أسطورة التزايد السكاني وأبعاده البيئية





الموضوع البيئي كأي موضوع علمي أخر قد تُدحرج فيه النظريات العلمية لتتحول الى أساطير يتبادلها الهاوايين ويستغلها السياسيين لترسيخ أجندات سياسية – أقتصادية – أجتماعية محلية وعالمية تبعد كل البعد عن الحاجات البيئة الحقيقية.

يتطرق زميلي الصحفي عمر المنصور في مقالته النمو السكاني المتزايد واثره على البيئة، الى الأبعاد البيئية للزيادة المستمرة في عدد سكان العالم من حيث تزايد الطلب على الموارد البيئية بغرض تلبية الحاجات البشرية من مسكن وملبس غذاء وأماكن عمل وترفيه.

أوافق زميلي بتحليله للحالة البيئية الا أنني لا أتفق معه بالخلاصة الى "الحاجة لضرورة... وقف عشوائية زيادة السكان داخل المدن العربية التي تعاني انفجارا سكانيا هائلا..." وأود التنويه الى ما غفل عنه المنصور وهو تحليل القضية البيئية من منظور "أثر القدم الأيكولوجي" (Ecological footprint) حيث تختلف الرؤيا تماماً من هذا المنظور وتختلف معها التحديات وأستراتيجيات العمل والأجندات.

اولاً فلنبدأ بالأعتراف بحقيقة كون الكرة الأرضية مكان محدود لا يمكنه أستيعاب وحمل عبئ عدد لا متناهي من الأفراد. كل من يعيش على الكرة الأرضية يستهلك جزء منها، جزء من أرضها وجزء من مياهها وجزء من هوائها وجزء من نفطها... بالأضافة الى اجزاء أخرى من مواردها المتجددة والغير متجددة. حتى أن لم نمتلك هذة الأجزاء مباشرة الا أننا نتملكها ونستهلكها بأشكال عدة. في الشريط "قصة الأشياء" وفي والموقع الألكتروني The story of stuff يمكن تتبع عملية ولادة وموت ما نستهلكه من منتوجات.

على سبيل المثال أذا تتبعنا كرتونة الحليب في البراد والمسار التي سلكته من مصدرها الأول حتى وصلت الى فنجان "النسكافيه" فنجد أننا قد ربينا بقرة معينه على مساحة أرض معينة (ربما نصف متر مربع يكفي لها لتصطف في زريبة تكنولوجية مع أترابها من بقرات أخرى)، هذة البقرة تحتاج أن تأكل البرسيم الذي زرعناه على قطعة أرض معينة (فلنقل دونماً من الأرض) وحصدناه من أجلها على مدار سنوات، بالأضافة الى ذلك تحتاج البقرة الى حيز معين لأبعاد الروث عنها والى بئر من الماء لتشرب منها. عملية نقل البرسيم من الحقل الى الزريبة تحتاج الى عربة هذة العربة تحتاج الى مساحة من الأرض لتخصص كشارع او درب تسير به العربة بسلاسة، ناهيك عن العربات الحديثة وما تحتاجه من نفط الذي يحتاج أستخارجه وتكريره ونقله مساحات أضافية من الأرض بالأضافة الى كون هذة العمليات عمليات منوطة بما لا يقل عن ما سبقها من مساحات هواء وماء لعمليات التكرير والتبريد والنقل البحري.

ولنقل كبرت البقرة وماشاءالله عليها وأدرت الحليب. عملية تعليب الحليب، نقله، تخزينه، وتوزيعه كلها متعلقة اولاً بوجود مساحة من الأرض والهواء والماء تدعم هذة العمليات وتمكننا من القيام بها، جزء من هذة المساحات نستهلكها بشكل مستدام فمثلاً لا نحتاج الى بناء شارع جديد لكل علبة حليب لكننا نحتاج الى كمية أضافية من الهواء والماء لأنتاج كل علبة ونقلها من مكان الى مكان. وهكذا فأن جزء من هذة المساحات تستهلك بشكل دائم ومتجدد حيث أن بعضها تزودها لنا الطبيعة بدون أي حد مثل الطاقة الشمسية، وبعضها يتجدد بفعل دورات طبيعية للمواد مثل دورات الهواء والماء، وبعضها الأخر محدود وغير متجدد مثل النفط ومعادن مختلفة.

عمليا ما نقوم به من نشاطات حياتية بشرية يتم بفضل أخضاع هذة المساحات والموارد وأستهلاكها لدعم وتمكين عمليات الأنتاج والأستهلاك على جميع مراحلها واشكالها. "أثر القدم الايكولوجي" هو مقياس لتقييم حيز (مساحة وحجم) من الموارد الطبيعية التي نستهلكها في عملية أنتاج وأستهلاك وكب منتوج معين. وهكذا تختلف "أثر القدم الأيكولوجية" بحسب مسار عملية الأنتاج.

فعلى سبيل المثال أثر القدم الأيكولوجية لكأس حليب من بقرة الجيران، يختلف عن أثر القدم الأيكولوجية لكأس حليب مستورد ومعلب ومبرد بديمومة بأنتظار قدوم من ينقله من براد المصنع الى براد المستودع التجاري ومن ثم الى براد البيت ومن ثم ينقل ما بقي من رزم تعليب وتغليف الى مكب النفايات. ولا أهدف هنا الى حث كل منكم على تربية بقرة عند الجيران أنما المثال للتوضيح لا غير.

تختلف "أثر القدم الايكولوجية" من منتوج الى منتوج وكذلك تختلف من فرد الى فرد ومن دولة الى دولة ومن مجتمع الى مجتمع بحسب أنماط الحياة المختلفة. وأن نظرنا للعالم نظرة شمولية فنجد أن "أثر القدم الأيكولوجي" لسكان العالم هو 22 دونم للفرد، بينما ما تستطيع الكرة الأرضية تزويده للفرد الواحد في الوضع القائم هو 18 دونم فقط!!! ومن هنا تنبع الأزمة البيئية فنحن في حالة من الأفراط البيئي أي "مينوس البيئي" أو "environmental overdraft".

طبعا الى هنا أتفق وزميلي عمر المنصور ولفهم حثيثيات الحالة يمكن قرائة مقالته بتمعن. لكن الاكتفاء بالأسهاب بتفاصيل هذا الأفراط قد يؤدي بالبعض بالأستعجال الى الخلاصة الخاطئة وهي بأن المشكلة تكمن بعدد سكان الكرة الأرضية وأن ضبط عدد السكان هو الحل الكفيل بالحد من الازمة البيئية. بالأضافة الى ذلك قد تؤدي هذة الخلاصة الى تسارع المنتفعين سياسياً واقتصادياً لتوجيه أصابع الأتهام للدول "المتكاثرة" وللعائلات الكبيرة، والقليل من التروي ونظرة معمقة في التفاصيل الدقيقة تقودنا الى أستنتاجات مختلفة.

أولاً – بحسب الموديل المتبع لقياس "الأثر الأكولوجي" وبحسب المعطيات الموجودة، نحتاج اليوم الى ما يزيد عن كرتين أرضيتين ونصف لكي تستمر الحياة على الكرة الأرضية بشكلها المتعارف عليه اليوم وبالرغم من هذا ما زالت الحياة مستمرة!!! من هنا يمكننا الأستنتاج بأن بعض أفراد العالم لا تستهلك 22 دونم للفرد أو حتى 18 دونم للفرد، بل ان حاجاتنا الحياتية الفردية والجماعية هي مرنة والحيز الأكولوجي المطلوب لها هو مرن ايضاً.

ثانياً – لا بد من التساؤل كيف وصلنا الى هذا الأفراط البيئي (المينوس\overdraft)، من أفرط بأستخدام الموارد ومن حافظ عليها؟ اذا تعمقنا في القائمة المدرجة أعلاه نجد أن الأفراط البيئي يختلف من دولة الى دولة، فالأفراط البيئي الأمريكي هو 46- دونم للنسمة والهولندي هو 39- دونم للنسمة، بينما الصيني هو 7- دونم للنسمة والهندي 4- دونم للنسمة. لا يوجد اي شك بأن جميع دول العالم موجودة بحالة من الافراط البيئي وجميعها بحاجة الى ترشيد الأستهلاك، لكن يوجد فجوة كبيرة جداً بين الدول المختلفة بقدر الأفراط البيئي وهذا ينبع من نمط الحياة الأستهلاكي المتبع بكل دولة ودولة.

كذلك يختلف الأمر في المجتمع ذاته من عائلة الى عائلة. فعلى سبيل المثال العائلات عديدة الأولاد عادة ما يحتم عليها عدد أفرادها أعتبارات أقتصادية وأنماط أستهلاكية تؤثر على أثر القدم الأكولوجي لها ولأفرادها. فنجد أن العائلات الفقيرة تعتمد الغذاء الغير مصنع والغير معلب، أما العائلات الكبيرة ميسورة الحال وهي قليلة نسبياً وان توجهت الى الغذاء المصنع فقد تعتمد الكميات العائلية في الرزمة الواحدة وتكون أثر قدمها الأكولوجي اقل بكثير من العائلات الصغيرة ميسورة الحال التي تعتمد الوجبات الفردية المصنعة والمعلبة والمخزنة كوجبات صغيرة. وهكذا فغالباً ما نجد أن أثر القدم الأيكولوجي العائلي الشامل لعائلة العشر أفراد قد يكون أقل منه بكثير لعائلة الثلاث أفراد.

وبالرغم من هذا التفاوت الأ أن الكارثة البيئية الحاصلة والمنتظرة في آن واحد تنبع من التخوف من طموح وارادة كافة أفراد العالم على شتى أشكالهم بنمط حياه مشابه معادل وموازي لنمط الحياة الأمريكي والغربي. في هذة الحالة سنحتاج الى سبع كريات أرضية وربما أكثر، وبما اننا لا نملك غير كرة ارضية واحدة ووحيدة فأن كانت حاجتنا الى كرة أرضية أضافية واحدة أو الى خمس أو سبع فأن الحال واحد.

عودة الى مقالة عمر المنصور وتشحيذاً لرسالتها يمكننا القول ليس لنا من سبيل للحياه على الكرة الأرضية أذا اراد جميع سكان العالم وذريتهم الحياة بنمط حياة أستهلاكي موازي ومعادل لنمط الحياة الغربي ولمعاييره الحياتية. لكن هل يمكننا من هنا أن نستنتج أن قلة من البشر "مستغربة" بنمط حياتها الأستهلاكي (على وزن مستشرقة) سيكون لها من سبيل لحياة أفضل؟! ربما لفترة وجيزة من الزمن لكن سرعان ما ستعود جشاعة الأستهلاك الأعمى بظمأه الذي لا يروى وأتخامه الغير محدود لتقود البشرية الى المعضلات ذاتها.

وفي سياق معايير العدل الأجتماعي البيئي، ماذا تقول للهندي الذي يريد أن يعيش حياته برفاهية كما يعيشها الهولندي والأمريكي أو ربما الأسرائيلي حيث أن افراطه البيئي هو الأكبر، وهل من العدل أن يستهلك الأمريكي والهولندي وغيرهم مواردهم وموارد الأخرين بينما ينظرون ويروجون أدعاءاتهم المموهة والخاطئة ويلقون الأتهامات بدمار حاصل مقبل على من لم يأثم وعلى من لم يولد بعد؟! فهل نغفل عن ثقافة الأستهلاك ثقافة تستهلك الأنسان كما تستهلك الاشياء ونؤمن بخدع الأساطير والأوهام؟ّ وعلى أي من الأسس نبني ونخطط التنمية البشرية في البلاد؟ وهل الحل هو عملية الحد من السكان أم أن عملية الحد من السكان ستقود حتما الى تفاقم الأزمة البيئية حيث لا يكمن الحل في الحد من عدد السكان بل بالحد من ثقافة الاستهلاك!!!


c حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي - ناشطة أجتماعية حاصلة على اللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية وعلى اللقب الأول في علم الأحياء.

هل الحرية هي التي تقتل النساء أم الحرية هي التي تخلصهن؟

"الحرية الزائدة تقتل النساء" – هذا ما تدعيه أحدى قريباتي، لتعليل مسلسل قتل النساء الغير متناهي. "خروجهن للجامعات وتعاملهن مع الحرية بشكل خاطئ هو الذي يفقد الرجال عقولهم ويؤدي بهم الى قتلهن". الرسالة المبطنة لهذا الادعاء لا تربط القتل بالشرف بفهومه التقليدي، انما تربطه بالمفهوم السطحي لكل تصرف غير لائق للنساء. فأن "الخروج للجامعة والحرية الزائدة والعمل " هي اللتي تفقد الرجال عقولهم وتؤدي بهم الى قتل النساء. لكن ما تغفل عنه قريبتي هو ان النساء تقتل نتيجة العنف داخل العائلة ولا علاقة لتعليمها الجامعي أو عدمه بذلك وكذلك لا علاقة لعملها خارج المنزل أو عدمه بذلك. وتتفق معي قريبتي ان حالات العنف العائلي التي نعلم بتفاصيلها عن قرب، حيث للأسف الشديد تقع ضحيتها أكثر من واحدة من قريباتنا او صديقاتنا أو معارفنا، تؤدي في كثير من الأحيان بالنساء الى دفع حياتهن ثمن هذا العنف، ربما عمداً وربما بضربة خاطئة لم يقصد لها ان تكون قاضية.

وتتفق معي قريبتي بأنه في حالة لاسمح الله قتلت أي من قريباتنا أوصديقاتنا أومعارفنا فأن لا علاقة لذلك بأي شرف او حرية زائدة، والملوم الوحيد هو الزوج الذي من سؤ حظها أقترنت به والأفضل لها ان تبتعد عنه بأسرع وقت وأن تخرج من البيت اليوم قبل الغد. ولا تتفق معي قريبتي على أن الخمسين حالة قتل للنساء في السنة الأخيرة حدثت على خلفية مشابه، عنف داخل المنزل، وتصر على ان حالة قريباتنا وصديقاتنا ومعارفنا هم حالة الأقلية، وتصر ايضاً على أن الأغلبية لا بد وتصرفن بشكل مخالف للعرف والأخلاق أفقد الرجال عقولهم فقتلوهم. فمن نعرف تفاصيل وحثيثيات حياتهن فلا شبهة بشرفهن اما النساء عامة فمنتهكات وموصومات بقلة الشرف.

وبينما تصر قريبتي بأن الحرية الزائدة هي التي تقتل النساء فبأعتقادي أن الحرية الناقصة هي التي تقتلهن. فقريباتنا وصديقاتنا ومعارفنا نجون من موت عشوائي محتم بفضل قدرتهن على الخروج من قفص العنف القاتل. خروجهن ذلك تم بفضل قدر من الحرية توفرت لهن معنوياً ومادياً، ربما من عائلاتهم المقتدرة نوعاً ما أو من قدرات ذاتية لكن لولا القدرة على الخروج من قفص العنف الأسري التي تتوفر غالباً بفضل التعليم والعمل والأستقلال الأقتصادي ، لربما وجدن مصيرهن كالخمسين الأخريات التي لم يحالفهن الحظ بذلك!

كيف تدخل النساء الى هذا القفص وكيف تخرج منه، وهل الحرية الزائدة تدخلهم اليه والحرية الناقصة تخرجهم منه أم العكس تماماً؟!!!
تتخذ غالبية النساء قرار الزواج تحت ظروف قاهرة. فأولاً عليهن حسم الموضوع خلال السنوات الأولى لربيعهن العشرين، "فمع العمر تقل أحتمالاتهن وما لم تحظين به مبكراً لن تحظين به لاحقاً". ثانياُ تتخذ النساء قرارهن تحت ظروف اقتصادية قاهرة فأن 50% من المجتمع العربي يعيش تحت خط الفقر وال50% الأخرون بمقربة منه، وما بين 70-80% من النساء العربيات غير عاملات بكلمات أخرى ليست لديهن أي أمكانية لحياة أقتصادية مستقلة فأما تكون عبئ على العائلة المنهكة أقتصادياً أو تكون أسيرة الزواج الذي قد يتحول بكابوسٍ الى قفص ودوامة عنف لامتناهية.
ظروف أقتصادية بأمكانها أن تأخذ من المرأة حريتها وظروف أقتصادية بأمكانها ان تعيدها اليها. عدم أستقلال المرأة أقتصادياً يقلل من حريتها ومن أمكانيات اختيارها ويزيد من أحتمالات أسرها في قفص العنف الأسري. أما النساء اللتي "عندهن ظهر" أي عائلة تدعمهن معنوياً وأقتصادياً أو النساء التي "تصب أياديهن على رؤوسهن" أي يوجد لديهن أستقلال أقتصادي يمكنهن من حياة مستقلة نوعاً ما فأحتمالاتهن للنجاة بحياتهن تزيد عن أولائك المعدومات.
وتكتب د. منار حسن في أحدى مقالاتها عن دور "القيل والقال" في التمهيد للقتل، فتقتل النساء وتدعين أخريات بأنها الحرية – فتحولن الحرية الى عار والجريمة والأسر الى شرف - فهل هي الحرية التي تقتل النساء أم الحرية هي التي تخلصهن؟!

© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي - محاضرة ومستشارة في مجالي التنمية المستدامة والجندر، حاصلة على اللقب الأول في علم الأحياء واللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية.

قمة كوبنهاجن – القصة وما فيها

تنعقد قمة كوبنهاجن للمناخ في أطار معاهدة الأمم المتحدة للمناخ الموقعة عام 1994. وتعتبر سنوات التسعين من اهم السنوات في الخطاب البيئي الدولي وأهم الامور الموضوعة على طاولة المفاوضات في كوبناهجن اليوم هي بروتوكول كيوتو وصندوق التكييف المخصص لدول الجنوب. سأحاول هنا أستعراض هذين الموضوعين والمعضلات الأساسية حولهم بشكل مقتضب لمحاولة توضيح الشرخ البيئي بين دول الجنوب ودول الشمال.

اولاً بالنسبة للخلاف "العلمي" حول تغيرات المناخ والأحتباس الحراري أود التنويه بأن الخلاف الموجد ليس حول ماهية الموضوع أنما حول تفاصيله، ففي الواقع يوجد أجماع عام بين كافة العلماء على التغيرات المناخية الناتجة عن النشاط الصناعي البشري وعلى الأحتباس الحراري والخلاف هو حول فتحة الزمن الموجودة أمامنا للتدارك الأمور. طبعاً في كثير من الأحيان الأعلام يصور الموضوع وكان الخلاف هو بين وجود المشكلة أو عدم وجودها وذلك وفقاً للمصالح السياسية والأقتصادية للجهات التي قد يخدمها ذلك التمويه وعلاقة هذة الجهات مع الأعلام وسيطرتها عليه. والمعضلة المطروحة هي هل نقوم بتقليص الأنتاج الصناعي اليوم أو بعد عشرين سنة مثلاً وهل نقوم بتقليص كميات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 5% أو 30% أو ربما 80%؟!

عامة نستطيع أن نميز بين سيناريوهات أثنين: المتفائل والمتشائم، يمكننا اتباع السيناريو المتفائل ونتابع أعملنا كعادتها وبعد عشرين سنة نكتشف ربما أصبنا أو ربما أخطئنا وهكذا يكون أحتمال نجاحنا 50%، أو قد نتبع السيناريو المتشائم الذي سيفرض علينا تغيير أنماط حياتنا اليوم وايجاد طرق بديله ودوده للكرة الارضية وباعقاب هذا التغيير لن نعلم ابداً اي من السيناريوهات صدق لكننا سنبعد الخطر المنبثق عن تغيرات المناخ وتكون أحتمالات نجاحنا 100%. وهنا تكمن المعضلة أي من السيناريوهات نختار وما هو مقدار "التشاؤم" أو "التفائل" في السيناريو الذي سيتم الأتفاق عليه والعمل بموجبه. طبعاً القضية هي ليست قضية نفسيات أو مزاجيات انما قضية ربح وخسارة، مصالح أقتصادية دولية وعلاقات قوة سياسية.

اولاً للدول العربية دور هام في الموضوع، فبعضها مصدر للنفط وابرزهم السعودية ومن مصلحة هذة الدول اتباع السيناريوه المتفائل بأقصى حد حيث يحافظ هذا السيناريوه على قيمة ذهبها الأسود، النفط، بينما يقوم السيناريو المتشائم بالحد من أستهلاك النفط والتوجه الى مصادر طاقة بديلة وسيفقد النفط قيمته. خلافاً لذلك جزء أخر من الدول العربية عضوة في ائتلافات مختلفة لدول الجنوب وعلى رأسها كتلة الدول الأفريقية حيث بادرت بتحفيز جزائري الى مقاطعة المفاوضات أمس احتجاجاً على نهج التمويه وممارسات المراوغة لدول الشمال في المفاوضات.

عودة الى بروتوكول كيوتو حيث تم التوقيع عليه سنة 1994 وأنسحبت منه الولايات المتحدة مع تولي جورج بوش الأبن للرئاسة عام 2000. بروتوكول كيوتو هو اتفاق قانوني دولي يفرض على الدول الصناعية (دول الشمال) بتخفيض شامل لأنبعاثات ثاني اكسيد الكربون فيها بنسبة 5.2% نسبة لأنبعاثات سنة 1990. هذة النسب تختلف من دولة لدولة حيث تكون في أوروبا على سبيل المثال 8% في الولايات المتحدة 7%، اليابان 6% وفي روسيا 0%. ام بالنسبة لدول الجنوب وهي بطبيعتها الغالبة دول زراعية غير صناعية فلم يفرض عليها البروتوكل أي تحديد على العكس تم تخصيص حصص ايجابية من الهواء لهذة الدول وفيما بعد في عام 2007 تم الأتفاق على تبادل هذة الحصص مع الدول الصناعية مقابل مبالغ مالية تخصص للتكيُف للأضرار الناجمة عن تغييرات المناخ وتطوير تقنيات ودودة للكرة الارضية للنهوض بالأقتصاد المحلي.

تحصى الصين على دول الجنوب واعتبرت في ذلك الحين دولة نامية فلم يتم تحديد حصتها من الانبعاثات الغازية، طبعاً هذا الأمر أثار حفيظة الولايات المتحدة حيث أن الصين والولايات المتحدة مجتمعات معاً لهم حصة الأسد 40% من هذة الانبعاثات. عملية تقييد الولايات المتحدة مقابل فك رسن الصين في أنتاجها الصناعي له ابعاد أقتصادية كبيرة على كل من الدولتين، ولا ننس أنه خلال الأزمة الأقتصادية الأخيرة الصين كانت أحدى المرشحتين بالأضافة الى أوروبا لوراثة الولايات المتحدة بهيمنتها الأقتصادية العالمية.

طبعاً ليس الأمر بهذة البساطة أن الأنتاج الصناعي للصين وبالتالي الأنبعاثات الغازية التي تنتج عنها لا تشتق أبداً من عدد سكانها، فأن ما تنتجه الصين للأخرين يعود بالمردود الأقتصادي على الصين الا انه خارج أثر القدم البيئي لمواطينيها. وأثر القدم البيئي هو سلم لقياس مساحة الأرض الهواء والماء الذي يحتاجهم شخص معين لحياة بنمط معين، فعلى سبيل المثال أثر القدم البيئي في الهند 8 دونم للفرد بينما هي في هولندا 47 دونم للفرد و مساحة الارض المتوفرة للفرد في الهند هي 4 دونم للنسمة بينما في هولندا 8 دونم للفرد ومن هنا نجد ان الهند ينقصها 4 دونم للفرد لتحافظ على نمط حياته الموجود اليوم بينما ينقص هولندا 39 دونم للمحافظة على نمط حياه سكانها.

المعدل العالمي لأثر القدم البيئي هو 22 دونم للفرد بينما المساحة المتوفرة على الكرة الأرضية هي 18 دونم للفرد من هنا فنحن نحتاج الى ما يقارب 4 كريات أرضية أضافية لكي يستطيع كلٌ منا الحفاظ على نمط حياته الموجود اليوم. في هذا السلم تقع الصين تحت المعدل العام حيث أن أثر القدم البيئية في الصين هي 15 دونم للفرد بينما تتصدر الولايات المتحدة هذا السلم وتكون أثر القدم البيئية فيها 95 دونم للفرد تليها كندا 64 دونم للفرد وفي المرتبة الثالثة هنيئاً وهنيئاً اسرائيل 53 دونم للفرد. وبينما ينقص الولايات المتحدة 46 دونم للفرد ينقص أسرائيل 49 دونم للفرد ووبهذا تكون هذة أكبر فجوة عالمية بين المطلوب والموجود بينما تكون الصين في أدنى هذا السلم مع نقص 7 دونم للفرد.

غالبا ما نسمع الأدعاء بأن التضخم السكاني هو أعوص القضايا البيئية الا أنه يمكننا القول بأن هذا الادعاء فقد مصداقيته بالرغم من أنه ما زال يستعمل بسطحية من قبل بعض المغرضين فقد يكون التضخم السكاني مشكلة بيئية الا ان المشكلة الأعوص هي نمط الحياة فأن أرد كافة سكان العالم الحياة بنمط حياة أمريكي لأحتجنا الى 16 كوكباً موازيين للكرة الارضية لكن في تحولنا الى أنماط حياة مختلفة ودودة للكرة الأرضية قد تستطيع الكرة الأرضية تحمل عدد السكان الموجود اليوم وربما أكثر بدون أي مشكلة.

والسؤال الذي يطرح هو: لماذا اذاً لا نغير انماط حياتنا؟! طبعاً أحد الأسباب ذكرت سابقاُ فأن تغيير انماط الحياة سيغير قواعد اللعبة وموازين القوة وكل من الدول "العظمى" تريد المحافظة على مكانتها في هذة اللعبة فأن الأمر أشبه بطفلين كل منهم يمسك بخناق الأخر وكل ما تسمعه هو "فلت بفلت" "أنت أول، لا أنت أول"!!! وهكذا هي للأسف الشديد صورة الوضع المنبثقة عن المفاوضات في قمة كوبنهاجن.

ومن مراوغات دول الشمال انها تحاول أستبدال البروتوكول بأتفاقية أخرى تحدد فيها نسب أنبعاثات أخرى وفقاً للسيناريو المتفائل أو نسبة لسنوات اخرى لاحقة لسنة 1990 وهي سنوات قامت بها هذة الدول بزيادة وتكثيف انتاجها الصناعي علماً انها ستحد منه مستقبلا بشكل نسبي، بينما تود دول الجنوب تمديد أتفاقية كيوتو كما هي الى عام 2020 وهي اليوم سارية المفعول حتى 2012 الا اذا تم ابطالها الأن. أضافة الى ذلك فيوجد التباس في موضوع صندوق التكييف لدول الجنوب حيث قامت دول الشمال بأعطاء وعود لدفع مبالغ معينة مقابل حصص التلويث الا أنها تعتمد التمويه حول هذة المبالغ وحول كونها بديلة أو جزءا من التزامات أخرى بين هذة الدول. ومن الجانب الأخر تقوم بعض دول الجنوب بسبب الفساد المتفشي بها بالتصرف بهذة الميزانيات بشكل مخالف بتاتاً للأتفاقيات ناهيك عن ان بعض منها قد لا تجد له أثر بتاتاً.

وان تكلمت سابقاً عن أسرائيل فأن أحدى المفارقات الساخرة أن أسرائيل بتقنياتها المتقدمة وبصناعتها المتطورة وبنمط حياتها المبذر للكرة الأرضية تُعد دولة نامية وبهذا لا تحد الأتفاقية من كمية الغاز التي تقوم أسرائيل بأنتاجها، ومما يميز مفاوضات المناخ عامة وهذة القمة بالذات هو وجود عدة مجموعات وائتلافات تقوم كل منها بأجتماعاتها الخاصة بالاضافة الى الأجتماعات العامة الا أن أسرائيل لم تجد لها مكان بين هذة الأئتلافت حتى اليوم فدول الجنوب ترفض وجودها بأي من ائتلافاتها بينما أنضمامها الى دول الشمال سيفرض عليها ألتزامات هي في غنى عنها. وبينما تنخفض نسبة الأشجار في كافة دول العالم، وهي احد العوامل الهامة في ارتفاع نسبة الكربون في الجو، تتباهى أسرائيل بالأضافة الى تقنيتها المتقدمة، بكونها الدولة الوحيدة التي تزيد فيها نسبة الأشجار سنوياً متجاهلة وغافلاً عن عيون الاخرين أستعمال أسرائيل للأشجار والتشجير كأدة للسيطرة على الأرض ولتشديد القيد على الأقلية الفلسطينية وعلى البلدات العربية فيها. في ذات الوقت لا يمكنني تجاهل العمل البيئي النشط للجمعيات البيئية الأسرائيلية ومشاركتهم الفعالة في المؤتمر وجهودهم اليومية الكبيرة لتطوير أجندة بيئية محلية والدفع بها قدماً.

وأخيراً تقع على عاتق الفلسطينين في الداخل كغيرهم من سكان العالم مسؤولية بيئية اخلاقية، فنحن مشابهون لدولة أسرائيل في مكانتنا الحدية (liminal) التي لا تخلو من الأزدواجية والثنائية ننغم بنمط الحياة الأستهلاكي المبذر للكرة الأرضية وفي الوقت ذاته نشكل أقلية قومية مقموعة سياسياً أقتصادياً ومضطهدة بيئياً. وبالرغم من النقاش السياسي الطويل حول ديمقراطية الدولة وعلاقة المواطن الفلسطيني بها ومعنى المواطنة أو شرعيتها ألا ان هذا ليس بذريعة للتنصل من المسؤولية الأخلاقية ومن دورنا في عملية قمع الأخرين ومن هنا تقع على عاتقنا مسؤولية المواطن في "الدولة الديمقراطية"، وهي التوعية والمشاركة السياسية بتوافق مع الرؤيا الأصلانية والتأثير على متخذي القرار بكل الطرق الممكنة للحد من الأحتباس الحراري ومن عمليات تغير المناخ وللدفع قدماً بأجندات بيئية محلية وعالمية تعتمد خطاب العدل البيئي ومبادئ التطوير المستدام.

Change the politics and save the environment


© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي - محاضرة ومستشارة في مجالي التنمية المستدامة والجندر، حاصلة على اللقب الأول في علم الأحياء واللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية.

جفاف أرتفاع أسعار وخصخصة مياه - تسلسل أحداث معروف مسبقاً

قصة قديمة تكتمل حثيثياتها أمام أعيننا ولم يبقى لنا غير ان نقص حكايتها وأن نتسأل هل ستصمد قياداتنا السياسية أم سترضخ أمام الاغراءات؟
حتى العشر سنوات الأخيرة زوِدت المياه لكافة السكان في البلاد عن طريق شركة مكوروت الحكومية وبواسطة مشروع المياه القطري. كم لا يستهان به من هذة المياه مسلوبة من المناطق الفلسطينية المحتلة ومن الجولان المحتل لكن لن أتطرق الى هذا الموضوع هنا، كما لن اتطرق الى أيديولجية مشروع المياه القطري بكونه مشروع صهيوني من أهم الأركان في الدولة.

المياه هي مورد بيئي قومي وملك عام لكافة السكان أخذت الدولة على عاتقها مسؤولية أستخراجه وتوزيعه على السكان بشكل منظم ومن هنا سُنت في سنوات الستين قوانين تمنع أستعمال الأبار الخاصة وتمنع جمع مياه الأمطار وهكذا تجري كافة المياه التي تتبارك بها البلاد الى مجمعات المياه الجوفية أو غيرها من بحيرات ووديان وتكون الدولة الوصية الوحيدة على استخراج المياه وتوزيعها بشكل عادل يتجاوب مع احتياجات السكان والقطاعات المختلفة.

تتوزع المياه بين القطاعات المنزلي الصناعي والزراعي، حيث أن نسبة أستهلاك القطاع المنزلي تعادل 30%، والقطاع الزراعي 60% وقد أرتفعت هذة النسبة بشكل حاد وملحوظ عشية مفاوضات أوسلو، و10% حصة القطاع الصناعي.

حتى نهاية التسعينات لم يقم السكان بكونهم ملاكي المياه بدفع ثمنها، انما بدفع تكلفة أستخراجها وتزويدها للمنازل بواسطة شبكة المياه العامة التي تصل بين البلدات وشبكات مياه محلية في داخل المدن القرى والمستوطنات. اما الرسوم التي تدفع فهي تكلفة بناء وصيانة هذة البنى التحتية.

لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للقطاع الزراعي فبكونه من أعمدة الأقتصاد الأسرائيلي وبتمركز اللوبي الزراعي وتضاعف قوته في البرلمان فقد زودت وما زالت تزود المياه للقطاع الزراعي بثمن رمزي جداً وذلك للمحافظة على الزراعة المحلية وعلى الأستقلالية في الأنتاج والأعتماد على الذات. طبعاً الأمر تغير مع ثورة الهايتك حيث تحولت اسرائيل الى دولة رائدة في مجال التقنيات الألكترونة وبشكل موازي تتحول أسرائيل من مسارها القومي الأشتراكي الذي الهم قيادتها في تأسيس وبناء الدولة الى مسار رأس مالي. وهكذا لم تعد الزراعة من أعمدة الأقتصاد الا انها ما زالت المستهلك الأكبر للماء وما زال الأستهلاك الزراعي للماء يُعتمد كورقة مساومة في المفاوضات المنطقية لتقسيم المياه.

أذاً فان القطاع المنزلي لا يستهلك الكم الأكبر من المياه أنما حصة الأسد من المياه تستهلك من قبل القطاع الزراعي، وبينما يدفع القطاع المنزلي ثمن توفير المياه يحصل القطاع الزراعي عليها مجاناً. أضافة الى هذا لا يمكن التغاضي عن تدني نسبة المنتوج الزراعي من الأنتاج العام وقد نشهد ذلك ايضاً بسمسرة الأراضي الزراعية وتحويلها الى عقارات وبالرغم من هذا كله ما زالت نسبة الأستهلاك الزراعي للمياه مرتفعة بالرغم من الجفاف!!!

جفاف؟!!!!!
نعم نعم منسوب المياه وتوزيع الأمطار في حالة غير أعتيادية لكن هل يكمُن الحل في التقنين المنزلي للمياه؟

لا

اذاً لماذا كل هذا الحديث عن ترشيد الأستهلاك المنزلي للماء؟ لرفع الأسعار

لماذا ترفع الأسعار؟ هل أزدادت تكلفة صيانة شبكة المياه؟

لا، لكن للحد من الأستهلاك!

لكن الأستهلاك الفردي المنزلي للمياه هو أستهلاك ثابت (קשיח) بمعنى أن كمية المياه التي يحتاجها الفرد للأجابة على حاجاته الأساسية لا تتغير مع أرتفاع او أنخفاض الأسعار. أرتفاع الأسعار قد يحد من أستهلاك الماء المنزلي للحدائق أو لحمامات السباحة المنزلية وأن كان هذا هو الهدف فيمكن رفع أسعار الأستهلاك التي تتعدى كمية معينة مخصصة بحسب عدد الافراد بالمنزل وحيث أن أصحاب الحدائق المنزلية وحمامات السباحة هم عادة من ميسوري الحال فأن ارتفاع الأسعار لا يشكل رادع لأستهلاك الرفاه ولن يحد من أستهلاك المياه.

بالأضافة الى تدريج كميات الأستهلاك وتحديد كمية الأستهلاك للفرد سوف ترتفع أسعار المياه عامة ابتدءاً من كانون الثاني 2010 بنسبة 40% وما زلنا في بداية المشوار فعملية الخصخصة في أوجها حيث أبتدأت في نهاية التسعينات في القدس وهرتسليا وفتحت لها الأبواب على مصراعيها في سنة 2001 حيث سنت الكنيست قانون شركات المياه والصرف (תאגידי מים וביוב)، وبحسب هذا القانون تقوم البلديات والمجالس المحلية والأقليمية بنقل أدارة شؤون المياه الى سلطات مياه محلية لفترة ثلاث سنوات بعدها يمكنها بيع هذة السلطات الى شركات خاصة ومستقلة وبهذا تكتمل عملية الخصخصة.

أسرائيل ليست بالدولة الأولى التي تقوم بخصخصة شبكة مياهها، فقد سبقتها في هذة التجربة أنجلترا وفرنسا وبعض الولايات الأمريكية بالأضافة الى العاصمة الأرجنتينية ومانيلا في الفليبين وبوليبيا واندونيزيا وجنوب أفريقيا وغيرها. وفي جميع هذة الحالات كانت النتيجة أرتفاع مستمر في الأسعار وأنخفاض في جودة المياه وفي وتيرة الرقابة وأهمال وعدم صيانه لشبكة المياه عامة.

في انجلترا على سبيل المثال أضطرت الحكومة للتدخل ولسن قوانين للحد من أرتفاع الاسعار الأ ان ذلك لم يحد من الأرتفاع بعدد السكان الذين قطعت عنهم المياه لعدم تمكنهم من دفع الرسوم بالأضافة الى أرتفاع بنسبة تفشي الديزنطيريا (Dysentery) وامراض أخرى الناتجة عن تلوث المياه وعن عدم المحافظة على النظافة الشخصية.

في مدينة أطلنطا في جورجيا في الولايات المتحدة أرتفعت الأسعار مباشرة بعد الخصخصة بالأضافة الى فصل 400 عامل من أصل 700 مما أدى الى هبوط حاد في خدمة المياه وقد ظهرت المياه في الأنابيب المنزلية بلون قاتم وأنقطعت المياه عن البيوت لساعات طويلة دون سبب وأرتفعت عدد حالات التلوث من البكتيريا ووجب غلي المياه قبل الأستعمال بشكل مستمر. نتيجة الى وابل من الشكاوي أضطرت بلدية أطلنطا في نهاية المطاف الى الأستعانة بخدمات مراقبين خارجيين لمتابعة عمل شركة المياه مما كلفها كم طائل من الدولارات وأضطرها الى الغاء التعاقد مع الشركة والى أعادة خدمات المياه والصرف الى أدارة البلدية.

يمكن معاينة تفاصيل هذة الحالات وأخرى في تقرير "أصدقاء الأرض" هنا.

في بداية الأمر قد يشعر القارئ الفلسطيني بأنفراج نوعاً ما فالسكان الفلسطينين يعانون الأمرّين من العقوبات الجماعية بقطع المياه عن القرى والبلدات العربية وهي حالة مستمرة منذ بدء الدولة ومشروعها القطري للمياه حتى يومنا هذا، لكن من الجانب الأخر عملية الخصخصة المدمرة لأركان الدولة بكيانها الصهيوني تقذف بالفئات المستضعفة وعلى رأسها المجتمع الفلسطيني الى فكي رأس المال كما هي الحال في أنجلترا واطلنطا وغيرها.

بالأضافة الى ذلك فأن عملية صرف تطهير وتكرار المياه العادمة لأستعمال القطاع الزراعي ستتم بواسطة مفاعل تطهير بملكية يهودية دأبت الدولة على تطويرها خلال العشرين سنة الأخيرة وهكذا سيستمر أقصاء القطاع الزراعي الفلسطيني كم تم أقصاءه سابقاً ولن تضمن له الخصخصة أي ملكية أو حرية تصرف بمياه الصرف في البلدات العربية.
سريعاً سيجد المواطنون الفلسطينيون أنفسهم بين المؤيد والمعارض أو قد يصح القول بين المنتفع والمعارض وبين المعارض والساذج الواهم بوجود السوق الحر وبنجاعته، وسيشمل هذا الأنشقاق القيادات السياسية وسيتحول النضال من نضال قد يجتذب الأنظار بكونه نضال أقلية قومية أصلانية في دولة أستعمارية الى نضال عابر لفئات مسحوقة ومهمشة في دولة عصرية تسيطر بها الرأسمالية العالمية.

لا أدري أي من السلطات المحلية موجودة في أي مرحلة من هذة العملية لكن أذا كان مشروع الأقلية الفلسطينية في أسرائيل هو مشروع صمود فأي من رؤساء البلديات سيصمد وأي منهم سيكون من المنتفعين وقد يحتفي سياسيا بأهتزاز الكيان الصهيوني واجتماعياً لعله يراقص رأس المال؟!!!


© حقوق النشر محفوظة

نسرين مزاوي - محاضرة ومستشارة في مجالي التنمية المستدامة والجندر، حاصلة على اللقب الأول في علم الأحياء واللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية.

وأن تعددت الزوجات يبقى القمع واحد – تعدد الزوجات أطار ثقافي أحتجاجي أم أطار قمع أقتصادي سياسي؟

سأحاول في مقالتي هذة نص رؤية تحليلية سياسية لظاهرة تعدد الزوجات الأخذة بالأنتشار في المجتمع الفلسطيني في اسرائيل فأن نسبة انتشارها في النقب تتراوح بين 30-40% ونجدها منتشرة في الشمال أيضاً وكذلك بين غير المسلمين بأشكال مختلفة.

في البداية سأحاول الوقوف على الظاهرة واشكاليتها في عصرنا هذا ومن ثم سأنتقل الى طرح المعضلات والتخبطات الثقافية الفكرية السياسية والاجتماعية التي يجب الوقوف عليها بتأني قبل التسرع بأصدار الأحكام النمطية.

طبعا مما لا شك فيه هو معاناة النساء التي يتم هجرها لصالح الزوجة الجديدة فهي تعاني الامريين. فثمن الألتزام المزدوج الغير متكافئ لصالح المرأة الجديدة هو أهمال وأخفاق بالمسؤوليات العائلية الزوجية الأقتصادية الأجتماعية والتربوية التي التزم بها الزوج لزوجته الاولى وأبنائها وبناتها. بالأضافة ومما لا شك فيه تلاشي اخفاقات الرجل الزوجية العائلية الأجتماعية والتربوية امام الشرعية البطريركية اللامتناهية، وبهذا يقع العبئ الأجتماعي والأقتصادي بأكماله على الزوجة واولادها حيث فقدت اولاً الألتزام الأقتصادي في أطار الزواج وبما انها غير مطلقة فهي غير مستحقة للنفقة أو مخصصات الضمان الأجتماعي للأمهات الأحادية (عائلات احادية الوالد، مطلقات أو ارامل)، وهكذا تتحول الأخفاقات الأخرى التي تلاشت أصلاً الى هامشية في ظل المعاناة الأقتصادية اليومية للنساء واولادهم في هذة الحالات.

من جانب اخر تقوم الزوجة الجديدة الغير مأطرة رسمياً بأطار زواج قانوني حيث يمنع القانون الأسرائيلي تعدد الزوجات، بالحصول على أستحققات الضمان الأجتماعي بكونها أم أحادية. وهنا أفتراض بايمان قاطع بأن من يحصل على هذة المخصصات وينفقها هو الزوج وليست الزوجة الجديدة.

ولا يمكنني تجاهل خصوصية النساء المُقحمات رغماً عنهن الى هذة الوضعية – وضعية ما بين بين، لا معلقة ولامطلقة – فنجدهن اساساً نساء مستضعفات أجتماعياً أقتصادياً وسياسياً، اما النساء الممكنات فنجد ان لديهن القدرات على تخطي العقبات والخروج من هذة الوضعيات والوصول الى حلول جذرية قاطعة. ومما لا شك به ان أطار تعدد الزوجات تحول من أطار شرعي للأجابة على حاجيات أجتماعية معينة الى اطار قمع اقتصادي جندريالي بحت حيث تحول به القمع الاقتصادي الأولي الى قمع أقتصادي مضاعفاً ومحتم.

سأقتصر الحديث عن سلسلة المعاناه التي تواجهها النساء في السعي وراء حلول من خلال المؤسسات والمحاكم المدنية الأسرائيلية أو من خلال المحاكم الدينية الشرعية والنظم الأجتماعية المتعارف عليها فهي من جميعها تخرج بكفي حُنين. وبما ان القهر والاضطهاد الممارس ضد النساء في هذا الاطار هو ذو خصوصية أقتصادية بحتة، فأن عملية البحث عن حلول لا بد ان تشمل هي أيضاً جوانب أقتصادية بحتة.

عملياً أن كل عقد زواج اي كان هو نوعا ما عقد أقتصادي، يلزم من يشارك به بضمان متبادل وبشراكة تامة وشاملة. فعملياً المردود المادي الناتج عن عمل احد الزوجين خارج المنزل في حين يقوم الاخر بالمواظبة على الأعمال المنزلية صيانة المنزل ورعاية الاطفال هو مردود مادي مشترك من نصيب الأثنين بالتساوي، ولا يحق لأي من الزوجين حجبه أو منعه عن الأخر. ومن هذا المنطلق تقر المحاكم المدنية بتوزيع الاملاك بين الزوجين بشكل أو باخر في حالات الطلاق ومن ذات المبدئ يستحق الأرمل او الأرملة مخصصات التقاعد في حالة وفاة احد الزوجين، وكذلك مخصصات الشيخوخة والضمان الأجتماعي في حالة فقدان اي منهم القدرة على العمل.

النساء في حالات تعدد الزوجات تعاني اولاً القمع السياسي حيث تتجاهل المؤسسة الشرطوية والحقوقية الاسرائيلية توجهاتهن بعذر التعددية الثقافية وتتواطئ المحاكم الشرعية مع هذة السياسات لتشد أزر البطريركية الذكورية الرأسمالية (المتملكة للنساء) التي بدورها تغذي برد فعل رجعي سلطوية المؤسسة الحاكمة. ثانياً القمع الأجتماعي فأن كان الطلاق هو السبيل للحصول على الحقوق الأقتصادية الا ان حالة المطلقات الاجتماعية ليست بأفضل من حالة النساء المهجورات، وبالمحصلة يثلث القمع ليكون سياسي أجتماعي أقتصادي.

فان لم ينصفهن القضاء ولم ينصفهن الطلاق، أي لم تنصفهن اي من المؤسسات المدنية أو الدينية أو الأجتماعية فلا بد للنساء بالتوجه الى رفع دعوى جزائية حيث لا يحق للزوج بالتصرف بدخله على اهوائه، فقد يبذره على المرأة الثانية أو الثالثة او الرابعة أو قد يبذره على تفاهات اخرى خالاً ب ومتنصلاً من التزاماته في عقد الزواج الاول لزوجته الاولى ولأبنائها منه.


قد يكون اقتراح رفع الدعاوي الجزائية أقتراح ساذج وحالم فالتوجه للقضاء وان بدعوى جزائية يتطلب أيضاً قدرات وموارد دعم اجتماعية وأقتصادية ولكني من هنا اريد الأنتقال الى المعضلات السياسية الأيديولوجية حول الموضوع لتكن نقطة أنطلاق لبناء أستارتيجيات مجتمعية.

وهنا تستوقفني حالات تعدد الزوجات التي تتعامل بها النساء مع الوضعية القائمة كوضعية عادية ليس فيها اي من أشكال القمع والأضطهاد وتأخذني الى مواقف لم أتوقعها، فقد تكون نقطة الأنطلاق النسوية الأولى المناهضة لظاهرة تعدد الزوجات لما فيها من قمع واضطهاد جارف للنساء تنطلق من فرضيات خاطئة وتسعى عفوياً وراء نموذج ونمط كولنيالي رأسمالي كنسي، وهو أطار الزواج الثنائي المونوجيمي، غافلة ان نماذج الزواج والاطر العائلية أختلفت بين الحضارات المختلفة.

أن المجتمعات البطريركية على أطرها المختلفة ترتبط بشكل مباشر مع الرأسمالية التملكية حيث تفقد فيها النساء والأطفال مكانتهم المستقلة فتكون ملك للرجال. أما في حضارات أخرى ومنها المطريركية التي انتشر العديد منها بآسيا وبأفريقيا وبأمريكيا ما قبل الأستعمار الأوروبي على أشكاله، فقد نسبت الأطفال الى أمهاتهم ولم يكن للأب دور مركزي في تنشأة الطفل أو في حياته العائلية أو الأجتماعية، وفي بعض الحضارات الاخرى أختلف مفهوم العائلة أن وجد أصلاً وأختلفت انماط العلاقات الاجتماعية عن الانماط المتعارف عليها اليوم في عالم ما بعد الأستعمار.

كذلك الأمر بالنسبة للحضارات الأسلامية فقد تواجد بها انماط حياة عائلية وزوجية مختلفة بالأضافة الى النمط الثنائي المونوجيمي، وأفترض أفتراض عبثي بأن الأشكاليات النابعه من ظاهرة تعدد الزوجات التي يعاني منها المجتمع اليوم هي أشكاليات عصرية نابعة عن تراكمات قمعية على مستويات مختلفة، وأفترض أيضاً ان ظاهرة تعدد الزوجات لم تكن منتشرة بشكل جارف كما هي اليوم أو ربما لم تكن ذلك الاطار القامع كما هي اليوم او ربما نعم ويجب ان نأخذ بعين الاعتبار الفترة الانتقالية ما بين الجاهلية والأسلام حيث لا يوجد لدي أي فكرة عن الأنماط العائلية والزوجية التي اتبعت حينها وأفترض انها لم تتلاشى جميعها بين ليلة وضحاها.

وبأعتقادي أننا كنسويات قد نخطأ الهدف بأستهداف تعدد الزوجات كأطار أشكالي بحد ذاته، وأن كان الاطار غير منصف ليبراليا ولكن وبما انني من مناهضات الليبرالية فلا ارى بنقص الأنصاف الجندريالي الليبرالي الكمي اشكالية اساسية أو جوهرية، أنما بعمليات القمع، الأضطهاد والأستضعاف اللولبية المغذية واحدة للأخرى والقابضة باحكام على أنفاسنا وتطلعاتنا فمن من النساء الممكنات أقتصاديا أجتماعيا وسياسيا أقحمت الى أطر أو مسارات رغماً عنها؟! وان تم ذلك بشكل او بأخر فقدرتها على الخروج من لولبيات القمع تعتمد مواردها الاجتماعية السياسية النفسية والاقتصادية. فلنعمل على توسيع هذة الموارد وعلى تقليص دوائر الأضطهاد وليس بعمل تدعيم فرداني موضعي أشبه باخماد الحرائق، انما بعمل جماعي من خلال مشروع أجتماعي سياسي شامل لكافة الهيئات والأطر الحزبية والسياسية والأجتماعية التي تزعم العمل على أجندات تحرر وهي غالباً ما تكون أجندات انتقائية غير شمولية فتبني وهماً فرضيا مؤقت نتيه فيه الى أجل غير مسمى.


© حقوق النشر محفوظة
نسرين مزاوي – ناشطة اجتماعية نسوية حاصلة على اللقب الثاني في أدارة موارد بيئية وطبيعية وعلى اللقب الاول في علم الأحياء.