون الوردي هو أحد رموز مجتمع الميم حيث استعمل النظام النازي المثلث الوردي المقلوب للإشارة للمثليين والمثلث الأسود المقلوب للإشارة الى المثليات وقد قام النظام النازي بالعمل على ابادتهم خلال المحرقة تماما كما حاول إبادة اليهود والغجر وأصحاب الاعاقات الجسدية.

لماذا على المجتمع الفلسطيني ان يحتضن ابناءه؟ لأنه اللي بدوش يحتضن أبنائه ما يجيب أولاد على الدنيا أحسن. ففي اللحظة اللي قررت فيها ان تنجب ولد او بنت يجب ان تأخذ بعين الاعتبار انه في احتمال اولادك يكونوا مثليين وفي احتمال تكون روحهم منفصلة عن جسدهم وان يشعروا بالغربة تجاه ذاتهم فهم متحولين. ليش؟ فش سبب. هذا امر طبيعي جدا ويحدث في كل ثقافات العالم وفي كل الأزمنة من بداية التاريخ الى اليوم. ولاء من الآف السنين المثليين ما انقرضوا ولا راح ينقرضوا وما اختفوا من العالم ولا راح يختفوا لأنه في مشكلة او مفاجئة لازم اقلك إياها، انه الأولاد المثليين بيخلقوا من أم وأب غيريين، فكل ما في ناس غيريين بتجيب أولاد على العالم فنسبة معينة من هاي الخلفة راح تكون مثلية. فكل هاي احتمالات لازم تأخذها بعين الاعتبار. وانه تجيب ولد او بنت على الدنيا فهاي مسؤولية، ولاء مش مسؤوليتك تربي "صح"، لأنه المثليين والمثليات في الهم كثير اخوة واخوات تربوا بنفس الطريقة وما طلعوا مثليين، ففش غلط بالتربية والميول الجنسية ما بتتعلق بالتربية. بس الصحة النفسية لابنك او بنتك بتتعلق بالتربية. الابن او البنت اللي اهلهم رافضينهم ورافضين يتقبلوهم بيعانوا من الرفض وليس من الميول الجنسية المختلفة. ممكن ترفض ابنك لكثير أسباب غير ميوله الجنسية، وممكن تقرر إنك تحب ابنك وتتقبله في كل الاحول وبالرغم من ميوله الجنسية. إذا لاء فأفضل كان لو ما تجيب أولاد على الدنيا. إذا جبت أولاد على الدنيا عشان تحبهم فحبهم. اما إذا جايب أولاد على الدنيا عشان ترضي المجتمع فيهم فلا فيك ولا في خلفتك، وولا فيك وولا في تربيتك، انت مش عم تربي انت عم تقمع اولادك حتى ترضي المجتمع، فاذا عشان هيك جبت أولاد – عشان تقمعهم - فأفضل لو ما جبت بس إذا بدك تحبهم وتحويهم وتدعمهم بكل الاحول فتفضل جيب أولاد.

وكل مرة بتفكر إنك "راح تعرف تربي صح" اسأل حالك قديش انت بتحب ابنك وبالمقابل قديش انت خايف من المجتمع؟ إذا انت خايف من المجتمع أكثر فما تستقوي على ابنك عشان "تربيه صح" انما قوي حالك انت حتى توقف قدام المجتمع.

وانشالله ما يطلع ابنك مثلي، يعني يا ريت فحياة الغيريين كثير اهون، بس إذا بنتك او ابنك مثليين فتذكر انه هني بأمس الحاجة الك حتى تدعمهم وتكون سند الهم بمواجهة تنمر أولاد صفهم وولاد الحارة وربما المعلمين ومراق الطريق اللي بقرر يستلبسهم او غيرهم، فاذا انت ما وقفت جنب ابنك هاي بتكون اول خيانة بحس فيها الولد، ومن هون بتبداء ضائقته، انه الناس اللي مفروض انهم اول ناس يحبوه هني اللي عم بديروا ظهرهم اله وبرفضوه. اما إذا انت كنت قوي وقررت توقف جنب ابنك فالولد راح يقدر يواجه التنمر لأنه مش راح يكون لحاله.

وإذا ابنك او بنتك لسا صغار والرسائل اللي عم تعطيهم إياها بالبيت هي رسائل رافضة وكارهة للمثليين، فالله يعينهم لإنه اسواء شي لطفل مثلي ان يربى بهيك أجواء اللي بتعلمه من هو وصغير انه يكره حاله. وطبعا ممكن يكون ابنك مثلي. ولاء تربيتك مش راح تردعه عن الموضوع بس راح تزيد من معاناته. لأنه لما يكبر ويستوعب انه مثلي، يعني بجيل سبع سنين تقريبا وأحيانا قبل، راح يستوعب انه هاد الايشي المنبوذ والمرفوض والمكروه هو هو بدون ما حتى يعمل ايشي، وعلى الاغلب راح يرفض ويكره حاله قبل ما انت تكرهه. فحب ابنك لو سمحت أكثر من خوفك من المجتمع، هاي هي مسؤوليتك تجاه اولادك وتجاه المجتمع.

34 مؤسسة وجمعية فلسطينية طلعت بصوت واحد جماعي واضح ومسؤول، انت مش لحالك وبتقدر توقف مع ابنك.  

بيان الجمعيّات الفلسطينية تجدونه هنا. 



الجمعيات الموقعة:
أذار: المنتدى المهني لمحاربة جرائم قتل النساء
أصوات- المركز النسْوي الفلسطيني للحريّات الجنسيّة والجندريّة
أرفض شعبك يحميك
اعلام: المركز العربي للحريات الاعلامية والتنمية والبحوث
الجذور الشعبيّة المقدسيّة
الزهراء للنهوض بمكانة المرأة
السوار- حركة نسوية عربية
القوس للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني
المركز الفلسطيني للإرشاد
المنتدى الاقتصادي العربي
المنتدى العربي لجنسانية الفرد والأسرة
المركز العربي للتخطيط البديل
انجاز: المركز المهني لتطوير الحكم المحلي للسلطات المحلية العربية
جمعية الجليل-الجمعية العربية القطرية للبحوث والخدمات الصحية
جمعية الثقافة العربية
جمعية الشباب العرب- بلدنا
جمعية انتماء وعطاء
جمعية تشرين
حراك حيفا
حركة النساء الديمقراطيات
حملة- المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي
رابطة السيكولوجيين العرب
رابطة خريجي معاهد و جامعات روسيا والاتحاد السوفييتي
عدالة: المركز القانوني لحقوق الأقلية القومية في إسرائيل
كيان- تنظيم نسوي
لجنة متابعة التعليم العربي
مركز الطفولة مؤسسة حضانات الناصرة
مركز المرأة للارشاد القانوني والاجتماعي
مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل
مسار مركز للتربية
منتدى معا للنساء البدويات في النقب
نساء ضد العنف
مركز الدراسات النسوية في القدس
نعم- نساء عربيات في المركز

تجليات النكبة في سريالية الناصرة

اروما هي شبكة مطاعم-قهوة سريعة تشبه بطابعها شبكة Starbucks العالمية. تتميز بتحضير الأكل السريع، 50% من مبيعاتها او ربما اكثر Takeaway، وتعتمد على الخدمة الذاتية self-service. 

الناصرة لخصوصيتها السياسية والاجتماعية تحدث فيها مشاهد سوريالية يومية والمشهد في اروما نتسيريت عيليت هو احدها. لأنعدام القهاوي الشعبية في البلد مثل قهوة ابو سالم في سوق الناصرة القديم، ولانعدام التجارة والحركة الشعبية في السوق فالسوق "ميت" واغلب حوانيته مغلقة منذ العام 2000، انتقلت الحركة الى المراكز التجارية الحديثة، المجمعات التجارية او المولات. انشأت هذة المولات على الحد الفاصل بين مدينة الناصرة وبين المدينة الاسرائيلية نتسيرت عيليت التي انشأت عام 1956. بينما تتبع هذة المولات لنتسيرت عيليت يأمها الجمهور الجمهور النصراوي الذي نزح عن سوق الناصرة تحت وطأءة ظروف سياسية-اجتماعية لن اخوض فيها هنا.

خلافًا للأسواق الشعبية تتميز المولات بملكية خاصة لمساحة كبيرة يفرض خلالها مالك المول الطابع الثقافي والفيزي والمناخي للحيز. الموسيقى ودرجة الحرارة وتصميم الواجهات كلها تتم بتناسق مع توجيهات المالك العام. عادة ما تقام هذة المولات بابنية كبيرة مغلقة تماما الى الخارج، بدون شبابيك او مداخل غير المداخل الرئيسية، ومفتوحة تماما الى الداخل، ابواب حوانيتها زجاجية تؤمن رؤيا قصوى للناظر الى الداخل. بتصميمها الهندسي توجه هذة المولات روادها للتمحور بتجربة مركزية واحدة وهي تجربة الشراء. بالاضافة، تُحكِم المولات السيطرة على المكان وتصادر الحيز العام من رواده فيتحول "السوق" الى ملك خاص لصاحب المول وكل ما يحدث داخله منوط باشرافه وبشروطه. بعض هذة المولات مفتوحة تتوسطها مواقف سيارات والجالس في شرفة المقاهي فيها يجلس امام موقف سيارات شاسع يتأمل السيارات الوافدة الى الموقف والخارجة منه. 

اروما نتسيريت عيليت تقع في احد هذة المولات المفتوحة التي يتوسطها موقف للسيارات. بالاضافة الى الجمهور المتوقع في اروما عامة، اروما نتسيرت عيليت يأمها بأستمرار رجال نصراويون من جيل 45 واكثر، يجلسون فيها ويتسامرون كما لو كانوا يجلسون في قهوة شعبية. لكن اروما ليست قهوة شعبية وهنا تكمن سريالية الموقف. حتى اليوم لم يروق لي هذا المشهد المختلف عن المشهد المتوقع، تقبلته لكن لم افهمه واكتفيت بمقولة "الاشخاص الغلط في المكان الغلط" (the wrong people in the wrong place).


الناصرة مدينة منكوبة وتجليات النكبة فيها يومية. لا يمكن ان نفهم ما يحدث فيها دون الاقرار بهذة الحقيقة وقراءة الناصرة من خلالها. في الأمس قمت بزيارة السوق. [هيك من فترة لفترة بحن له وبروح ازوره مثل ما منزور امواتنا لعلهم يقومون من سباتهم، وفي كل مرة بتعرف على جانب جديد منه وبالتقي باشخاص جدد، وهذة المرة تعرفت على مقهى ابو سالم وعلى وسام ابو سالم، طلعنا قرابة J]، وفي حديث حول المقهى تاريخه وحاله اليوم فهمت ما يحدث اليوم في اروما نتسيرت عيليت. بعد زيارة قهوة ابو سالم في تعلمت ان احب الرجال الذين يأمون اروما، فهم مثلنا جميعًا منكوبين، وتتجلى نكبتهم المتراكمة بإنعدام القهاوي الشعبية في البلد ومصادرة مجازية لملكيتهم المجازية على الحيز والمكان. وفي لحظة واحدة فهمت ان كل ما يحتاجه الرجال العرب في اروما نتسيريت عيليت الى جانب الهافوخ (الكابوتشينو) والكوراسون سلمون مع  شمنت (القشطة) لاستعادة الملكية المجازية على المكان هو طاولة شيش بيش وشدة (ورق كوتشينة) وهو ما يميز القهاوي الشعبية التي يفتقدها رجال الناصرة لكي يكونوا "الرجال الصح في المكان الصح" خارج سوريالية المكان.

---

قهوة ابو سالم - 
قهوة شعبية في سوق الناصرة تجذب اعين السائحين والزوار.