ندوة بيئية بمناسبة صدور الكتاب "بين التسخير والأنقاذ"

"بين التسخير والأنقاذ" هو الكتاب الأول الذي يبحث روايات التنمية والتطوير وروايات حماية الطبيعة في أسرائيل وذلك من خلال أستخدام نظرية الأيكولوجيا النسوية التي تجمع بين الفكر البيئي وطرح النوع الأجتماعي. الأيكولوجيا النسوية تأتي بتحليل مركب لقصص مركبة وواقع مركب - قصة العلاقة مع الأرض مع الطبيعية ومع الأنسان. من خلال الكتاب تتجلى قصة بحيرة الحولة، عملية تجفيفها وأعادة غمرها، ليس فقط كمشروع هندسي فذ مثير للخلاف والجدل انما كمثال لعلاقة الأنسان مع البيئة والطبيعة، وهي علاقة متأثرة بعوامل ثقافية وقومية وسياسية ومتغيرة بفعلها. الكتاب يتناول قصص التجفيف و"تنوير القفر" (הפרחת השממה)، من جهة، و"حماية الطبيعة" من جهة أخرى ويحاول إحياء قصص بديلة أخفيت وكتم أمرها، في حين أن وجود هذة القصص سواسية هو ما يمثل الواقع المركب والمتنوع لعلاقتنا مع البيئه، الطبيعة والمكان.

قضايا الأرض هي قضايا سياسية بحتة، ومع ذلك، تنحى الخطاب البيئي في أسرائيل عن السياسية وتحول بهذا الى خطاب عقيم في كل ما يخص قضايا النوع الأجتماعي والقضايا الأجتماعية والقومية والعرقية. الفكر الأيكولوجي النسوي لا يفصل بين القضايا البيئية والأجتماعية، ومن خلال التركيز على العلاقات المركبة وكشف القصص المخرسة يعرض الكتاب رؤية مختلفة للماضي وللحاضر ومن خلالها يطرح أحتمالات جديدة للمستقبل.

الكاتبة: د. عِدنا جورني - بيئية ونسوية، تدمج ما بين البحث، التعليم، الكتابة والنشاط في كل ما يتعلق بالعلاقات المتبادلة بين البيئة المجتمع والسلام وبين العلم والنوع الأجتماعي.

تعقد الندوة في مكتب صندوق هينرش بل تل-أبيب، نحلات بن يامين 24
يوم الخميس 17 تشرين ثاني الساعة 18:00-20:00.

ترحيب: مارك برتولد - مدير صندوق هينرش بل في تل أبيب

المتحدثون:
د. ايلون شفارتس - مدير مركز هيشل
بروفيسور داني ربينوبيتش - جامعة تل أبيب
نسرين مزاوي - جامعة حيفا
د. عدنا جورني - جامعة حيفا

اذا الدولة مش عاجبتك ما تصوت، بس اذا الأحزاب العربية مش عاجبتك صوت ورقة بيضاء - صندوق الأقتراع أمكانيات تأثير ووسيلة أحتجاج


قد يكون الوقت ما زال باكرا على الإنتخابات لكن عملية التأثير بواسطة الإنتخابات تبدأ بوقت أبكر بكثير من يوم الإنتخابات والورقة البيضاء هي أمكانية ورادة لم تأخذ بالحسبان بجدية من قبل.

عادة يشعر الناخب العربي أن أمره محسوم. البعض يصوتون لأحزاب صهيونية والأغلب يصوتون لأحزاب عربية وقلة يمتنعون عن التصويت. في الثلاث حالات النتيجة متوقعة وبشكل أو بأخر ثابتة والشعور العام للناخب العربي أن تأثيره جدا هامشي وأمكانيات التغيير معدومة. لكن في الوقت الذي تنعدم فيه أمكانيات التأثير على المستوى العام فعلى مستوى الأحزاب العربية الورقة البيضاء باستطاعتها أن تكون آلية تغيير وقد تحوي في طياتها أمكانيات لللتأثير.

الأنتخابات هي حدث مهم للأحزاب العربية، فهي تحث الأحزاب على ترتيب صفوفها ورص كوادرها للوصول الى الناخب العربي وحثه على المشاركة بالأنتخابات والحصول على صوته. بعضهم يقولون "مش مهم ايش أطلع صوت بس ما تصوت أحزاب صهيونية"، وبعضهم يقولون "لا تصوت أبداً وقاطع المؤسسة الصهيونية والبرلمان الصهيوني وعبر عن أحتجاجك وعدم تماهيك مع الدولة". بعضهم يقولون "ما فيك تقاطع الأنتخابات وتقصي حالك حتى لو صّوت لأحزاب صهيونية"، وبعضهم قال في الماضي "وجود الأحزاب العربية بالكنيست مهم جدا لكي يكونو كتلة حاسمة تمنع سن القوانين العنصرية..." وأخرون يقولون "الكنيست منصة سياسية ما لازم نتنازل عنها..." وبيبقى السؤال مفتوح منصة سياسية لمن؟ لماذا؟ وبأي هدف؟

بشكل عام يوجد إستياء كبير من الوضع العام لكن بالأضافة يوجد إستياء من الأحزاب العربية. بالرغم من الوضع السيئ الناخب العربي ما زال يشارك بالإنتخابات بنسبة كبيرة ربما متمسكاً بأمل التغيير وربما تخوفا من خسارة فادحة لا ينوبه عليها غير الندم، وفي نهاية المطاف الأحزاب هي هي ونتائج الأنتخابات هي هي والصهيونية والعنصرية مع كل يوم بتسؤ وبتزيد.

الإنتخابات ممكن تكون فرصة للتغيير على المستويين، المستوى العام (الميؤس منه) وعلى مستوى الشارع العربي (اللي لحد اليوم ولا مرة جربناه). الأحزاب الصهيونية تتعامل مع الناخب العربي كورقة محسومة ومفهومة ضمناً، وكذلك للأمر بالنسبة للاحزاب العربية فهم أيضا يتعاملون مع الناخب العربي كناخب مفهوم ضمنا وأمره محسوم... ما عنده كثير خيارات... كل ما يتطلب الأمر هو ان تقوم الكوادر الحزبية بشد حيلها والنتائج متوقعة ومعروفة مسبقاً، ثلاثة ثلاثة اتنين والطيبي!!!

بعكس الأحزاب الصهيونية التي لا يهزها وجود الناخب العربي أو عدمه فأن الأحزاب العربية تقف كافة على الحافة، ان لم يصوت بعض الآف من العرب قد يسقط بعضها، وأن صوتوا ورقة بيضاء ستسقط جميعها. ليس الهدف أسقاط الأحزاب العربية لكن وضوح الصورة وقوانيين اللعبة الإنتخابية سيمكن الناخب العربي والأحزاب العربية من صياغة جديدة للمواقف والإختيارات. قد تستطيع الورقة البيضاء أحياء صوت الناخب العربي وأعطائه قيمة فعلية لم يحظى بها من قبل بالأضافة الى توفير الفرص للتأثيرعلى مجرى الأمور والأحداث.

ما بين الأمتناع عن التصويت والتصويت ورقة بيضاء يوجد مستويين من السياسة والمساومة ان أردتم ويجب التمييز بينهما. المستوى الأول وهو مستوى علاقتنا كمواطنين عرب فلسطينيين مع الدولة، والمستوى الثاني هو علاقتنا مع الاحزاب العربية والقيادات السياسية العربية. ما أطرحه هنا ليس مساومة مع الدولة فلا مساومة مع الصهيونية انما مساومة مع الأحزاب العربية والقيادة السياسية العربية بواسطة الإنتخابات العامة. أذا عبر الأمتناع عن الإنتخابات عن أحتجاج أمام الدولة، فان التصويت بورقة بيضاء لا لُبس فيه ويعبر عن أحتجاج أمام الأحزاب العربية.

هناك عدة أمور يستاء منها الناخب العربي في الأحزاب العربية عامة وخاصة، فعلى المستوى العام يوجد أستياء من عدم الوصول الى تفاهم ما بين الأحزاب المختلفة حول تكتيك الحزب الواحد أو حتى أتفاق بالنسبة لفائض الأصوات. بالأضافة الى ذلك يوجد أستياء من كافة الأحزاب على حد سواء حيث ان تركيبتها مبنية على اُسس طائفية أو عائلية. على المستوى الخاص هناك أستياء من قرارات مخيبة للآمال مثل تنازل بعضهم عن شخصيات حزبية في مواقع مرموقة لصالح مغازلات مع تيارات لا يتماها معها أعضاء الحزب. أو وضع العراقيل أمام النساء النشيطات في الحزب فتنعدم فرص أنتخابهم لصالح حسابات حزبية داخلية. بالأضافة هناك أستياء من مواقف حزب في أمر معين او التباس في مواقفه وعدم وضوحها في مواضيع لا يجوز فيها الالتباس أو عدم الوضوح... ومن هذة الأمور مثلاً هي أتاحة رفع صور بشار والتهليل له في المظاهرات أو المناسبات الحزبية تحت ذريعة الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي والتناسي بأنه طبيب عيون واصل للحكم بالوراثه بطشه في أبناء شعبه ما قبل الثورة وخلالها لا يسمح لنا بان تغفل أعيننا عن جرائمه حتى وأن أجمعنا على معارضة التدخل الأجنبي، معارضة الثورة المسلحة والحث على الأستجابة لمطالب الشعب والتغيير والأصلاح.

الأمور التي نستاء منها من الأحزاب والقيادة السياسية العربية هي كثيرة وأكتفي هنا بهذة الأمثلة واترك الباقي للقراء. المشكلة تكمن بأن الناخب العربي يعتقد أن لا بديل له غير الخيار بين السيئ والأسوأ، فاذ لم يكن هذا الحزب فذاك وفي نهاية الأمر كل واحد يختار ان يرجح كفة الحزب المقرب له، وكل إنتخابات على ذات المنوال.

من أسبوعين تقريبا كان لي حديث مع رفيق، بعكسي هو نشيط وملتزم بحزب معين، في سياق الكلام أعترض حديثي بقوله أن المواقف الغير واضحة ليست قصراً على حزبه فقط أنما على كافة الأحزاب، والغمغمة وعدم الوضوح وأزدواجية المواقف النابعة عن انقسامات داخلية غير محسومة لا تقتصر على الثورة السورية فقط أنما أيضا على حراك الشارع الأسرائيلي بما يحلو لي بتسميته "مخيم روتشيلد الصيفي" وعلى موضوع المقاطعة وأمور أخرى أيضاً. وهنا لا يسعني غير التساؤل هل تحولت الغمغمة عدم الوضوح وأزدواجية المواقف الى تكتيك في هذة الأحزاب؟!! هل فعلا هذة الأحزاب عاجزة عن الوصول الى موقف موحد واضح وصريح. واذا كان الأمر كذلك فأين الشارع العربي من هذة الغمغمة وعدم الوضوح؟!!! قد يعتقد البعض انه من الممكن أن تكون هذة الغمغمة وعدم الوضوح هي أنعكاس لغمغمة الشارع العربي وعدم وضوحه. الا أنني أعتقد عكس ذلك، لكن في الوضع الراهن لا توجد أمكانية فعلية لسماع الصوت النقي لهذا الشارع او آلية للتعبير عنه. والمشكلة الأكبر هي أن التعامل مع هذا الشارع هو تعامل سطحي جداً فيه الكثير من الأستخفاف بقدرة هذا الشارع وبآرائه.

أحدى التحديات الكبرى أمام أمكانيات التأثير والتغيير هو أفيون اللابديل، فهو المبدأ الذي يوجه الناخب العربي في أختياره وكذلك الأحزاب العربية في التعامل معه. لا بديل سوى المشاركة بالإنتخابات ولا بديل أمام المؤسسة الصهيونية غير الأمتناع عن أنتخاب أحزاب صهيونية وترجيح كفة الأحزاب العربية، ولا بديل أمام الأحزاب الأخرى سوى التصويت لحزب "اللا بديل" حتى لو مواقفه لا تعبرعن أهواء الناخب وأراداته. مبدأ الا بديل يضع الأحزاب العربية في حاله من الخمول وعدم الأكتراث حيال آراء الناخب والشارع... فبالنسبة لهم هو مفهوم ضمنا وخياراته محدودة. لكن حسب رأيي خيارات الناخب العربي لها أمكانيات أكثر مما يحلو للأحزاب التسليم به. فأذا فعلاً ما عندك بديل ولا تريد ان تصوت للحزب الخصم الذي لا تتماهى وارائه صوت ورقة بيضاء، ربما بمقدرة الورقة البيضاء حث الأحزاب العربية للخروج من خمولها السياسي والأكتراث بمصلحة واهواء الشارع.

للخلاصة، بشكل عام تنعدم أمكانية تاثير الناخب العربي على مجرى الأمور بالأحزاب الصهيونية وبالإنتخابات الأسرائيلية عامة، لكن هذة الامكانية موجودة بالنسبة للأحزاب العربية. يمكن للناخب العربي أن يحث الأحزاب على تغيير مسارها بواسطة الورقة البيضاء وسأحاول هنا الوقوف على ميكانيكية عمل الورقة البيضاء لتوضيحها.

أولاً يجب التمييز بين الأمتناع عن التصويت أو التصويت ورقة بيضاء فالفرق شاسع بينهما. عدم التصويت أبدا يخرج الناخب الممتنع من الحسابات الانتخابية ونصيب الأحزاب تكون بحسب عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب من مجمل الأصوات العام، أذا أمتنع الناخب العربي عن التصويت فسيرجح كفة الأحزاب الصهيونية ويقلل من حصة الأحزاب العربية. الأقتراع بواسطة الورقة البيضاء يدخل صوت الناخب العربي بمجمل أصوات الناخبين لكن أي من الأحزاب لا يحظى بصوته فتكون النتيجة المباشرة سقوط الأحزاب الصغيرة وزيادة حصة الأحزاب المتبقية.

الأحزاب العربية تريد المشاركة في الأنتخابات ويهمها الوصول الى البرلمان. الورقة البيضاء تضع بين أيدي الناخب العربي فرصة للمساومة أمام هذة الأحزاب وربما الضغط عليها لتعديل مواقفها بشكل يتماهى ومواقفه، فأما تتفق هذة الأحزاب وخياراته وتحاول الوصول الى مواقف وقرارات تتلائم مع تطلاعاته وتجيب على أحتياجاته واما ان يقوم الشارع باسقاط هذة الأحزاب.

وللنهاية الإنتخابات لا تقتصر فقط على الوصول الى الكنيست، ويوجد توقعات لدور أكبر للاحزاب العربية وقد تكون الإنتخابات فعلا فرصة حقيقية للتأثير على مجرى الأمور السياسية على مستوى الشارع العربي والأحزاب العربية والقيادات السياسية العربية. فأمتناع الناخب العربي عن التصويت يضعه خارج اللعبة لكن أختيار الورقة البيضاء يسقط الأحزاب العربية القائمة وقد يخط حروف ورقته لدورة الإنتخابات التالية.


فأن ما عجبك وما عندك بديل صوت ورقة بيضاء لأنه بأمكانك خلق البديل.

------

حقوق النشر وفقا لحقوق المشاع الأبداعي - أستعمال المواد مجّانية، لكن يتوجّب نسبة النصوص الى المدونة والكاتبة، نسرين مزاوي. يُحظر نشر العمل في مواقع تجارية أو استخدامه لأي غاية تجارية ويُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص.


نسرين مزاوي – ناشطة نسوية، باحثة ومستشارة بيئية. حاصلة على الباكلوريوس في علم الأحياء والماجستير في الإدارة البيئية.

هيك منحب رام الله برومنسية كثير/ فقاعات رام الله الرومنسية

رام الله هي بمثابة المدينة المفقودة لشباب وصبايا فلسطين الداخل – فنحن (وفقا لمقولة الباحثة منار حسن) المتمدنين بلا مدينة. فالناصرة، كغيرها مما يعتبر اليوم مدن فلسطينية في الداخل، ليست مدينة بأي معنى من المعاني غير ربما بعدد سكانها، فنسيجها الأجتماعي عائلي ومتراص، بعض أحيائها تطل عليك بمعماريتها كمخيمات لاجئين، بلدتها القديمة مهجورة، ومجمل الخدمات التي وفرتها بالسابق أفرزت الى البلدات اليهودية المحاذية. اما الأجزاء العربية المتبقية من اللد عكا ويافا فهي اليوم بمثابة أحياء فقيرة تعيش على هامش المدن اليهودية وكل ما تبقى لنا هو قهوتين مسرح وشط صنعنا منهم مدينة في حيفا.

في السنوات الأخيرة "مدت أجر" اهل الشمال الى رام الله ماشاء الله، وبضمنهم انا. "الله يخلف" على شارع رقم 6 بالرغم من كل أشكالياته أحسن الى اهل الشمال بانه قربهم من القدس (المنسية) ومن رام الله (العاصمة!!!). من الناصرة الى قلنديا ساعة ونص بالكثير، فأصبحت قلنديا الى الناصرة أقرب من تل ابيب. شارع رقم 6، شارع أجرة، (مش رخيص ابداً)، وبعكس شارع الشط المكتظ بالحركة والمجمعات التجارية، شارع رقم 6 عريض وفاضي وتخلو جوانبه من أي شي غير قرى المثلث التي صودرت اراضيها في سبيل شق الشارع واضحت معزولة عن الشارع ومعزوله بواسطته.

الأثير الفلسطيني المنبعث عن راديو اجيال وترددات أذاعية اخرى يهيئ لك نفسيتك خلال السفر ويحضرك للدخول الى "الوطن"، وخلال الطريق تترصد قمم أشجار الكينا ورؤوس عواميد الكهرباء المترائية لك من خلف الجدار الفاصل المحاذي للشارع في منطقتي طولكرم وقلقيلية، وفي الأونة الأخيرة تحتاج الى يقظة خاصة لكي لا تغفل عن الجدار "فمع الوقت بطلت تشوفوه غطوه كله بشجر".

شارع رقم 443 – "انت بالضفة بس كل شي حواليك بقول انك بأسرائيل. مودعين على اليمين ومودعين عيليت على الشمال وبيت غور الفوقا والتحتا والطيرة مسييجين وما الهن طريق. بتزيد من سرعتك بشكل كبير وبتعلنها ثورة، ثورة على قانون واحد، قانون السير، وكانك بهاي الثورة بتذكر حالك واللي حواليك انك مش بأسرائيل وانه قانونهن هون مش ساري عليك. وعلى الأشارة الضوئية بتعطي شمال، كل السيارات بتابع طريقها للقدس وانت بترفع راسك بزاوية منفرجة وبتستنى الأشارة الخضراء، بتنفش عضلاتك وبتفوت مثل ابو زيد الهلالي، وعلى الدوار بتكتشف انه في حواليك كمان شي الف أبو زيد الهلالي كلهن مثلك سيارات مع لوحات اسرائيلية صفراء نافشين عضلاتهن وبحاشرو فيك عن اليمين وعن الشمال".

"بتدخل حاجز قلنديا وما حدا بحكي معك، وبتتنفس كأنك ما تنفست لحد اليوم وبتوسع رياتك وبتحس انك طلعت خارج الجدار مش دخلت الى حصاره. بتصير قلنديا مجرد حاجز وبتنسى انه قلنديا هي بلد ومخيم لاجئين وبتبداء رحلتك ووجهتك الى رام الله الوطن المفقود. اول شيئ بتلاحظه وبصير أهم شي بالنسة الك لفترة بعتمد طولها عليك انه كل شي بالعربي، بس كل شي يعني كل شي، يعني كل شي كل شي كل شي كل شي كل شي بالعربي، كأنه ولا مرة بعمرك بحياتك شفت عربي (هيك بصيبنا كمان بعمان)... وبتصير مثل الولد الصغير تقراء اللافتات وكل لافتة كانها أنتصار جديد، مع الوقت بتفهم انه انفعالك الشديد هذا مش نابع من الافتات العربية انما من انعدام العبري من مجال الرؤية المسترد تبعك، وهيك بتصير المحافظة على نقاوة اللغة والتحفظ من الكلمات العبرية هي أهم انتصاراتك اللي بتقمع فيها غرائزك المشوهة وبتبني فيها غرائز طبيعية من جديد، وان نفذت للمشهد بشكل أو باخر كلمة عبرية بتمتعض وبتفّ وبتحس انها عم بتضييع منك فلسطين".

فقاعات من الرومنسية تحملنا الى رام الله كفقاعات الرومنسية اللتي تحمل الحجاج الى الاراضي المقدسة. رومنسية تحجب عنا الواقع وتنسج لنا كل ما يحلو للخيال. "فان ضعت برام الله شي يوم، متاهتك بتتحول الى بوصلة وغربتك بتصير مرسى وبمدينة ما بتعرف فيها حدا، كل الناس مهما كانو غرباء عنك بصيرو عمك وخالتك وخيك وأختك، وبعد ما لقيت الطريق بتحس انك حابب تبقى ضايع، فلغتك بضياعك هذا بالرغم من لوحتك الصفراء بتحول كل الناس لأهلك. لكن الفقاعات الرومنسية هاي بتتفرقع واحدة ورا التانية ومع الوقت بتبدأ تستوعب انه رام الله هي بس رام الله، وانك لما انت ضايع حتى لو كل الناس أهلك في نهاية الموضوع انت ضايع... فما اجيت كل الطريق من الناصرة الى رام الله حتى تحضر أخر عشر دقائق من المحاضرة اللي اجيت خصيصا على شانها وتكييف على حالك انك ضعت برام الله.

عمليا النزوح عن الرومنسية هو بداية تسجيل الهزائم، ومن اللحظة التي أعلنت فيها هزيمتك الاولى يسهل تسجيل الأهداف في شباكك. فرام الله هي مدينة نبحث فيها عن أمور نفتقدها، مثلاً، كبحثي المتلهف ذات يوم في مكتبة جامعة بير زيت عن "كتب خاصة أومصادر لا تسنح لي فرص الوصول اليها"... وأخيرا أنتهي الأمر بصديقي عُمر بتذكيري بأن ما ابحث عنه من كتب أو مصادر غير موجود، "فكل شي خاص أخذوه... تجدينه محفوظ في المكتبات والأرشيفات الأسرائيلية". وبهذا سجل عُمر ثاني هزائمي المعلنة بل انها لهزيمة مضاعفة فما أبحث عنه غير موجود بل والأنكى من ذلك فانه موجود في مهجري الدائم في سراديب المكتبات المفتوحة امامي اللتي لن تشفع لي بها لغتي أن تهت باي منها ولن يخرج لمعونتي لا عم ولا خالة ولا أخ ولا أخت فهم راقدين ساكنين بين أوراقها وفي صناديق أراشيفها.

خرجت وعُمر من الجامعة تفاديا لخسائر أخرى مهددة بسهام الواقعية. ووجدنا طريقنا الى مقهى لطيف – رام الله خالية من العبرية ويجدر بدقائقي فيها ان تكون خالية من العبرية أيضا – وها انا في محاولة للتعالي على غرائزي اللغوية فالتبست علي الأسماء الاتينية بين الماكياتو واللطة وغيرها ورست بي الأمور على اسبرسو مع حليب - "نعم هذا هو ما اريد اسبرسو مع حليب" فما كان من النادل غير ان نظر الي وسألني على عجلة من أمره "يعني هفوخ؟" فاجبت مطأطأة الرأس وها قد سجل الهفوخ في شباكي هزيمة اخرى "أه... هفوخ...".

من جعبة فقاعاتي الرومنسية وربما آخرها الى الأن هي فقاعة قلنديا، قلنديا الحاجز وليس البلد أو المخيم. "بقلنديا بتفوت ما حدا بيسألك شي، فوضى وازمة سير كثير ومع الوقت بتفهم انه مثل ما بحاشروك في الشوارع العربية بالداخل هيك بحاشروك بقلنديا. بالفوتة ما في قانون، وبالطلعة بتقف بالدور واذا الدنيا ليل بتطفي الضؤ وبتنتظر، كل ما سمعت صوت خفي بصرخ وبقول "تتكدم تتكدم" بتقدموا السيارات بنظام كل ثلاثة مع بعض، اذا سيارة واحدة فاتت بالغلط بتسمع نفس الصوت بصرخ وبقول "تخزور اخورا تخزور اخورا". هدول نفسهن الناس اللي كانو يحاشروك الصبح ونافشين اسا صافين بالدور وساكتين، كلهن لوحات صفراء. ولما بيجي عليك الدور بتعطي هويتك للجندي او الجندية بتتطلع فيها وبتطلع فيك وجنود تنين بكونو ماسكين سلاحهم ومستعديين للطخ. أذا معك ناس مش قرايب من الدرجة الأولى بينزلو من السيارة وبيمرو من معبر المشاه. بعدين انت بتنزل من السيارة وبتفتح الصندوق وان ما معك شي بقولك الجندي "ساع". لما فش ضغط على الحاجز بتنتظر بالدور حوالي 20 دقيقة ولما في ضغط ممكن تنتظر ساعة أو اكثر. غير قلنديا في طرق تانية حتى تطلع من رام الله، بما أنه لوحتك صفراء فممكن تطلع بدون حواجز عن طريق المستوطنات بس بتلف شي ساعة لتطلع وأن ضعت لا في عمي ولا خالتي ولا خيا ولا خيتا... وممكن كمان تطلع عن طريق حزمة حاجز صغير بعد قلنديا باتجاه القدس بطول الطريق شوي بس بتمر فيه بدون ما توقف وما في عليه تفتيش".

لسبب أو لأخر لحد اليوم أصريت على الخروج عن طريق قلنديا... وكأنه مروري بقلنديا يعزز فلسطينيتي والتنازل عنه فيه طعن فيها... كأنه قلنديا بتعوض عن الحجر اللي ما رميته وعن الحصار اللي ما عشته أو عن الرصاص اللي ما اصبت فيه، كأنه فلسطينيتي منقوصة بدون هاي المواجهة، المواجهة الوحيدة الي مع جنود الاحتلال، المواجهة الوحيدة الي بقدر فيها اتفرس بوجوههم وأتفحصها عن قرب وأتسأل قبل ما أشوفها بتخوف هل راح اشوف فيهم حدا بعرفه؟ هل فيهم حدا من زملائي او من أولاد معارفي أو من الناس اللي بشتغل معهم؟! هل راح يكون فيهم حدا من طلابي أو طالباتي؟!!

في نهاية المطاف أسقطت قلنديا هي أيضاً ما فرضتُ عليها من مواجهات وتحديات رومنسية لصالح طريق حزمة، اهون وأقصر وتخلو من المواجهات العبثية، ومثلها مثل ال"هفوخ" و"الكتب الخاصة" وغيرها من رومنسيات مبنية صوبت قلنديا الى شباكي سهام الواقعية وسجلت هدف تلو الأخر وأعلنت بهم هزيمتي مرة أخرى لأرى رام الله بصورة أكثر واقعية - مدينة مركزية لا تمثل الا ما فيها وكغيرها من المدن المركزية فيها الحسنات وفيها السيئات وليس كل ما بها عذبا جميلا.

وما زلنا نعشق رام الله برومنسية ونطوق اليها فهي المدينة حيث لا مدينة.

© حقوق النشر محفوظة


نسرين مزاوي – ناشطة نسوية، باحثة أجتماعية ومستشارة بيئية. حاصلة على الباكلوريوس في علم الأحياء والماجستير في الإدارة البيئية.