مفارقات ما بين يوم الأرض ويوم الأرض

كثيراً ما حثني أصدقاء على الكتابة في القضايا التي تعنيني وهي قضايا البيئة والسياسة والنساء حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، وترددت كثيراً ومانعت فشبكة المعلومات العالمية اليوم مليئة بالمواد حول هذه المواضيع، ولغتي العربية تحتاج إلى التنقيح فلغتي المهنية ليست العربية.

لكن لما لا؟!......

يصادف اليوم 22 نيسان يوم الأرض العالمي، نعم يوم الأرض.... العالمي، لا ليس يوم أرضنا الذي يصادف الثلاثين من آذار إنما يوم الأرض العالمي. يفتتح د. جيرمي برينشطين أطروحته بجملة "مابين يوم الأرض ويوم الكرة الأرضية" وبالأخير يشير إلى يوم الأرض العالمي، "Between Land Day and Earth Day"، حيث يحل الأول في الثلاثين من آذار والثاني في الثاني والعشرين من نيسان. واليوم تعج الرسائل الالكترونية في بريدي الالكتروني حول هذه المناسبة وتعود بي هذه الرسائل إلى المفارقات بين يوم الأرض ويوم الأرض.

فيوم الأرض الأول، وليس الهدف التزاحم على الأسم إنما الوقوف على المفارقات، هو يوم الأرض الذي يرتبط بالذاكرة الجماعية الفلسطينية، وهو يوم نضال فلسطيني قومي حول مصادرة الأرض وتحدي السيادة الأستيطانية الإسرائيلية في الجليل وفيما بعد في النقب أيضا، حيث أعتبرت السلطات الإسرائيلية ازدياد عدد السكان الفلسطينيين في الجليل والنقب خطراً جسيما على الطابع اليهودي للكيان الصهيوني، وتقوم الدولة بمحاربة ذلك بالأستيلاء على ما تبقى من أراض زراعية وبمحاصرة الفلسطينيين أقتصادياً وأجتماعياً، وبتوجيه المهاجرين الجدد للأستيطان في منطقتي الجليل والنقب.

أما يوم الأرض الثاني، وهو تاريخيا أسبق من يوم الأرض الأول، فهو نتاج لتطور وعي بيئي عالمي فقد تم الأحتفاء به للمرة الأولى عام 1970 في الولايات المتحدة الأمريكية حيث شارك 20 مليون شخص في تظاهرة سلمية للتعبير عن قلقهم للقضايا البيئية، وفي سنة 1990 شارك ما يزيد عن 200 مليون شخص في انحاء العالم للهدف نفسه.

من أهم التحديات التي تواجه الحركة البيئة العالمية اليوم هو المحافظة على الكرة الأرضية ككوكب داعم لأشكال الحياة المعروفة على الكرة الأرضية اليوم وذلك بواسطة الحد من عمليات تغيير الإقليم نتيجة الاحتباس الحراري الناجم عن استهلاك غير محدود للخيرات الطبيعية المتوفرة على كوكبنا، وعلى رأسها حرق النفط وقطع الغابات، فالنفط مصدر الطاقة الرئيسي في العالم اليوم وله الدور الأكبر في تلويث الهواء وفي عملية الاحتباس الحراري أما الغابات رئتا الكرة الأرضية حيث تقوم بتنقية الهواء واستبدال ثاني أكسيد الكربون بالأكسجين، فيبادر الانسان الى قطعها واستهلاكها بدون حساب. ولا يقتصر ذلك على أضرار بيئية فحسب أنما على أضرار أجتماعية أقتصادية عالمية تزيد من الفقر والعوز في العالم، توسع الفجوات بين أفراد العالم المهيمن، وهم الأقلية، وافراد العالم "الآخرين".

وفي هذا اليوم، الثاني والعشرين من نيسان، تحتفي الحركة البيئية الإسرائيلية بنشاطاتها البيئية وبسعيها للحفاظ على "الكرة الأرضية" متجاهلة دورها الاستيطاني في اللهث وراء الأرض والسيطرة عليها وعلى موارد المياه وان كان ذلك بثمن بيئي كبير. فالمستوطنات اليهودية تبنى ملازمة للأرض بعكس البناء البيئي وهو بناء إلى الأعلى بالإضافة إلى ذلك نسبة قليلة من السكان تحتل مساحات شاسعة، نقيضاً للمبادئ البيئية حيث يجب المحافظة على أكبر قدر ممكن من الأماكن الطبيعية والأراضي المفتوحة وتوطين أقل ما يمكن من الأرض. أما بالنسبة للسكان العرب فيجدون أنفسهم في حالة "طبيعية" مشابهة لحالة الكرة الأرضية المحدودة الموارد فنجد البناء إلى أعلى والقرى والمدن العربية تتحول إلى مجمعات سكانية ذو كثافة عالية تأخذنا إلى النقيض الأخر حيث يعاني السكان من نقص حاد في الموارد البيئة المحلية منها أماكن السكن والترفيه والعمل ومساحات حيوية لتطوير البلدات العربية.

ومن مفارقات هذا اليوم أن من يحتفي به هم هم من يهدمون البيئة الملائمة للحياة على الكرة الأرضية وبعضهم قد يدعي أن ازدياد عدد سكان العالم وعدم الوعي للقضايا البيئية هو الخطر البيئي بحد ذاته متجاهلين أن عملية الأستهلاك العصرية هي الخطر البيئي، فلو أردنا سد الفجوات بين أنماط حياة سكان الكرة الأرضية عامة لأحتجنا إلى أربعة كواكب أرضية أخرى لسد الأحتياجات بشكل متساوي، وبما انه لا يوجد لدينا كواكب أخرى فلا يتبقى لنا إلا الحد من أنماط الحياة المبذرة للموارد.

وفي هذا السياق ينقسم العالم إلى قسمين العالم المهيمن المستهلك والمبذر والعالم "الأخر".... وأين نحن من هذا السياق، لا يمكننا نتجاهل رقصنا في حلبتين ففي الحلبة الأولى ننتمي إلى "الآخرين" المغلوب على أمرهم المسلوبة مواردهم البيئية والمسيطر على حياتهم من قبل العالمية المهيمنة المستهلكة للموارد والمبذرة كأن العالم ملك لها (النسبة الأكبر من الملوثات في العالم ناتجة عن نمط حياة لأقلية من سكان العالم)، وفي الحلبة الأخرى نتزاحم على نمط حياه أستهلاكي عصري مبذر للموارد حتى وأن كان ذلك بثمن بيئي باهظ يتكبده "الآخرين" في هذا العالم.

المسؤولية الأخلاقية البيئة للعالم اليوم تقع عل كاهل أنماط استهلاكية قامعة وهي لا تتناقض أبدا مع قضايانا الوطنية على العكس فنجد القضايا البيئية اليوم بتوجهاتها الأجتماعية تتزامن وتتمازج مع قضايانا كأقلية قومية في الدولة وفي كثير من الأحيان قد نجد آليات مقاومة بيئية تعتمد مبادئ التطوير المستديم فأين نحن، الأقلية الفلسطينية في الدولة، من هذه القضايا وهل نرضخ للعبة السياسية التي صورت الواقع على عكس ذلك، وسيرت الآليات البيئية قسراً للسيطرة على المكان والزمان؟!

© حقوق النشر محفوظة

نسرين مزاوي – ناشطة اجتماعية حاصلة على اللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية.

هناك تعليقان (2):

  1. غير معرف24/4/08 22:49

    It was a pleasure reading it, a true insight on our dim reality. You have managed to combine our case with a global case and challenged our moral and national duty in both matters.
    Keep up the admirable work.

    Best of luck,
    ghadir

    ردحذف
  2. excellent article. very smart way to tie the political with the environmental aspects of the two earth days. Also presenting the contradiction of being like the environment when it comes to building tall and small on the other hand consuming so much that we contribute to the harm as well
    Arij

    ردحذف