اذا كانت هذة هي الوطنية فانا لست وطنياً - في ظل اجواء الطائفية في الناصرة المطلوب قيادة تصنع البديل


الانتخابات المحلية في الناصرة هذة السنة أختلفت بشكل واضح عن كل ما سبقها من انتخابات. فخلافا لما سبقها ساد الحملة الانتخابية على مدار ما يقارب الشهرين شعور عام بنزوح الطائفية عن البلد. فمع نهاية التسعينات وبداية الالفية خيمت اجواء طائفية حادة في البلد. سياسياً خدمت هذة الأجواء الحركة الاسلامية في البداية وعادت بالفائدة على جبهة الناصرة (شيوعيون واخرون) فيما بعد حيث ضمنت الجبهة لسنوات عدة اصوات المسيحيين في البلد. خلال العقد الأول من الالفية تراجعت قوة الحركة الاسلامية لأسباب لن اخوضها كما وظهر التيار القومي متمثل بحزب التجمع وحاول دخول الساحة السياسية الا انه لم يحرز انجازا باهرا في الموضوع.

الى جانب اضمحلال الطرح الطائفي في هذة الانتخابات ظهرت بوادر أخرى تسر القلب ومنها ترشح أمرأة لكرسي رئاسة البلدية وهي حنين زعبي مندوبة القائمة الاهلية المتماثلة مع التيار القومي. بالأضافة الى امور اخرى من انشقاقات في الجبهة ومنها ظهور المجموعة الشبابية النشطة "حركة شباب التغيير" والانشقاق الأكبر وهو خروج علي السلام من تحالفه مع الجبهة تحالف دام ما يقارب العشرين سنة، وترشحه للرئاسة كمرشح مستقل مع قائمة مرشحين للعضوية تحمل اسم "ناصرتي".  

لقد كان من المثير بل من الممتع ان الحملة الأنتخابية في الناصرة هذا العام اثارت مواضيع سياسية ونسوية ونصراوية محلية وعامة لم يكن لها مكان في الساحة السياسية من قبل. ومنها النسوية والسياسية المحلية، وسوق الناصرة واقتصادها وازمة السير فيها وعلاقتها مع مرافق تجارية محاذية ومواضيع أخرى.

حتى اللحظة الأخيرة تأرجحت نتائج الانتخابات وما زالت بين على السلام المرشح المستقل المنشق عن الجبهة، وبين رامز جرايسي مرشح الجبهة ورئيس البلدية السابق منذ منتصف التسعينات حتى الان، بفارق 21 صوت تقريبا في المساء كانت لصالح الجبهة وفي الصباح ظهرت لصالح على السلام مما ادى بالجبهة بالبحث عن والسعي وراء كل صوت والتدقيق بالأصوات التي تم الغائها وشرعية الأسباب التي ادت لذلك وطبعاً اللجؤ الى القضاء في هذة الأمور بما فيها البحث والأصرار على اصوات المجندين من ابناء الناصرة.

أصوات الجنود، الطرح الديمقراطي والخطاب الوطني
السعي وراء اصوات المجندين أحرج الجبهة بشكل كبير وذلك لخروجها عن الاجماع الوطني حول قضية التجنيد والخدمة المدنية. لكنه ايضاً فتح سؤال كثير كبير وهو حول الموقف الديمقراطي من حق هؤلاء بالمشاركة بالانتخابات وشرعية اصواتهم وقد طغى على هذا النقاش خطاب "الوطنية والخيانة" وتجاهل جوانب أخرى للموضوع قد تكون جذرية ومبدائية اكثر من فضفاضية الوطنية والخيانة. فالمجتمع لا يخلوا من الكثير من الناس اللغير صالحة والغير كُفء للمشاركة في الانتخابات وعلى راسهن العملاء الموجودين بثياب مدنية والفاسدين اخلاقياً والمتحرشين والمعتدين جنسياً على النساء والأطفال وجرائم كلها لا تقل خطورة عن جريمة الالتحاق بجيش الأحتلال. فما هو المعيار الذي نعتمده عندما نسلب من هذا او ذاك شرعية الحقوق.

نظرة نسوية على خطاب "الخاين والوطني" في سياق النقاش حول اصوات الجنود
حث الجبهة التخلي عن سعيها وراء اصوات الجنود ما هو الا قرار ميداني شعبي بما يخص حق من الحقوق الأساسية لهولاء كافراد في المجتمع. فخطاب "الخاين والوطني" كخطاب "العيب والحرام" هم اليات اجتماعية يستعملها المجتمع لضبط افراده وللمحافظة على قوانينه اللتي لا تكفلها مجموعة القوانين الرسمية في الدولة. بواسطة آليه "العيب والحرام" حافظ المجتمع الفلسطيني على انضباط نسائه وعلى تحديد حريتهم مقارنة مع مساحة الحرية اللتي تمنحهن اياها القوانين الرسمية. وكلنا يعلم ان  الكثير من النساء اللتي لم تحافظ على هذة القوانين الاجتماعية نفذت فيها محاكم ميدانية تعرف باسم "جرائم الشرف".

منذ شهر او اقل تقريبا خرجت النسويات في الداخل على كافة قياداتها النسوية على مختلف اطيافها متكاثفات مع رجال داعمين من كل الاحزاب وعلى رأسهم قيادات هذة الاحزاب لمناهضة هذة المحاكم الميدانية وهذة الجرائم المرتكبة بحق النساء، مطالبات السلطات الرسمية بأخذ المسؤولية وفرض اطار القانون والاحكام الرسمية في هذة القضايا.

آلية "الخاين والوطني" هي ألية اجتماعيا مطابقة لآلية "العيب والحرام" وتعمل بطرق مشابهة. في اشياء بتنعملش وفي اشياء اللي هي "عيب" وفي اشياء اللي هي "حرام". لكن من يحدد ما هي الثوابت هذة التي تحث عليها هذة الأليات؟! وكيف يقوم المجتمع بالتعامل مع هذة الثوابت ومع خروقاتها؟! من يصدر الأحكام ومن ينفذها؟ هل نريد ان نحتكم لمحاكم ميدانية؟! فبعدم وجود اطار رسمي شامل وجامع للمجتمع الفلسطيني في الداخل يبقى اطار الثوابت الوطنية-الاجتماعية اطار فضفاض يسرح ويمرح به كل من يشاء.

لكي نحافظ على ثوابتنا الوطنية نحن بحاجة لاطار شامل وجامع. ومن المفروض انه "لجنة المتابعة" او ما شابهها أن تأخذ وظائف وادوار تمثيلية جامعة شاملة وملزمة، لا تقتصر على امور محلية انما على التمثيل في البرلمان الأسرائيلي وعلى تمثيل فلسطيني الداخل الحاضرين الغائبين والعائق الاكبر في مفاوضات السلام.

وطبعا يبقى السؤال والتحدي الأكبر امام النساء النسويات والقوميات منا بالاساس، هو الحد من المعايير المحافظة التي سوف يفرضها على النساء هذا الأطار. فليس من المفاجئ ان قيادة الأطار الوطني قد تترك مشاكل الدنيا كلها وتشغل حالها بالحد من حرية النساء والمحافظة على المجتمع والهوية من خلال فرض السيطرة على النساء.

عودة الى الناصرة والى ما افرزته من طائفية بعد الانتخابات
نتائج الانتخابات المترنحة بين هذا وذاك ادت بكافة الأطراف الى اللجوء الى كل السبل الممكنة للتأثير على النتائج. فان التجأت الجبهة الى القانون والقضاء، التجاء الأخرون الى الشعب والى قدرته على "التخجيل" و"الترهيب" و"التوعيد" مما اثار توترات الناصرة في غنى عنها. والطابع المهيمن على هذة التوترات هو طابع طائفي فأن اعتقدنا ان الطائفية خارج الناصرة ولا مكان لها منذ بداية الحملة الانتخابية حتى يوم الأقتراع فها هي تعود الى الناصرة من بابها الاوسع غداة الأنتخابات لتحسم المعركة ولتخدم مصالح هذا او ذاك.

خلال اسبوع كامل بعد الانتخابات استشاطت الاجواء في الناصرة وتعالت اصوات المنددين والمتوعدين والمدينين في كل حيز وسياق. هذة التوترات طالت كل النصراويين وكلهم بترقب بما ستؤل اليه البلد في حال كانت النتيجة لصالح هذا او ذاك. والحديث ليس عن توتر وترقب كالذي يسود الأجواء بين محبي فرق كرة قدم، انما ترقب وتوتر بين ناس ما ذالت تذكر الفتنة الطائفية التي عاثت بالبلد خراباً منذ ما يقارب خمسة عشر عام.

اسبوع كامل من هذة التوترات ولم يقم اي من المترشحين والمتنافسين على رئاسة البلدية بإصدار بيان استنكار وتنديد باجواء العنف والطائفية التي لحقت بالبلد. اسبوع كامل ولم نسمع اي مبادرة شعبية لتهدئة التوترات. اسبوع كامل وكل من تلعب الطائفية لمصالحه الان يلعب بأعصاب البلد وباعصاب اهلها. اسبوع كامل من التوتر. اسبوع كامل من قلة الحركة في شوارع البلد. اسبوع كامل من قلة التجارة وربما السياحة ايضا. اسبوع كامل من انعدام الشعور بالأمان. وكافة المرشحين قاعدين يتفرجوا لا بل وكوادرهم بتزيد الطين بلة وبتهوش بالناس.  

والوطنيين طبعا يحلو لهم التهجم على الجنود وعلى اصوات الجنود الغير شرعية بغطرسة وغباء اجتماعي-سياسي يغفل عن حيثيات القضية وعن تفاصيلها الصغيرة المعقدة. ويلعب بهذا الفريق الوطني الى صالح الحكومة فما عجزت عنه الحكومة من محاولات تجنيد خلال سنوات عديدة يقوم الوطنيين المغطرسين منا بأنجازه عوضاً عنها. فالحكومة تقوم بأستهداف فئات الهامش المستضعفة اجتماعيا واقتصاديا، بداء بالدروز ومن ثم البدو والمسيحيين. وكل من هذة الفئات لا يخلو تاريخنا العربي وثقافتنا العربية من ازدرائها وملاحقاتها. فها هم الدروز يسكنون قمم الجبال في فلسطين منذ مئات السنين خوفاً من الملاحقات ويتحالفون مع الحاكم الذي يضمن سلامتهم. وللسكن في قمم الجبال ابعاد اقتصادية لن اخوض بها هنا، واكتفي بالقول بان فرص العمل والتجارة في قمم الجبال تختلف عنها في السهول والساحل، وبهذا يكون القمع مضاعف ديني طائفي اجتماعي واقتصادي. كذلك هو الحال في تجنيد المسيحيين فالحديث المعلن هو حقوق ومساواة والحديث الغير معلن هو التخويف والترهيب من الاخر ومن الملاحقات. واكثر ما يثير العجب من مجتمعنا ومن تركيباته وتعقيداته، هم البدو سكان القرى الغير معترف بها الملتحقين بجيش الإحتلال ويكفي ان تقراء تعليقات بعض النصراويين "الوطنيين" على "كلاب الأثر"  في جيش الأحتلال لتفهم مدى الكارثة الوطنية التي يحملها في جعبتهم هؤلاء "الوطنيين". فالتخويف والترهيب ونظرة التعالي والازدراء، التهميش الأجتماعي والأقتصادي والسياسي هم ما يدفع بهؤلاء الى الجيش الذي يهبهم فتات الأحترام وشعور الثقة والأمان الذي يعجز عنه الوطنيين منا. والسخرية في الموضوع انه هؤلاء الجنود ومنهم من يزاول عمله في الشرطة الأسرائيلية هم من يجولون في شوارع الناصرة الأن لضبط النفوس وللحفاظ على الآمان.

بهذا اليوم اخجل بإنتمائي الى الناصرة. بهذا اليوم اخجل بالخوف الطائفي المتفشي واللذي تعيشه البلد منذ اسبوع. اخجل انه في اليوم الاول انجح باقناع ذاتي بانه لا اساس لهذا الخوف وانه في اليوم الثاني اعجز عن ذلك. اخجل بمتملقي الوطنية في البلد. اخجل بالقيادات السياسية اللي قاعدة تتفرج ولا فيها ولا بقيادتها. اخجل بأنه الامر الوحيد الذي اتمناه الان هو ان اكون بمكان اخر في العالم اي كان بعيدا عن الناصرة وعن اهلها وعن الطائفية وعن كل هذة الفوضى وهذا الأضطراب. هنيئاً، هنيئاً لكم بالوطنية وهنيئاً لكم بالوطن، بس الأرض بلا الناس بعمرها ما بتكون وطن.

وللنهاية استشهد باقوال المربي الفلسطيني خليل السكاكيني (1878-1953)، ففي مقدمة يومياته "كذا انا يا دنيا" التي نشرت في القدس عام (1955): "وما هي الوطنية؟ اذا كانت الوطنية أن يكون الإنسان صحيح الجسم، قويا، نشيطا، مستنير العقل، حسن الأخلاق، انيساً، لطيفاً، فأنا وطني. وأما اذا كانت الوطنية تفضيل مذهب على مذهب وأن يعادي الانسان اخاه اذا لم يكن من بلاده او مذهبه، فلست وطنياً".

-----
نسرين مزاوي - ناشطة نسوية وباحثة في علوم الإنسان. حاصلة على الباكلوريوس في علم الأحياء وعلى الماجستير في إدارة البيئة والموارد الطبيعية.

مصادرة الحيز الثقافي والسياسي العام في البلد - سوق الناصرة، إعفاء من ضريبة البلدية (الارنونا) نعم ام لا؟

من الجوانب المنعشة في الإنتخابات المحلية في الناصرة انه لا تخلو من محفزات لطرح ونقاش قضايا محلية تخص الناصرة وإن قلت للأسف المساحات والمنابر الملائمة لنقاش موضوعي لهذة القضايا بعيداً عن الدعاية الإنتخابية البحتة وعن المناوشات الحزبية والشجار الحزبي العام.

سوق الناصرة / البلد القديمة، مركز البلد وقلبها النابض على مدار التاريخ، تحول مع العقد الثاني من الألفية الى افقر احياء الناصرة واكثرها تهميشاً. بين الحين والأخر تطرح بعض الافكار والاقتراحات من اشخاص تهمهم مصلحة البلد لكن تبقى هذة الأفكار مجرد افكار واقتراحات عابرة يطرحها هذا او ذاك خارج سياق أي خطة شاملة وبعيدة عن مواقع التأثير وعن مواقع أتخاذ القرار.

من الأقتراحات التي تسمع مراراً وتكراراً حول السوق وضرورة النهوض به هو إعفاء سكان حي السوق من ضريبة البلدية (الارنونا)، ولا شك في النوايا الحسنة لكل من يطرح الموضوع، لكن للأسف الشديد النوايا الحسنة لا تضمن الوصول الى نتائج مرضية. فإن تمعنا في الموضوع نجد ان الاعفاء من الضريبة له وجهين حيث ان إعفاء شامل للسكان والتجار سيزيد الوضع سؤ، اما اعفاء ضريبي يقتصر على التجار فقط  فله ان ينهض بالسوق وربما بمرافق أخرى بالبلد تبدو للوهلة الاولى بعيدة كل البعد ولا تمت للسوق بصلة. لكن قضايا البلد، تترابط كلها بشبكة علاقات مذهلة ومثيرة ولا يمكن التطرق الى قضية معينة بمعزل عن القضايا الأخرى.

لقد ابتدأت هذا المقال بستاتوس فيسبوكي كان من المفروض ان يكون قصيراً الا انه انتهى بثلاث صفحات من الملاحظات المتراصة والمتشابكة حول ضريبة الارنونا بالسوق وعلاقتها مع أزمة السير في البلد ومع جودة الحياة الثقافية والسياسية للفلسطينين في الداخل وللفلسطينين عامة، وسأحاول هنا ربط الأمور بشكل واضح وسلس على أمل ان استطيع طرح قضية إحياء السوق وعلاقتها مع مرافق الحياة الأجتماعية والسياسية والأقتصادية في البلد من منظور جديد ومختلف. عسى ان يقراء رئيس\ة البلدية القادم\ة واعضاء البلدية المستقبليون إن كانوا في الائتلاف او المعارضة هذة الملاحظات وعسى ان يكون لها تأثير مستقبلي على السوق وعلى التخطيط له.

الضريبة كمحفز أقتصادي لاهداف سياسية اجتماعية
الضريبة عامة عدا عن كونها مصدر دخل اساسي للسلطة لكنها بالأساس محفز اقتصادي توجه مسارات اجتماعية ثقافية وسياسية وتأثر على خيارات الناس وعلى اهوائهم. بعض الخيارات قد تكون "صلبة" او "متينة" لا تتأثر بمحفزات أقتصادية او غيرها، وبعضها الأخر قد يكون أكثر مرونة.  (مثلاً مياه الشرب حتى لو كان ثمنها 10 شواقل للتر لا مجال للمساومة او التنازل عن كمية المياه الأساسية اللي يحتاجها الجسم، فهذة حاجة "صلبة" لن تتأثر بمحفز اقتصادي، اما استهلاك مياه الري للحديقة او لحمام السباحة فهو "مرن" أكثر ويتأثر بشكل أكبر من المحفزات الاقتصادية الإيجابية او السلبية).

خصوصية السوق التاريخية، التراثية والثقافية
اعفاء من ضريبة الارنونا لسكان السوق له أبعاد وأسقاطات على السوق خاصة وعلى البلد عامة، وقد يكون لهذا الأمر ضرر للمدى البعيد اكثر من الفائدة التي قد يجنيها في المدى القريب. فالسوق وبكونه النواة التاريخية للبلد هو منطقة ذات ميزات تراثية وثقافية من المهم الحفاظ عليها، ومن بين هذة الميزات نمط البناء القديم والمتراص وزقاقات ضيقة بالكاد تتسع الى عربة صغيرة. ومن خصوصية السوق تنبع خصوصية السكن فيه حيث ان لهذا السكن ميزات وحاجات او ربما مشاق خاصة تختلف عن السكن في الأحياء الأخرى. ومن أبسط الأمور اليومية التي يواجهها سكان البلدات القديمة هو وصول او عدم وصول السيارات الى "باب الدار" او الى "باب المحل" أضافة الى أمور أخرى لن اتطرق لها هنا ولن يتسع لها هذا المقال. من هنا فإن السكن في حي لا تتسع أزقته لسيارة او لشاحنة نقل يتطلب جهد خاص من سكان الحي، وهذا الجهد يشمل الجهد الجسماني الفردي، حيث يضطر الأفراد السير مشياً على الأقدام مسافة معينة حتى الوصول الى البيت، بالأضافة الى جهد أقتصادي حيث تتكلف العائلة او الفرد بمصروفات خاصة قد لا يضطروا اليها في الأحياء الأخرى. وبالرغم من الصعوبات المرافقة للسكن بمكان تراثي قديم نجد أن الكثير من "مراكز البلد القديمة" في العالم (التي تشبه السوق وتم الحفاظ على بُنيتها المعمارية الثقافية التاريخية كما هي) تعج بالسكان، فالعديد من الناس قد يحلو لها السكن في هذة المناطق بالرغم من الصعوبات المرتبطة بذلك.

سوق الناصرة وخيارات السكان في البلدة القديمة 
في مجتمع عادل لا بد أن ينبع السكن في مكان قديم وتراثي كالسوق من خيار وليس من ضيق حال او قلة خيارات. وعودة الى الناصرة فلا بد لنا أن نسأل هل سكان البلدة القديمة في الناصرة اليوم يسكنوها بالرغم من كل الصعوبات من منطلق خيار حر وفرص عادلة ومتساوية ام من ضيق حال وقلة خيارات؟

اذا تمعنا في الفئات التي تسكن سوق الناصرة اليوم ممكن التمييز بين فئتين اساسيات: الفئة الأولى هي فئة مقتدرة موجودة بالسوق أباً عن جد وأمكانياتها الأقتصادية توفرلها خيارات واسعة لكن خيارها هو البقاء في السوق. الفئة الثانية هي فئة الناس "العلقانيين" بالسوق لأسباب أقتصادية ولإنعدام فرص ملائمة تمكنهم من الأنتقال الى اماكن سكن أخرى ومنهم "الملاكون" ومنهم "المستأجر المحمي".

الأنتقال للسكن الى اماكن أخرى ليس بالضرورة بيع أملاك (ولا نغفل عن الحساسية الوطنية لموضوع بيع الاراضي والاملاك) بالعكس في الحالة الطبيعية ممكن تأجير الملك لمن يرغب بذلك، لكن بوضوع السوق القائم اليوم (كل شي فيه ميت) فإما ان تسكن البيت الموجود في السوق أو تغلقه وتتحمل نفقة ضرائبه بالرغم من عدم السكن فيه. ونجد اليوم العديد من البيوت في السوق مغلقة لعدم ارادة مالكها تحمل مشاق السكن في الحي القديم ولإنعدام الخيارات الاخرى كالبيع او الإيجار. بالرغم من القدرة الأقتصادية لبعض المالكين الذين أنتقلوا للسكن خارج السوق لكن الضريبة المفروضة على البيت المغلق تشكل عبئ اقتصادي على العائلة ومن هنا قد يرضخ بعضهم، وربما قلة منهم وقد يكونوا الأضعف منهم، الى اغراءات او لربما ضغوطات البيع وذلك لصعوبة تحمل النفقات. من هنا فإن السكن بالسوق عبئ على الراحة الشخصية لمن يسكنه، وعبئ مادي على من يختار الخروج منه. وعلى هذا الأساس يُطالب من يُطالب باعفاء السوق وأهل السوق من الأرنونا، لتشجيع السكن فيه اولاً ولتدعيم اصحاب الملك والتصدي للضغوطات الأقتصادية ولأمكانيات البيع الغير مرغوبة والغير محبذة سياسياً واجتماعياً.

التعمق في المسارات الاجتماعية والأقتصادية التي سيقود اليها هذا الأعفاء يكشف عن صورة مختلفة بتاتاً عن ما قصده كل مُطالب. فإذا كان السؤال الأول هو: هل من يسكن السوق اليوم موجود فيه من خيار ام من قلة فرص وأمكانيات؟ فالسؤال الثاني هو: كيف سيؤثر الأعفاء من ضريبة الأرنونا على وضع السوق وعلى سكانه؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب التمييز بين أمرين: الأول، اعفاء البيوت السكنية من الأرنونا، والثاني، اعفاء المصالح والحوانيت التجارية من الأرنونا.

الأعفاء من الأرنونا للسكان دعم أم حصر وإستهداف؟
أعفاء البيوت السكنية من الارنونا قد يكون خطأ فادح بحق السوق وبحق سكانه، فالمُثقل والمُتعب من صعوبات الحياة في احياء السوق سينتقل منه الى حي أخر تسهل الحياة فيه ان توفرت له الامكانية الأقتصادية لذلك حتى وان تكلف عبئ ضريبة الأرنونا في الحي الأخر، ومن سيبقى في السوق هم اولائك المغرمين به او المستضعفين والمنهكين أقتصادياً حيث يمكنهم تحمل عبئ الأرنونا في حي أخر. لا بل وسيجتذب هذا الأعفاء أشخاص اخرين مستضعفين اقتصادياً من خارج الحي وسيعمل كمحفز أقتصادي مضاعف يجمع ويركز المستضعفين في حي واحد ويحصرهم به.

كذلك هو الامر بالنسبة للمنح والدعم والمعونات التي تهبها المؤسسات الحكومية بواسطة البلدية لسكان السوق حصرياً. فعمليا هذة المنح هي نوع من "فخ" يقع فيه سكان السوق والبلدية على حد سواء،  فمفعول هذة المنح والمعونات كالمغناطيس يجتذب الى السوق المحتاجين والمعوزين رغما عن خصوصية الحياة ورغما عن مشاق الحياة فيه. وبهذا يركز هذا الدعم بعكس غايته المعلنة مجموعة مستضعفة من الناس في منطقة معينة مما يُضعف حالها اكثر ويضعف المنطقة كلها ككُل. ولنا انا نرى في هذا استهداف ثقافي سياسي للبلد القديمة في الناصرة يهدف الى تركيز الفئات المستضعفة في السوق وإلى استضعاف السوق كمركز عام للبلد.  

اما لو تم توزيع الدعم البلدي المادي على كافة المحتاجين من السكان بدون اعطاء افضليات لحي على أخر فعمليا لا يقوم حي بذاته بإجتذاب المستضعفين، انما يتوزع الفقراء والمستضعفين على كافة المناطق في المدينة وتتوسع الفرص والخيارات العامة المفتوحة بما فيها خيارات السكن وفرص الخروج من دوائر الفقر.

الأعفاء من الأرنونا لأصحاب المصالح التجارية
اما بالنسبة للحوانيت والمصالح التجارية فمن الواجب بل من المفروض في ظل الوضع الراهن (السوق ميت منذ سنوات و90% من حوانيته مغلقة) ان تعطي البلدية اعفاء من ضريبة الارنونا لهذة المصالح التجارية وهذا الاعفاء سيعود بالفائدة على السوق والبلد عامة بعدة مستويات:
1)      محفز اقتصادي للتجار واصحاب الحرف واخرين للعودة الى السوق بالرغم من صعوبة وصول سيارات الزبائن وشاحنات مزودي البضائع لباب المحل.
2)      دعم لمن يختار السوق تجاريا وثقافيا واقتصاديا وتخفيف من شدة وعبئ المنافسة الأقتصادية والمنافسة على راحة الزبائن بين السوق واماكن أخرى مثل، المجمعات التجارية الحديثة التي تنعم بمواقف سيارات تتسع لكل من يشاء، والمحلات التجارية على الشوارع الرئيسية للناصرة والتي سيطرت بغير حق على الرصيف او على الشارع امامها وحولتهم لموقف خاص لزبائن المحل على حساب المشاة والسائقين ورواد الشارع عامة.
3)      اعادة النشاط الإقتصادي والتجاري والثقافي الى السوق سيفتح فرص عمل جديدة امام كافة سكان البلد، وسيزيد من الفرص الإقتصادية لسكان السوق واصحاب الأملاك فيه وسيخفف من حدة الطلب والضغط على شوارع البلد بما فيها تخفيف أزمة السير الخانقة، وطبعا لا بد وان يرتبط الأمر بتطوير مواقف سيارات محاذية للسوق من جهاته المختلفة.
4)      أعادة الحياة الأقتصادية والتجارية الى السوق قد تجتذب اليه حياة ثقافية وأجتماعية وسياسية متجددة وقد يختار البعض ممن اغلق بيوتهم في السوق العودة الى السكن فيها او قد تسنح لهم الفرص بتأجيرها لمن يرغب بالسكن في السوق عن خيار ورغبة بالمكان بالرغم من صعوبات التنقل وخصوصية الحياة فيه. وفي ظل الضائقة السكنية اللي تعاني منها البلد باعتقادي أن السوق حي كبير له القدرة على استيعاب عدد لا يستهان به من السكان، وقد يضاهي بسعته وقدرته الأسكانية أحدث احياء الناصرة.
5)      واخيراُ وبكون الناصرة المدينة الفلسطينية المخضرمة الوحيدة في الداخل، وبها من تراث معماري وإن كان ضئيل مقارنة مع المدن الفلسطينية الأخرى ما يستحق الحفاظ عليه. وبكونها أكبر مدينة في الداخل ومن المفروض ان تكون مركز حياة ثقافي وسياسي فمن الممكن أن يكون هذا الأعفاء الضريبي خطوة صغيرة تعود بالفائدة على اصحاب المتاجر الا انه قد يكون لها أثر كبير في إعادة الحياة الثقافية والسياسية الى الناصرة برونقها وخصوصيتها المحلية ومكانتها لأهلها في الداخل والخارج عامة.

"البيج" سوق الناصرة ومشتقات الحياة التجارية في البلد
 وللنهاية لا يسعني ان لا أتطرق الى خصخصة الحيز العام في الناصرة (أو مصادرته) عن طريق خصخة مرافقها التجارية والاقتصادية. فالصورة المرفقة لسوق مدحت باشا المنقولة عن صفحة حارات دمشق القديمة أستوقفتني وبشكل غريب جداً ذكرتني بالمجمع التجاري "بيج". وعامة فإن المجمعات التجارية الحديثة  أستبدلت المجمعات التجارية التقليدية وهي ما عرفت ب "الأسواق". النشاط البشري في المجمعين التقليدي والحديث مشابه جداً ففي الأثنين تقوم بركن السيارة بموقف خارج المجمع وتنتقل مشياً على الأقدام بين الحوانيت لفترة زمنية معينة تختارها اما للتنزهة او التسكع او لقضاء حاجات عينية. وكالمجمعات الحديثة المجمعات التجارية التقليدية لم تخلو هي ايضا من المقاهي والمطاعم والكافيتريات التي يمكن قضاء الوقت فيها مع الاولاد والأصدقاء، وبعضها مسقوف هو أيضاً فيحمي المتسوقين الاجواء المتقلبة ومن شمس الصيف ومن مطر الشتاء. 
.

الفرق الأساسي والجوهري بين السوق التقليدي  والمجمع التجاري هو **خصخصة الحياة التجارية في البلد** ويشتق منها بشكل مباشر خصخصة الحياة العامة واختزال الحياة الثقافية والسياسية وبما فيها الحقوق السياسية والثقافية للسكان كأفراد. فعمليا في السوق التقليدي لكل تاجر دكانه، بعض الدكاكين المجاورة قد يمتلكها شخص واحد لكنه لا يمتلك كل السوق. الشارع في السوق التقليدي هو ملك عام يحق لكل مواطن التصرف به وممارسة حقوقه السياسية به كما يحق له التصرف باي شارع او ساحة عامة او دوار. اما المجمعات التجارية الحديثة ولن اتطرق هنا الى معمارية هذة المجمعات، فلقد صادرت إضافة الى الملك الخاص الحياة في الحيز العام المنبثقة عن الحياة التجارية في البلد. فكما ان الدكان ليس ملك صحابه فكذلك الشارع او المساحة ما بين الدكاكين ليست ملك عام. الكل ضيوف عند مالك المجمع، هو يتحكم به ويديره وفقاً لاهوائه ووفقاً لما يحلو له وما يشاء. فيختار ما يعجبه من موسيقى ويث لنا ما يروق له من إعلانات، يتيح التسوق والتسكع في الأيام والمناسبات اللي تروق له ويغلقه في الأيام التي لا تروق له. وفي الناصرة تحديداً يمنع اغلاقه في أيام الأضراب ويفرض تشغيله في أيام الحداد. صاحب الملك هو يقرر لمن يأجر ولمن لا وبأستطاعته تهذيب التجار والتحكم بأرزاقهم، فهذا الحيز ملكه الخاص وقانونياً له أن يصنع به ما يشاء.

المجمع التجاري "بيج" ومجمعات تجارية أخرى تعود ضرائبها الى نتسيرت-عيليت تتغذى على فشل وانهيار الحياة التجارية في سوق الناصرة. خصخصة ومصادرة النشاط التجاري لا تقتصر على خصخصة الأرض والمساحات التجارية فقط بل تطول الحيز العام للبلد وتختزل الحياة الثقافية والسياسية اليومية فيها وما ينبثق عنها من نشاط وممارسة للحقوق الثقافية والسياسية للأفراد في الحيز العام. ففي المجمعات التجارية الخاصة نتحول جميعاً الى رهائن منهوبي الحقوق، نمارس منها بشكل جماعي متجانس ما يروق للمالك. ففي المجمع التجاري لا تستطيع التواصل السياسي مع المارة وتوزيع المناشير السياسية عليهم، كما ولا تستطيع التظاهر او الأبداع الحر في الشارع او الحيز العام لعدم تواجده ولفقدانه من الحياة العامة للمدينة. كذلك لن تسمع أغنية ثورية في احد المقاهي فكل ما تسمعه تشاهده وتتلقاه منوط بتصريح المالك ومن المفروض ان لا يقض راحة المتسوقين وان لا يخل بمتعة التسوق والأستهلاك.

للخلاصة..
وفقط للتذكير كل هذا كان في محاولة للأجابة على السؤال: أعفاء من ضريبة البلدية (الارنونا) كوسيلة لإحياء السوق نعم او لاء؟ وبشكل غير مفاجئ يفرض الواقع علينا علاقات وديناميكيات متشابكة ومركبة لا تقل تشابكا وتركيبا عن الحياة اليومية للفلسطينيين في الناصرة. وللخلاصة الأعفاء الضريبي لأصحاب المصالح التجارية في السوق قد يعود بالفائدة على البلد وأهلها بكافة الأبعاد اما الأعفاء الضريبي للسكان فما هو الا "فخ" يزيد من أستضعاف الحي وسكانه فيسهل انتهاكه.

-----
نسرين مزاوي - باحثة في علوم الإنسان. خبيرة ومستشارة بيئية مستقلة. ناشطة نسوية. حاصلة على الباكلوريوس في علم الأحياء وعلى الماجستير في إدارة البيئة والموارد الطبيعية.