نحو أقتصاد بديل - الثورات العربية، تنمية أقتصادية وأفاق بيئية

اولا اود ان ابدأ بأن الثورات العربية هي ثورات مختلفة بطابعها اسبابها ومحفزاتها، ربما القاسم المشترك الوحيد بينها جميعا هو الثورة ضد الفساد وضد الأنظمة القامعة. ثورتي تونس ومصر هم الوحيدتين التي برز بهما العامل الأقتصادي كمحفز اساسي للثورة وهنا يجب التنويه بأن تونس ومصر على حد سواء على مدار سنين اتبعتا نموذج التنمية الأقتصادية الرأسمالية المهيمنة وبالرغم من هذا لم تستطيع اي منهم النهوض بشعبها وبأمتها انما زادت من العبئ الأقتصادي على أفرادها.

هنا قد يحلو للبعض توجيه أصبع الاتهام نحو الفساد والتغاضي عن فشل النظام الأقتصادي وانا اتسأل هل من المعقول ان كافة الدول الأفريقية ودول امريكيا الاتينية ودول أسيا والدول العربية كلها تعاني من الفساد بينما الأخلاقيات حصرية على الشعوب الاوروبية ولا سيما الولايات المتحدة، كندا، استراليا ونيوزيلاند؟!! طبعا لا! الفساد موجود لدي كل الشعوب والقضية هي قضية ثغرات موجودة في النظام اصلاً الا ان حدتها لا تبرز في مجتمعات الوفرة والرغد حيث أن كافة الأفراد "اياديهم طايلة" غالبيتهم من عملهم (لكن تعب وعرق جبين الشعوب المستضعفة) وقلة منهم من الفساد السياسي... وكذلك الامر لدى الدول الفقيرة فبعضهم "اياديهم طايلة" بسبب الفساد السياسي وغالبيتهم يتعب ويشقى ويعرق لكن تصب الأرباح في جيوب رؤوس الأموال المتواطئة مع الأنظمة الفاسدة مما يزيد من حدة الفساد وعلى الأغلب تكون رؤوس الاموال هذة خارج الدولة بينما قلة منها قد تكون محلية.

في العام 1965 كتب كيلفورد جيرتس عن المجتمع الاندونيسي الذي وقع تحت وطئة الاستعمار الاوروبي (بورتغالي، اسباني، هولندي، وانجليزي) منذ القرن السادس عشر حتى القرن العشرين حيث تلقت اندونيسيا أستقلالها في العام 1965 بعد 6 سنوات من "الديمقراطية الموجهة". يركز جيرتس في كتابه Agricultural Involution، على التنمية الزراعية الاقتصادية لأندونيسيا ويكشف كتابه مكانيكية الاستضعاف حيث قام المستعمرون بأشكال متفاوتة بتوجيه الزراعة المحلية نحو الأسواق الاوروبية لتزود السلع الاوروبية المطلوبة كالقهوة وغيرها، الا ان إتباع المستعمرون لنظام أقتصادي ثنائي يكون فيه التصدير بخسا والاستيراد نفيسا أدى الى بذل جهد كبير في الأنتاج الزراعي الموجه للأسواق الخارجية على حساب الزراعة لتوفير الغذاء المحلي. طبعا بما ان استيراد الغذاء كان مكلفا فكان رد فعل المجتمع الاندونيسي زيادة في عدد السكان حيث يذهب بعضهم للعمل في الزراعة الموجة الى الخارج والاخر يعمل في الزراعة لتوفير الغذاء المحلي، لكن بما انه العمل في الزراعة الموجهة الى الخارج مربح أكثر فأن غالبية المزارعين فضلو ويفضلو التوجه للعمل بها ومرة أخرى كانت ردة فعل المجتمع الاندونيسي زيادة السكان لتوفير الأيدي العاملة في القطاعين لكن قطاع التصدير الزراعي أستقطب العمال المرة تلو الأخرى وحصل على الكم الاكبر من الأيدي العاملة ومرة تلو الأخرى بقيت أندونيسيا بدون أيدي عاملة لتوفير الغذاء المحلي ودواليك... وتعتبر أندونيسيا اليوم أكثر الدول التي تعاني من التضخم السكاني في العالم.

قبل العودة الى الثورات العربية اود التنويه بأن قضية التضخم السكاني تعتبر احدى الكوارث البيئية، لكن لنذكر اولأ بان 80% من أفات العالم البيئة ناتجة عن 20% من سكان العالم وهم ليسو من الفئة التي تعاني من التضخم السكاني. ثانياً قضية التضخم السكاني هي قضية حديثة وترتبط جذورها بالثورة الصناعية وبالأقتصاد الرأسمالي وقد يحلو للبعض تفسيرها كنتاج لتطور الطب لكن يجب الانتباه بان الطب الحديث المتداول اليوم تطور في العالم الغربي ومناليته في العالم الغربي هي أسهل بكثير من العالم الثالث "المريض والجوعان" وبالرغم من هذا فأن العالم الغربي لا يعاني من تضخم سكاني بل على العكس اما العالم الثالث "المتضخم" فهو يعاني الجوع والمرض ولا يوجد له ما يكفي من المال لكي يأكل ولا ما يكفي من المال لكي يشتري الدواء. وكلنا يعلم ان الأسواق الأوروبية الزراعية والطبية تفضل أن ترمي منتوجاتها بالماء، (فتحتضر أفريقيا على سبيل المثال من الجوع ومن الأيدز)، على أن ترخص أسعارها. ومن هنا فأن قضية التضخم السكاني على كونها كارثة بيئية الا انها قضية أستغلال وفجوات أقتصادية أجتماعية قبل أن تكون تكون مسألة جودة حياة أو قضية طبية.

عودة الى الثورات العربية وأخص منها كما ذكرت سابقا مصر وتونس حيث برز العامل الأقتصادي كأحد المسببات الرئيسيه لهاتين الثورتين. في الأيام الأخيرة تعلو العناوين قضية رفض مصر للتمويل من قبل البنك الدولي مما يدعو للتفائل ويدل على توجه نحو تنمية أقتصادية بديلة. يمكن معاينة بعض العناوين هنا: مصر ترفض دعم البنك الدولي ، مصر لا تحتاج الى تمويل من البنك الدولي

طبعا الملمين في الموضوع يعلمون ان نماذج أقتصاد اسلامية قد تعطي نموذج بديل لنموذج النظام الأقتصادي الرأسمالي - لاحقا نشر جواد البشيتي مقاله الناقض للأقتصاد السياسي الأسلامي في موقع الحوار المتمدن - تجدونه هنا: الأقتصاد السياسي الأسلامي – حديث خراف!

في خلاصة الحديث اوافق البشيتي بنقده محاولات الألتفاف على الاسس الأسلامية لمحاولة تشريع الربا وهنا اريد ان اربط موضوع الربا والأقتصاد الأسلامي بالقضايا البيئية على أمل ان استطيع القيام بذلك بشكل مبسط وسهل للقارئ.

أول شيئ من المهم ان نعي ان الربا (الفائدة المالية) هي أفة الأقتصاد الرأسمالي بيئياً واجتماعياً حيث تنتج قيمة من لا شيئ، أي انها تتنتج أموال من لا شيئ، - قيمة بدون عملية انتاج - وهذة هي فقاعات النظام الرأسمالي!! من ناحية هي تقييم العمل بواسطة المال، لكن عملية انتاج المال غير مرتبطة بالعمل حيث يمكن انتاجها من وهم ارباح مستقبلية لم تُحَصل بعد (هكذا تعمل البورصة على سبيل المثال وهي المصدر الاساسي للفوائد المالية). وهذة هي الآفة الاجتماعية حيث تخلق الفروقات المادية الشاسعة بين من يعمل جاهدا وبالكاد يحصل على الحد الأدنى من الأجر ومن لا يعمل انما يراوغ النظام فيدر منه ارباحا بلا عمل أو انتاج. اما بالنسبة للأفة البيئية فأن عملية انتاج المال الغير محدودة ترتبط بعملية أستهلاك غير محدودة (لمن يوجد لديهم المال طبعا) في عالم محدود وموارده محدودة.

لا يوجد أستهلاك شيئ من لاشيئ – كل الامور التي نستخدمها أو بالأصح نستهلكها - عملية انتاجها ونقلها الينا أحتاجت الى كم معين من الأرض وكم معين من الهواء والماء والطاقة وهذة كلها امور محدودة – لكن المال غير محدود والاستهلاك غير محدود. ومن هنا فأن عملية الأستهلاك غير محدودة وغير مرتبطة بمحدودية الموارد البيئية او بقدرة الكرة الأرضية على تلبية متطلبات هذا النمط من الاستهلاك، لكن الكرة الارضية هي مكان محدود جدا وليس كما يحلو للبعض تخيله كمصدر موارد لا نهائي.

انتاج أموال خيالية وغير واقعية (بسبب الربا) يعني توفير الأمكانية لعملية أستهلاك غير محدودة وغير واقعية. فاذا طمح كافة البشر بداخل النظام الرأسمالي الموجود للحياة بمستوى المعيشي الأوروبي (ويطمح كافة البشر الى ذلك) فأننا سوف نحتاج الى اربعة كريات أرضية ونصف لتحقيق ذلك - وطبعا هذا الأمر غير ممكن لأنه لا يوجد لدينا غير كرة أرضية واحدة فقط، فتكون النتيجة ارتفاع اسعار مستمر وغير محدود - لا سقف له – وللسخرية أن الحكومات التي تتبع النظم الرأسمالية تعتبر هذا نجاح ونمو أقتصادي.

وفي سياق النظام الاقتصادي الراهن تبقى الفروقات الاجتماعية بين الدول المختلفة كبيرة ولا يمكن التجسير عليها لأنها مرهونة بتنازل البعض (الاوروبيين أو الرابحين حتى الأن) عن امتيازات أقتصادية وكل محاولة للتنمية من خلال هذا الأقتصاد هي وهم بحت ليس له سبيل للنجاح وبكلمات أخرى ليس له اي صلة بالواقع، فهل دون التاريخ نجاح دولة عالم ثالث أستطاعت ان تخرج من الفقر الملازم لها أو أستطاعت أن تتغلب علىه بتبعيتها لهذا النظام؟!!!.... لا.... لان الأمكانية غير واردة – وعلى الطريق لتحقيق هذا الوهم نستهلك الكرة الأرضية حتى أخر قطرة وأخر نفس. وطبعا بعض الناس تستهلك اكثر وبعضها تستهلك أقل – لكن كلنا نتزاحم في هذا السباق... وكأن نمط الحياة الاوروبي الأجتماعي والأقتصادي والبيئي هو أحسن نمط ويخلو من المشاكل. وقد ينظر البعض لحياة الاوروبين ولا سيما في الولايات المتحدة كندا واستراليا ونيوزيلاند وتفتنه الوفرة ورغد الحياة لكن يجب ان لا ننسى ان هذة الوفرة ليست نتاج النظام الأقتصادي الرأسمالي انما هي نتاج لغنائم الأستعمار ونهب الأيدي العاملة والمصادر البشرية، (كالعبودية الأفريقية وغيرها)، والموارد البيئية ولا سيما الزراعية منها بأبخس الأسعار.

الأسلام يحرم الربا ومن هنا الأمل في نظام أقتصادي بديل، لكن من مقالة بشيتي يستدل ان الطروحات الاسلامية الأقتصادية لا تلتزم هذا المبداء انما تحاول التحايل عليه فتستبدل الربا بقيمة ايجار للمال الى ان يعود الى مالكه - للأسف عملية الايجار هذة هي ذات الربا لكن تحت أسم اخر ومن هنا فهي تحلل الربا وتفقد بعض الطروحات الأسلامية الأقتصادية مصداقيتها - وما زال البحث مستمر - والمطلوب نظام أقتصادي بديل يخلو من الربا وأشباهها، يعتمد التنمية بالانتاج المحلي والأعتماد على الذات.



© حقوق النشر محفوظة


نسرين مزاوي – ناشطة نسوية ومستشارة بيئية حاصلة على اللقب الاول في علم الاحياء واللقب الثاني في الإدارة البيئية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق