بما إنه تعوّدنا على توظيفات نص "العهد القديم" في الخطابات
الشعبوية لنتانياهو، وبما إنه توظيفاته دايمًا منقوصة أو خارجة عن سياقها، فهاي
المرّة (ومش أول مرّة الصراحة) قلّلت عقلي (والتنبيش ورا نتانياهو وصحّة أقواله دايمًا قلّة عقل ومضيعة للوقت)، وروحت أفحص شو قال النبي عاموس!
اتّاريها بتطلع نبوءة عاموس من أولها لآخرها
نبوءة غضب على بني إسرائيل، وشو مش حيالله غضب؛ قال بالنار بده يحرقهم، وبالسيف
بده يبيدهم ولا بده يخليلهم ولا يبقيلهم. الصراحة لازم تقرؤوا النص بنفسكم عشان
تشوفوا الدُرر اللي بوصفها عاموس.
وبما إنه السِفر قصير نسبيًا (30 دقيقة قراءة)،
وبما إنه من الإصحاح الثاني للإصحاح التاسع مليان فقرات بتسوى الاقتباس، فقرّرت أجيب السفر كامل حتى تقرؤوا الدُرر من مصدرها الأول.
ملاحظات مهمة:
Ü "الأسد الذي يزأر" هو تشبيه ورد على لسان النبي عاموس، يصف به غضب الله على إسرائيل؛ أي إن عاموس شبَّه الله بالأسد الغاضب الذي يزأر، ولا يزأر الأسد بلا سبب (عاموس 3: 4). أمّا نتانياهو، يقتبس سِفر عاموس ليقول إن شعب إسرائيل هو الذي يزأر!
Ü في بداية السِفر، كما هو شأن أسفار العهد القديم عمومًا، يلعن الله الشعوب الأخرى، التي كانت آنذاك وثنيةً، وذلك بسبب وثنيتها. لكن العهد القديم في غالبيته العظمى، يتكون من نبوءات غضبٍ ولعنات ينزلها الرب ببني إسرائيل ويعاقبهم بأشدّ العقوبات؛ فهو اختارهم لحمل رسالة التوحيد، لكنهم، بشكل متكرر يرفضون خيار الرب وينحرفون عن تعاليمه، ويرتدّون عن دعوة التوحيد ويعودون إلى الوثنية.
Ü في نهاية السِفر (عاموس 9: 11-15)، تَرِد نبوءة عاموس بإعادة إقامة "مسكن داود المنهدم". بحسب التفسير المسيحي، تُفهم هذه النبوءة على أنها بشارة بمجيء المسيح (وهو من بيت داود)، وبمجيئه "يرث الأرض" الصالحون الذين بقوا من بني إسرائيل، والمؤمنون من جميع الأمم الذين دُعي اسمُ الرب عليهم. والأرض في العهد القديم، وفقًا للديانة المسيحية، هي رمزٌ للخلاص، وليست قطعة أرض هنا أو هناك. وبمجيء المسيح، وفقًا للقراءة المسيحية، عُمِمَ الوعد بالخلاص على كل الأمم وناله جميع المؤمنين به؛ وهذا عمليًا هو الفرق بين "العهد القديم" و"العهد الجديد". ففي العهد القديم، أُنيطت ببني إسرائيل مهمة حمل رسالة التوحيد إلى سائر الأمم؛ إذ اختارهم الله ليحملوا الرسالة، وكان عليهم أن يختاروه إلهًا لهم وألّا يعبدوا سواه كي يتمّ العهد (فكلمة "المختار" في مصطلح "شعب الله المختار" تعود على الله كما تعود على الشعب). لكنهم أخفقوا مرارًا وتكرارًا، فما كان لله في نهاية الأمر إلا أن يرسل المسيح لعلّهم يسمعون. وبمجيئ المسيح تمَّم الله عهده مع البشرية كلها، وبحسب نبوءة عاموس في هذا اليوم يعمّ الخير والخلاص على جميع المؤمنين، ولا يبقى هذا مقتصرًا على شعبٍ بعينه، بل على جميع الأمم.
Ü "مملكة إسرائيل" التي ترد في مقدمة السِفر، ليست مملكة على شكل الدول والممالك التي نتخيلها اليوم. ففي ذلك الوقت كانت الدول هي دول-مدن، بمعنى أن كل مدينة كان لها ملك وأسوار وقوانين، وكانت دولة بحدّ ذاتها. فعلى غرار أثينا وسبارتا عند اليونان القدماء وطروادة في الأناضول، هكذا كانت غزة وعسقلان واشدود واريحا ويابوس ويافا واللد وعكا وصور ودمشق وغيرها.
و"مملكة إسرائيل" في ذلك الوقت هي عبارة عن مجموعة من دول-المدن التي سيطر عليها ملوك إسرائيل، في بعضها أقام بنو إسرائيل وفي بعضها الأخر أقامت شعوب أخرى ودفعت الجزية للمملكة. وبحسب ما جاء في نص "العهد القديم"، مدن الشعوب الأخرى كانت كبيرة وقوية وعظيمة. لكن بشكل عام، في ذلك الوقت، تميزت الممالك بالمد والجزر فتقوى وتتوسع حينًا، وتضعف ويتم احتلالها أو تدميرها حينًا أخر. وإلى جانب ممالك أخرى قامت في البلاد، تميزت فترة الملك يربعام الثاني وهي الفترة التي جاءت بها نبوءة عاموس، كفترة انقسام بين بني إسرائيل، وكان بها مملكتان مملكة إسرائيل في الشمال (مركزها في السامرة وامتدت في اقصى حدود لها الى دمشق وحماة) ومملكة يهوذا في الجنوب (في بيت لحم، وحبرون، وأورشليم). وكما كان الحال مع باقي الممالك، تنازعت هاتان المملكتان فيما بينهم وغزا ملوك الواحدة منهم الأخرى، لدرجة أن يوآش ملك إسرائيل بعد انتصاره على أمصيا ملك يهودا، جاء الى أورشليم وهدم سورها (الملوك الثاني، الاصحاح 14 الآيات 8-13).
وكان يربعام الثاني، وهو أبن يوآش، من أبرز ملوك مملكة إسرائيل، وشهد عصره ازدهارًا اقتصاديًا وعسكريًا، غير أنّ هذا الازدهار ترافق مع انحطاطٍ أخلاقي، تجلّى في انتشار الظلم وعبادة الأصنام والارتداد عن عبادة الله. وتشير الرواية التوراتية إلى أن بؤس شعب إسرائيل بلغ حدًّا عظيمًا، ومع ذلك، لم يشأ الله أن يمحو ذكرهم من الأرض، فخلّصهم على يد يربعام (الملوك الثاني 14: 26-27). غير أن إسرائيل استمرّت في التمادي في خطاياها، ولم يتجاوب الملوك الخمسة الذين جاؤوا بعد ذلك مع دعوة الله، بل كانوا أشرارًا، فكان عقاب الله هو السبيُّ الآشوري لمملكة إسرائيل. وخلال هذا السبي اندثرت أسباط مملكة إسرائيل العشرة، وهي ما يُعرف إلى يومنا هذا بـ "الأسباط العشرة المفقودة"، ولم يبقَ من بني إسرائيل إلا سبطا يهوذا وبنيامين وبعض اللاويين.
Ü اما بالنسبة لمدن الساحل
الجنوبي: غزة وعسقلان وأشدود ويبنه، فهذه كانت مدن-دولًا أقام بها الشعب الفلِسْطيّ،
وبالآرامية (سأعتمد الأحرف العبرية لأجعل الأمر أكثر وضوحًا) פלשתים لأنهم פלשו
מהים أي قدموا من البحر، على ما يبدو من جزيرة كريت
تحديدًا. وبلاد الفلِسْطي سُمّيت "فِلسْطين"! "طين" بالآرامية
تعي أرض، وفِلسطين هي ארץ הפלשתים أي أرض الفلِسْطيّين. لاحقًا في العهد الروماني تم تعميم اسم البلاد فِلسْطين
عل كل البلاد الكنعانية، وفيما بعد بتأثير التعريب (أي التحول من الآرامية
والسريانية الى اللغة العربية) وبتأثير التحولات التاريخية في التنظيم السياسي وفي
المفاهيم السياسية، صار سكان البلاد يدعون فِلسْطينيين (بإضافة نون وياء)، نسبة الى بلد
المنشأ فِلسْطين. ومن المهم أن لا ننسى أن تاريخ فِلسْطين كأرض الفِلسْطيين (بدون
نون وياء) هو تاريخ قديم جدًا، سابق لقدوم سيدنا إبراهيم الى أرض كنعان. بل إنه مذكور
في نص العهد القديم (التكوين 21: 34) أن سيدنا إبراهيم تغرّب في أرض الفلِسْطيين،
وعاش فيها غريبًا حتى مماته.
=======
الملاحظات الواردة أعلاه ليست تلخيصًا لما ورد في سِفر عاموس، إنما هي ملاحظات تمهيدية لتسهيل قراءته.
-
إن أعجبكم النص، من المهم مشاركته مع الآخرين لتجاوز فلاتر الخورزميات الإلكترونية.