المثلية وفن الشارع في فلسطين

منذ فترة لم يعصف بي عمل فني واحد بهذا القدر من الافكار. في النظرة الاولى تسآئلت حول الألوان وهل يقصد من رسمها الالوان الستة للعلم المثلي؟ لأنها إن كانت كذلك فهي تبدو كمحاولة غير ناجحة، ويبدو ان من رسمها اختلط عليه الترتيب بين الأصفر والأخضر في العامود الثالث، كما وليس واضح ما هو هذا اللون القاتم في العامود الرابع؟ هل هو اسود ام اخضر ام انها محاولة فاشلة لتصحيح خطاء ما؟ ولماذا الأن؟ حيث يتزامن هذا العمل مع احتفالات تقنين زواج المثليين في الولايات المتحدة فهل هو تضامن مع المثليين في الولايات المتحدة؟ ام انه تضامن مع المثليين عامة لا علاقة له بالولايات المتحدة؟ هل هو احتجاج على الاحتفالات فيأخذ منها الأضواء ليلقيها على الجدار؟ ام انه مجرد تعبير فني محلي عن وجود مثليين ومتضامنين مع المثليين في فلسطين خلف الجدار؟ 
من الحرية بقيت حر

وإن اعتقدتم ان هذة الأسئلة كافية لتغمركم بالأفكار فربما من الأفضل ان تتأنوا قليلا. فها هو هذا العمل الفني الغير واضح، يكسر اساسا "النظام المثلي" برموزه وألوانه فيخلط بين الأصفر والأخضر، ويخترق العلم بالأسود، ويُنتج منه شيئ أخر تمامًا يرمز الى المثلية لكنه ليس بمثلي حقًا، بالوانه يكسر المثلية النظامية ويفرض عليها "الشذوذ" عن ذاتها. بالأضافة فإنه يفرض ذاته على كلمة حرية في الجرافيتي الشهير للقائد الأسير مروان البرغوتي بالقرب من حاجز قلنديا كأنه يقول "الحرية ناقصة ان لم تكن كاملة"، فيقطعها ويبقي منها كلمة حر فقط، ذكورية بدون حرية، وبالإنجليزية ايضا تبقى كلمة فري بدون فريدوم. وهذا بذاته اثار حفيظة البعض دون اي علاقة برهاب المثلية، وربما واقع الأمر انه خليط من الاثنين معًا. فبشكل او بأخر اعتدنا على جرافيتي "البرغوتي والحرية" في حاجز قلنديا وباتت جزء من المشهد العام الذي يرافقنا ذهابًا وايابًا، وجاءت هذة الألوان صادمة كأنها تقول لنا: لا تتعودوا على هذا الجدار ولا على الجرافيتي الموجودة عليه، او انها تقول: انظروا انه جدار لقد اعتدنا عليه وربما نسينا ذلك.

العمل دائم حتى لو دهن بالابيض
ومن الاجدر لو يقوم هذا العمل بإستفزازنا، نعم ليذكرنا بأننا احياء. ليقوم بإستفزازنا فنقوم بهدم الجدار. إلا انه في الواقع استفز حقًا شبابنا "الحمشين"، الذين شعروا بتهديد على رجولتهم وجنسانيتهم، فاستشاطوا غضبًا وقاموا بذات الليلة بدهن العمل بالأبيض بدل من أن يهدموا الجدار. وبهذا بحسب رأيي اكتمل العمل، فطبيعة الجرافتي هي فن الشارع الذي يدعوا الجميع الى اخذ دور فعال والمشاركة به. فكما تفاعل جرار مع الحيز العام وعبر عن ما يجول بخاطره من امور من خلال "فن الشارع" تفاعل الشارع معه بحق، وقام الشباب "الحمشين" بالتعبير بدورهم عما يجول بخاطرهم كحوار فني ربما بينهم وبين جرار وهو افضل تعبير عن الواقع. وحتى لو قام هؤلاء الشباب بدهن الجدار بالأبيض في ذات الليلة فلا يروا الألوان ولا يراها الأخرون، الا ان العمل بكليته بات تعبيرا صادقا عن حال الحرية في فلسطين. وبالرغم من اللون الأبيض تبقى بصمة جرار واضحة كصدى يصدح في فضاء الحاجز يشق الجدار ويذكرنا ان الحرية غير موجودة وان الأبيض يبقى ليحجب عنا باقي الألوان.  

بعض الكلمات عن النضال المثلي بعيدا عن فن الشارع وعن عمل جرار  

لمن تابع الشبكات الأجتماعية في اليومين الأخيرين، قد لاحظ انه باعقاب تقنين زواج المثليين في الولايات المتحدة انتشرت على الشبكة شريحة بالوان العلم المثلي. وبشكل عفوي قام الكثير من المتضامنين مع المثليين عامة باضافة هذة الشريحة الى صورة البروفايل بعضهم احتفالًا بإنجاز المثليين القانوني في الولايات المتحدة وبعضهم تعبير عن تضامن عام.

بالرغم من كل شيء هذا مشهد لا يمكن الإستخفاف به
التضامن مع الاقليات المقموعة بحد ذاته هو خطوة مباركة ومهمة جدًا لكن في هذة الحالة يجب التعامل معها بحذر لعدة اسباب. اولًا، داخل الحركة المثلية ذاتها هناك تحفظ من زواج المثليين، فالبعض يرى فيه خضوع لإدارة الدولة للشؤون الشخصية، والبعض الأخر يرى فيه خضوع لمؤسسة محافظة قامعة بجوهرها ولا يروا به اي مسار تحرر. بالإضافة الى هذا، النضال المثلي كغيره من النضالات الحقوقية للأقليات المقموعة موجود في توتر دائم بين الحفاظ على الخصوصية وبين العولمة والهيمنة الثقافية لثقافة واحدة امريكية. فمن ناحية نضال المثليين من اجل التحرر من القمع هو نضال عالمي، لانه من الاساس تمت عولمة القمع (وعولمة رهاب المثلية)، لكن إن كان هذا التحرر "تحرر معولم" فيجب ان نتسائل ان كان هذا تحرر فعلا؟ فهل نتحرر من القمع بدخولنا الى قالب عالمي واحد؟!

من هنا فإن التعبير الجارف عن التضامن مع المثليين من خلال الاحتفاء بالإنجازات الليبرالية للمثليين في الولايات المتحدة هو امر اشكالي نوعا ما. الى جانب هذا يجب ان لا نستهين بالمشهد العام وباهمية الشرعية التي يضفيها هذا الاعتراف على المثليين عامة. ربما الرادكاليين منا لا يروا بهذا انجاز حقيقي يحتفى به، بل ويروا به خسارة فهو يشيع الوهم بين الناس، لكن هذا هو حال التغيير الإجتماعي فهو اشبه ببستان محاط بجدار من كافة الجهات، يأتي الراديكاليون فيهدموا الجدار يأكلو بعض من ثماره ويذهبوا ليتابعوا البحث عن جدارن اخرى ليهدموها فهم لا يستريحوا لأنهم يعلمون ان مشروع التحرر لا يكتمل الى ان تهدم كافة الجدران. ثم يأتي الليبراليون، يدخلوا الى البستان يأكلوا الثمار، يتمتعوا بها ويجلسوا ويطيلوا الجلوس فهم يحبوا ان ينعموا بالملذات الموجودة ويخرجوا منه فقط عندما تقارب الثمار على الانتهاء، ويبقى المحافظين داخل البستان يأكلوا ما تبقى من ثمار بعضها فسدت ويرفضوا الخروج منه ويدافعوا عنه حتى وإن ماتت الأشجار ولم تقوى بعد على حمل الثمار. وهكذا هو النضال المثلي على اعلامه ورموزه. فما كان منه راديكاليا في سنوات السبعين بات في لب المينستريم في سنوات التسعين وعم صفوف المحافظين في سنوات الألفين، فهل يعني هذا ان النضال لم يحرز انجازات؟! قطعا لا. لكن من الواضح انه لم يستوفى ذاته فالبوصلة الراديكالية تشدنا دائما نحو خطوات اضافية لنسير بإتجاهها الى ان تسقط كافة الجدران.

عودة الى عمل جرار لا يسعني إلا ان اقول هنيئا على هذا العمل المثير للجدل الذي يعكس الصورة المركبة للواقع الفلسطيني بتفاعل تام مع الشارع وبأصدق ما يكون، ليس هناك افضل من هذا العمل حتى الأن للتعبير عن هذا الواقع.

بكل بساطة رائع.




اولاد اليمن


"لا يُعقل انه هنا في دولة اليهود هذا ما يصنعه يهود ليهود"، بهذة الجملة افتتحت السيدة نعمة كاتي عن مؤسسة عمرام الأمسية التي عقدت في حيفا بالأمس لذكرى "اولاد اليمن". ولغة المضارع التي تتحدث بها السيدة كاتي ليست صدفة فالتعتيم على الموضوع، تسكير الأفواه واغلاق سجلات الدولة امام كل من يحاول تقصي الحقائق والبحث في الموضوع ما زال مستمر الى اليوم.

"اولاد اليمن"، هذا هو الاسم الذي يطلق في اسرائيل على قضية خطف الاطفال من العائلات اليهودية اليمنية، التي هاجرت الى البلاد في سنوات الخمسين، لتتم تنشئتهم في عائلات يهودية من اصول اوروبية. الأمر لا يقتصر على العائلات اليمنية فقط، لكن هناك من يدعي انه لا توجد هناك عائلة يمنية واحدة لم يخطف منها اطفال، بعضهم خطف منهم اكثر من طفل واحد، اما حالات خطف الاطفال من عائلات من اصول أخرى فقد كانت قليلة نسبيًا وحدثت باشكال وباماكن متفرقة. 


بيوت الاطفال التي جمع فيها الاطفال للرعاية وكانت احدى محطات اختفاء الاطفال

قضية "اولاد اليمن" في اسرائيل والتي فُضحت في سنوات التسعين، هي قضية مشابهة لعدة قضايا في العالم في دول قومية سعت الى التحسين العرقي. فهناك على سبيل المثال قضية خطف اطفال السكان الاصليون في كل من كندا والولايات المتحدة الامريكية واستراليا وارسالهم الى مؤسسات تربوية ودمجهم عن طريق التبني والزواج من عائلات اوروبية. في هذة القضايا لعبت الكنيسة الكاثوليكية كما ومؤسسات تبشيرية اخرى دور لا يستهان به حيث كانت هي المفوضة والمسؤولة عن المؤسسات التي استقبلت هؤلاء الأطفال وعملت على "تهذيبهم". كذلك الأمر مع اطفال الأرمن في الدولة العثمانية حيث تم نقلهم الى عائلات مسلمة، وفي اسبانيا الدكتاتورية في فترة حكم فرانكو حيث تم التنكيل بالنساء من المجموعات المعارضة وخطفت اطفالهم. بالاضافة الى قضية مشابهة في روسيا في فترة ستالين تعرف باسم "ابناء الجليد"، واخرى في رواندا، وكذلك في كوبا في السنوات 1960-1962 حيث خطفت الولايات المتحدة الامريكية الاطفال من العائلات الكوبية بشكل ممنهج بهدف كسر شوكة كاستروا وضرب المجتمع الكوبي.

ما يميز كافة هذة القضايا هو انها ظاهرة مرافقة لنشوء الدول القومية، وعملية خطف الاطفال تمت في مجموعات ثقافية بوجودها هددت الهوية الثقافية للدولة. واليوم تعتبر هذة القضايا كجزء من عملية ابادة ثقافية لمجموعات ثقافية "غير مرغوب بها".

الابادة الثقافية ليهود اليمن في الدولة الصهيونية، "دولة اليهود"، في سنوات الخمسين لم تقتصر على خطف الاطفال فقط انما رافقتها عمليات احتيال وسرقة للمتلكات الخاصة من كتب تاريخية ومخطوطات يدوية حفظتها الجالية اليهودية لأكثر من الفي عام، تم الاستيلاء عليها من قبل مؤسسات الدولة وتم ايداعها في مخازنها بينما اُشيع خبر احتراقها كحادث مأساوي في الباخرة التي نقلتها. بالإضافة الى هذا تم الاستيلاء على حلي ذهبية ومجوهرات كبيرة الحجم ومزخرفة اشتهر بها يهود اليمن ويعود تاريخها ايضًا الى مئات السنين او اكثر، وقد قيل لهم على متن الطائرة التي اقلتهم للبلاد انه لا يجدر بهم اصطحاب الذهب الى "ارض الميعاد"، فهو اشبه بعجل الذهب الذي عبده اليهود التأهون في صحراء سيناء ويجب التخلي عنه، والمرأة التي لم تتنازل عن حليها بإرادتها تم اخذها منها بالقوة.  

الجملة التي أفتتحت أمسية الامس "لا يمكن ان نصدق انه هنا في دولة اليهود، يهود يصنعوا هذا ليهود"، بصيغة المضارع لا تعبر الا عن حالة إنكار عميقة. إنكار للواقع، فإما ان اليهود ليسوا يهودا او ان الدولة ليست "دولة اليهود" كما تصورها الصهيونية، وكل الخياريين لا يستطيع غالبية من جلس في القاعة بالامس التعايش معه.  

وبينما اتماهى مع جملة "كل ما اريده هو ان تعود اختي للبيت" الذي يطلقها احدهم بعفوية من بين الجمهور، لا يمكنني تجاهل العلاقة المركبة بيني انا، ابنة عائلة فلسطينية ناجية من تطهير عرقي مستمر يتم من قبل نفس المؤسسة، الدولة الصهيونية، وكل ما اريده هو ان ارى اللاجئين الفلسطينيين عائدون الى بيوتهم بين ذويهم، وبين مجموعة ثقافية عرقية احضرتها هذة المؤسسة الى البلاد كجزء من عملية التطهير العرقي هذة بينما تقوم في ذات الوقت بالأنقضاض عليها بهدف إبادة ثقافتها ومحي هويتها لتتطابق مع النموذج الاوروبي للدولة ومع هويتها الاوروبية. والعلاقة التي تربط الفلسطينيين مع يهود اليمن هي علاقة معقدة لا بد لنا من التعامل معها بعمق كي نفهم مدى التحديات والإشكاليات التي تقف امامها. فبالرغم من ان الفلسطينيين كما يهود اليمن هم ضحايا لذات الفكر والنهج الصهيوني، الا ان امكانية التضامن ما بين الفئتين هو امر شبه مستحيل. فيهود اليمن بغالبيتهم اليوم هم من انصار اليمين الاسرائيلي، حيث ان عملية الابادة الثقافية تمت في حينه على يد المباي، اي اليسار الاسرائيلي الذي تحول فيما بعد الى حزب العمل. من هنا فإن التنافر القسري بين يهود اليمن وبين اليسار الاسرائيلي والذي ينبثق عنه بشكل تلقائي تنافر مع العرب الفلسطينيين هو امر حتمي لا مفر منه.

وليس هذا لاي سبب خاص بالفلسطينيين او بعلاقة ما مباشرة بين الفلسطينيين ويهود اليمن بل لمجرد انه: ان تكون يمينيا في اسرائيل معناه ان تعادي العرب وأن تعادي الثقافة العربية وكل ما يأتي منها وأن تزدريها وتحتقرها ليسهل عليك اقناع ذاتك باخلاقية احتلالهم فأنت الأنسان المتنور تحضر لهم "الحضارة" وتأخذهم من الظلمة الى النور. وللمفارقة هذا هو ذات السبب الذي ادى الى إبادة ثقافة يهود اليمن.  

لكن حديث السيدة كاتي في بداية الامسية بلغة المضارع يشير الى ان حكومات اليمين واليسار المتعاقبة في الدولة كلها تتابع التعتيم على الموضوع بدون اي اختلاف بينهم. اي ان اليسار واليمين متورطون معًا في هذة الجرائم وفي التستر عليها، وهم يسيرون في ذات الطريق بدون اختلافات جذرية بينهم. وهذا ما لا يستطيع يهود اليمن في البلاد استيعابه او تقبله او التعايش معه. فاليسار الصهيوني في اسرائيل في نظرهم هو هو يسار فاشي، لكن اليمين الصهيوني ايضا هو صورة طبق الاصل عنه بتعديلات خفيفة ليست جوهرية. وموقف اليمين الصهيوني ليست افضل حيال العرب ولن تكون افضل حيال يهود اليمن كمجموعة ثقافية. فالدولة الصهيونية وإن شائت ان توهمنا انها "دولة اليهود" الا انها ليست كذلك، والا كيف نفسر ان تقوم "دولة اليهود" بإبادة ثقافية ليهود اليمن وبدحر ثقافة يهودية حُفظت لأكثر من الفي عام واندثرت على يد الصهاينة؟!


---------------


وما اشبه الصهيونية بداعش، حركة ظلامية بحتة، تعمل على الابادة الثقافية للبلاد ولسكانها ولتاريخها بدون اي فرق بين يهودي، مسيحي، مسلم سني او شيعي، يزيدي، آشوري او اخر.

وقد يتسائل البعض لماذا اكتب عن يهود اليمن ضحايا الصهيونية وهم موالين لها؟
وعلى هذا اجيب: لانه مسار التحرر يجب ان يكون مسار كامل، والتهاون في حرية فئة معينة يجر تهاون في حريات الفئات الاخرى ويُسّهل على المؤسسة المراوغة والسيطرة. وهكذا ينتج وضع فيه يهود اليمن بغالبيتهم مواليين لاحزاب اليمين اللتي تكره الثقافة العربية وتزدريها بشكل معلن، بينما هم بذاتهم يهود عرب وثقافتهم اللتي اُبيدت هي ثقافة عربية.

والحرية لا تُنجز إلا بالتضامن بين كافة الفئات المقموعة، وإلا فإن فئة معينة ستستعمل كحربة لمحاربة فئة أخرى.